ديــوان الشعر الأماراتي – قراءة نقدية معاصرة


 

ما عليك إلا ان تبتهج وتزف البشرى لنفسك ولمن حولك , فما توقعته منذ زمن في مقالاتك السابقة قد تحقق بسطوع نجم صاحبك الذي أصبح اسماً لامعاً في تفاصيل المشهد الثقافي , وتتذكر زيارته الى مكتبتك ــ مكتبة الادباء ــ في منتصف تسعينات القرن المنصرم , اذ حط في رحابك ووضع بين يديك رسالة الصديق الشاعر حسين عبد اللطيف , وفيها تحية بصرية وبين سطورها رجاء باهتمامك وصحبك ــ باعتبارك مشتغلاً في الشأن الثقافي و رئيساً لاتحاد ادباء محافظتك بابل , بحاملها المهندس الحلّي الشاب الحالم والعائد الى مدينته التي انجبته , و هاهو بعد سنوات ليست طويلة , يملأ المشهد شعراً ونقداً واصدارات تنتزع الاعجاب والثناء , فمنذ ديوانه الاول ( اناشيد ) الذي اصدره عام 2003 م , توالت اصداراته التي بلغت ((17)) كتاباً بين الشعر والدراسة والنقد وليس أخرها اصداره هذا الذي نحن بصدد إلقاء الضوء عليه والذي صدر عن وزارة الثقافة والتنمية في الامارات العربية المتحدة بعنوان (( ديوان الشعر الاماراتي ــ قراءة نقدية معاصرة )) اواخر عام 2016 م , وهو اضافة الى ثلاثة كتب نقدية كانت ثمرة اقامته في الامارات العربية مهندساً وللأهمية لابد من الاشارة الى عناوينها وهي :

.. الشعر الاماراتي المعاصر / 2010 م ــ وزارة الثقافة ــ الامارات
.. جماليات الشعر من القراءة الى التاويل / ط1/ 2011 ــ الشارقة ،، دائرة الثقافة والاعلام
.. سيمياء الصورة في الصحافة الثقافية / ط1 / 2013 ــ الشارقة ــ دائرة الثقافة والاعلام

في اضاءة جهة الاصدار التي ارسلتها في مطلع الكتاب بغير عنونة تشير فيها الى ان :

تأتي سلسلة اصدارات الوزارة ضمن جهود الوزارة المتواصلة لارساء البيئة المحفزة للابداع المعرفي , وتعزيز حركة التأليف والترجمة وصناعة النشر بالدولة , ولتكون نافذة للمبدعيين الاماراتيين والعرب , وابراز مواهبهم وقدراتهم الابداعية

في مجالات الكتابة الادبية والفكرية والعلمية وطبع ونشر انتاجهم بما يضمن الازدهار الثقافي والمعرفي بعيد المدى للأمارات …

ويفرحك المبدع المثابر المهندس ذياب شاهين في تقديمه الموجز برؤيته الدقيقة والموجزة في منهجيته اذ يقول :

… ولذا فقراءتنا لدواوين بعينها لشعراء معينين هو اقرار منا بتمايز هذه الدواوين وتمايز شعرائها , ولكن علينا التلميح ان ما تحت ايدينا من دواوين لا يلغي انتاج الشعراء الآخرين الذي لم نحصل على دواوينهم فهناك فعلاً شعراء لا مجال لذكر الاسماء كانوا يجب ان نقرأهم , لذا وجب علينا التنويه لكي لايساء فهمنا وكذلك كي لاندمغ بالانحياز لاحد على حساب أحد …

و (( ديوان الشعر الاماراتي في فصلين : الأول : يتناول البدايات في الشعر الاماراتي الحديث في بابه الأول وفي الباب الثاني ــ الرحلة الوجودية في الشعر الاماراتي الحديث , وكلا بابي هذا الفصل تتضمن عناوين فرعية , ففي البدايات … يتناول المؤلف نتاج ثلاثة من الشعراء المؤسسين وهم : سالم بن علي العويس , صقر بن سلطان القاسمي , احمد أمين المدني , بقوله :

يرى الكثير من الباحثين ان الشعر الاماراتي ليس منبتاً بل متواصلاً مع المنظومة العربية التي انتجته فالمواطن هناك يقول الشعر بالفطرة , وخصوصاً الشعر الشعبي النبطي , كما ان الشعراء يعرفون الشعر الجاهلي وماتلاه من شعر في العصور الاسلامية اللاحقة , وفي حديثه عن الشاعر صقر القاسمي يقول المؤلف :

يعد الشاعر صقر بن سلطان القاسمي احد رواد الشعر في الامارات العربية المتحدة , وهو من اوائل ادبائها المعدودين الذين كتبوا القصيدة العمودية , وأسهموا في تطور حركة الشعر والادب فيها , ومن اوائل من طبعوا دواوينهم في الخليج العربي , حيث طبع ديوان وحي الحق في عام 1945 , وهو عضو مؤسس في جماعة الحيرة الى جانب سلطان العويس وخلفان بن مصبح وغيرهم …

