محنة الاستبداد السياسي في العالم العربي – ج2


 

…وها هي السلطات العربية – القوية والشديدة جداً على شعوبها، والضعيفة واللينة جداً أمام أعدائها- تعجز (وهي التي ما زالت تصم آذاننا بضرورة أن نسلم لها، وندفع تكاليف حروب لم تقع، وأسلحة مكدسة لم تستخدم، وأن نقدم أثماناً باهظة لأسلحة مخزونة في صحارى البؤس والعجز والموت) أقول: إنها تعجز (وهي القادرة أصلاً من خلال ثرواتها وإمكاناتها واستثماراتها الضخمة) عن وضع خطط عملية لمواجهة أي مشروع تفتيت قد يفتك بجسد الأمة، لا بل إنها لا تستثمر وجود هذا المشروع للبدء بإصلاحات جدية داخلية، وتحقيق انفراجات سياسية واجتماعية حقيقية، والانفتاح على شعوبها، ورفع مستواهم المعيشي والحياتي، وتطوير واقعهم العام، وفسح المجال أمامهم للتعبير عن آرائهم وممارسة حرياتهم سلمياً وحضارياً.. لكنها بالمقابل تستغل مناخ الأزمات والأخطار التي قد تكون محدقة بمجتمعاتها فقط لكي تزيد من سطوتها وجبروتها وقهرها وتحكُّمها بالبلاد والعباد، وفرض مزيد من الإملاءات القهرية عليهم.

في ظل هكذا مناخ عام مستحكم ومسيطر من القهر والقسر والضياع الكلي الشامل –الذي يتسبب به الاستبداد السياسي بشكل أساسي- فإنه لا يمكننا أن نتصور أبداً أنْ تقوم الدول والمجتمعات المصابة بتلك الآفة الخطيرة (ومنها مجتمعاتنا العربية والإسلامية) بأي منجز حضاري مشهود له، ولا أن يكون لها أي دور أو حضور مؤثر، أو حتى تحقيق أي استثمار فعال لطاقتنا البشرية الحية في الخلق والابتكار في هذا الموقع أو ذاك إلا فيما ندر.. لأن طاقة معظم أبناء تلك المجتمعات (مجتمعات الاستبداد) ليست موجهة نحو العمل المنظم الفاعل المنطلق من خلال ضرورة ممارسة واجب النقد وتعميق الحس النقدي في الأمة، أي نقد الذات.. وإنما الملاحظ أن طاقة أبناء الأمة موجهة أساساً باتجاه تحقيق غرض واحد هو تحصيل الحد الأدنى من لقمة العيش وكفاف الحياة اليومية مع كونها مغموسة بالعار والذل والاستعباد، ولذلك فإن هؤلاء لا يجدون –كما قلنا سابقاً- الوقت الكافي للتفكير أبعد من مرحلة “اللهم أعطنا خبزنا كفاف يومنا” أو بالتعبير العامي: “نمشي الحيط الحيط ونقول: يا رب السترة”.. على اعتبار أن النظم الحاكمة في بلداننا العروبية (التي عسكرت مجتمعاتنا ودجنتها من أجل أن تحسن الامتثال والتصفيق وتقديم فروض الطاعة وطقوس الولاء الأعمى.. حتى تحولت مع الزمن إلى مجتمعات ميتة سياسياً، وفقيرة اجتماعياً، ومفقرة اقتصادياً، وبائسة ومحبطة ثقافياً.. ولذلك فهي قليلة الفاعلية والأثر، ليس فقط في أحداث العالم، بل في قضايا العرب المصيرية، إلا على نحو سلبي أو عقيم أو مدمر) قد سحقت –على امتداد كل تلك العقود الطويلة- كل قيمة إيجابية، وإرادة خيرة عند الفرد العربي المسلم، وضربت كل مواقع الفاعلية والعزة والكرامة لديه.. أي أنها أنهتْ مجمل الصّفات والخصال النفسية الراقية التي من المفترض أنْ يتمتعَ بها أي إنسان صاحب هدف ومبدأ حقيقي في الحياة، والتي تدفعه لإحداث عملية التغيير والبناء والتضحية في طريق ذات الشوكة، ودفع الأثمان المترتبة على ذلك.