وتقول ابنته الشاعرة والفنانة التشكيلية ميسون في معرض تحقيقها لمؤلفاته :

كان الشاعر الشيخ صقر القاسمي يكتب القصيدة ــ اذن ــ بالفطرة , فكان صائد قصائد لا صانعاً محترفاً متقناً دون روح , لهذا نجد قصائده متوهجة أخاذة , لكن بعضها قد يُفلت ــ وهذا نادر ــ فتختلّ عروضياً , ولهذا ــ وهو استنتاج مني ــ كان يغيّر … لانه شاعر الفطرة لا دارس عروض وقوافٍ ونحو , فهو يحس بموسيقى

الشعر بالسليقة , ومن بعض اشعاره يختار المؤلف ذياب شاهين بعض النماذج معززاً بحثه ومنها :

ساءلت نفسي مرةً والشمس تدنو للمغيبِ
حمراء قانية كلون الدمِّ في اليوم العصيبِ
فسألت مشرقة الصباح عليلة العصر العجيبِ

ومن ردود الشاعر الشيخ صقر القاسمي على قصيدة ذائعة لأمير الشعراء زمانه احمد شوقي والتي منها :
بلادي وان جارت عليَّ عزيزة
وأهلي وان ضنوا علي كرامُ
يقول الشيخ الشاعر :
بلادي وان جار العدوُّ بلادي
أكافح عنها مؤمناً بجهادي

اما الفصل الثاني ( غواية الحداثة ) ص 55 ــ ص 147 , فيتضمن دراسة مهمة عن مجموعة من شعراء الامارات الذين توفرت دواوينهم تحت يد المؤلف , وبرأيي ان هذا الفصل يشكل خلاصة وافية عن المشهد الشعري الاماراتي وابرز الفاعلين فيه , واتمنى على الصديق المؤلف ــ وهو الناقد الجاد المثابر ــ ان يضع في وارد اهتماماته المقبلة (( كتباً )) منفردة عن كل شاعر/ة , تناوله في هذا الجهاد القيم, وهو القادر على ان يمنحنا متعة الاطلاع على تجربة كل واحد/ة منهم وفي سبيل تعريف القارئ غير الاماراتي على ابداعات اشقائهم , ومن دراسات الفصل الثاني العنوانات التي اضاءت متن الكتاب النقدي هذا وهي عناوين كاشفة عن مدى حرص المؤلف على اعطائنا صورة تفصيلية عن المشمولين بهذا الفصل :

ومنها : غواية الحداثة , يلتف في خيط دخان , الاماكن لاتبوح باسرارها , ثالوث الحب والموت واللغة , عندما يفلت الزمن بعيداً , رجل مجنون لا يحبني , شتاء , الصعود الى اقصى الابار , غبطة التوحد في الآخر , و … زحام لا أحد فيه … و رأيت ان اقدّم للقارئ جزءاً من دراسة المؤلف عن الشاعرة ميسون صقر كأنموذج لما قدمه في بقية دراساته ,

يقول ذياب شاهين الناقد الشاعر في ( رجل مجنون لا يحبني ) :

ان العتبة الرئيسة للديوان تحاول ان تكسر المتعارف عليه , اذ ان هناك رجلاً مجنوناً لا يحب , وهذا الرجل الذي هو رمز اكثر من كونه حقيقة متعينة , قد يشير للزمن او لمكان ما أو اي شيء يلهم الشاعرة في انثيالاتها الشعرية , والتلقي يتساءل هنا لِمَ ينعت هذا الرجل بالحنون ؟ ولِمَ تلبسه الشاعرة هذا الثوب ؟ وهو لم يأتِ بما يكسر المتعارف عليه في قانون الصحراء …..

حين تمرّ أمامي
يرشح ظلي عليك
أنعكس بحناني فوق غبطتك
لكنك لا تحبني
تسمعني
و اذنك في الطريقِ
تراني
ولا عين مبصرة لديك …

وفي ختام هذه القراءة الانطباعية / التعريفية بمنجز المبدع ذياب شاهين لابد من الاشارة الى ما قاله المؤلف وهو يطوي الصفحة الأخيرة من كتابه المهم (( ديوان الشعر الاماراتي )) :

لقد وجدنا تنوعاً غزيراً في الموضوعات والاساليب وتداخلاً خلاقاً بين الاجيال , وهذا يدل على حيوية الشعر الاماراتي وقدرته على صنع ملامح خاصة تنتمي اليه وتعرف به واختيار شخصية المستقلة …

وأخـــــــــــــيراً :

شكراً للراحل الشاعر البصري حسين عبد اللطيف الذي كشف لنا ــ في البدء ــ عن كنز ثمين انجز لنا (( 17 )) كتاباً في ((13)) سنة , وضعناه في القلوب وقرأناه بمحبة عراقية امتزجت فيها طيبة البصريين بوفاء الحليين وهو ذياب شاهين الناضجة وعلامة ثقافية عراقية مبدعة ……….

لا تعليقات

اترك رد