لذلك إننا نعتقد أن الكتلة الشعبية العربية والإسلامية الراهنة –التي تشكل القاعدة الأساس في إحداث أي عملية تغيير أو إصلاح- قد أضحت معطوبة ومصابة بداء انعدام القدرة على العمل والتغيير، أي أنها أصبحت كتلة غير صالحة نفسياً وتاريخياً لعمل أي شيء سوى الكلام في الهواء والصراخ في البيوت، وأحياناً في صالات ودهاليز المؤتمرات.. الأمر الذي بات يتطلب ضرورة وجود كتلة تاريخية وشعبية جديدة تمتلك مقومات وخصائص نفسية فعالة مختلفة كلياً عما هو سائد عندنا الآن من أنماط فكرية وسلوكية.. بحيث تكون قادرة معنوياً ومادياً على خلق الوقائع وإنتاج الحقائق اللازمة لممارسة الحرية الصحيحة والمسؤولة.. لأن الحرية هي الثمرة الطبيعية للنهوض والقدرة والفاعلية. والقدرة والفاعلية هي فعل خلق وبناء مستمرين، بقدر ما هي صناعة تحويل وتوليد..
وفعل الخلق والتوليد يحتاج إلى قيم معنوية ونفسية يجب أن تتوافر عليها الكتلة التاريخية المغيرة.

طبعاً نحن لا نريد أبداً أن نعطي صورة مأساوية سوداوية عن الواقع العربي والإسلامي الراهن، وكأننا العجز المطلق هو المشهد النهائي الطاغي حالياً، كما وإننا لا نريد أن نعطي للمتغيرات والمستجدات الخارجية حجماً أكبر من حجمها الحقيقي، أو وكأنها أخطار تمثل القضاء والقدر الحتمي المفروض على شعوبنا ومجتمعاتنا، ولكننا نريد أن نعطي للواقع العالمي الراهن صورته الواقعية الصحيحة لكي نتمكن من إنجاز شروط مواجهته بحسب المنطق العلمي والعقلي القائل بأن النتائج تأتي تبعاً لمقدماتها.. حيث أن مواجهة الحقائق الواقعية، وتقدير حجم وقوة الآخر على حقيقتها هي من أهم أسباب تحقيق النجاح والنصر في ساحة المعركة.. الداخلية منها قبل الخارجية.
ونحن عندما نتحدث عن ضرورة تقدير واقعية الأشياء، فإننا نرفض بشدة منطق التخويف والهزيمة النفسية الذي يستخدمه أصحاب النفوذ والقوة في أي مجتمع في محاولتهم فرض أمرهم الواقع على الناس.. وهذا أمر أشار إليه القرآن الكريم: “فاستخف قومه فأطاعوه”.. حيث أن فرعون كان يستخدم أسلوب الهزيمة لدى الناس، ليفرض إرادته واستكباره عليهم.
بناءً على ذلك يجب أن لا نفزع من كل تلك الأساليب.. بل يجب أن نكون أقوياء بإمكاناتنا وإرادتنا ووجودنا الحي الفاعل -برغم قناعتنا بانعدام فرص التغيير في عالمنا العربي والإسلامي حالياً.. وهذا يقتضي منا أن نعمل ما يلي:
1- تحريك العقل في طريق الخير والعطاء والبناء النفسي السليم، وتعويده على التفكير بحرية واستقلال.
2- تغير منهجية التربية في الأسرة والمجتمع وعلى مستوى الأمة ككل.
3- مواجهة رموز ومواقع الجهل باعتبارهم أحد أهم المعضلات الصعبة التي يفقد الإنسان بها حريته.
4- الإيمان بحق الاختلاف في الرأي مع الآخرين.. فالحرية لا يتحقق كمالها الاجتماعي إلا بتحققها العام والشامل في دائرتها الأشمل والأوسع.

لا تعليقات

اترك رد