مدام بوڤاري لغوستاف فلوبير : رقصة النّفس بين الرّغبة والهاوية – ج١


 

تاريخ 7فبراير 1857 نهاية المحاكمة ضدّ غوستاف فلوبير ومالك مجلة” رفيو دي باريس” الأدبية Revue de Paris وكذلك مسؤول الطّباعة فيها إذ برّأهم القضاء بعد أن تمّ اتّهامهم بالاساءة إلى الأخلاق العامّة بعد نشرهم للرّواية –رواية مادام بوفاري- في سلسلة من المجلة المذكورة من 1 أكتوبر 1856 إلى 15 ديسمبر من العام نفسه. وإثر عام من ذلك أضحت رواية ” مادام بوفاري ” الأكثر مبيعا. وتمّ نشرها مُجمّعة وذاع صيتها. وهذا ما احتفظت به إلى اليوم باعتبارها عملا كلاسيكيا مهمّا في الواقعيّة الأدبية. رُغم أنّ الرّقابة رأت فيها عملا فاحشا. بيد أنّها رواية أخلاقية بامتياز فالنّهاية المفاجئة لبطلتها تُوحي بالمآل المأساويّ لكلّ من سوّلت له نفسه الاستهتار بأخلاقيّات المجتمع.

فمادام بوفاري امرأة احتدم بقلبها ميل شديد إلى الشّهوات المترفة فأسلمت جسدها للهوى حتى ذبُلت وفنيت قبل الأوان. وشاء القدر لــ”إمّا” ابنة القسّيس أن ترتبط برجل تجتمع فيه كل نقائض صفاتها فبينما كانت هي أمولا شغوفا حالمة نُلفي زوجها بَليدا ساذَجًا بسيط التّفكير ومحدود الموارد. فإمّا قد وجدت الزّواج سجنا لكلّ رغباتها وآمالها فتمرّدت عن نواميس المجتمع باحثةً عن البذخ والإجابة إلى رغباتها بلا حسيب ولا رقيب فهي تطمح إلى كلّ ما يثمن من عطور ومناديل وفساتين ومَباهجَ ،دون مراعاة لحدود قدرات زوجها.

فالرّواية تقف على مظاهر التّدهور الأخلاقي لهذه البطلة. وقد اعتمدت بذلك التدرّج. فهي في البداية فتاة طائشة لا تُقيم وزنا ولا اعتبارا لأحكام المجتمع . فهي تستمدّ من خيانتها زوجَها وإهمالها لابنتها الصّغيرة مُتعة عالية عمادها في ذلك الأكاذيب التي تفنّنت في نسجها حول نفسها. فنهاية الفصل الأوّل موحية واشية بما ينتظر من أحداث. فهي المُلقية بباقة زفافها في النّار وما يرمز إليه ذلك من إشراع حياتها المحموم على الشّهوة وتحقيقها. وقد عصفت بكلّ نواميس المجتمع الحارسة للأخلاق السّاجنة للجسد القاهرة للرّغبة فلكأنّ السيّدة بوفاري تقدّم نفسها قربانا على عتبات سلطة المجتمع الكاتم لصوت الحبّ الآبق. وهي تفتدي بذلك كلّ المكتومة أصواتهم المكبوتة أجسامهم. فــ”إمّا” (Emma) لا تنفصل نهائيّا عن هذا المجتمع الذي بدا لها منافقا، يمنحها باليسرى حقوقا يفتكّها منها في اللّحظة نفسها باليمنى.. فهي ابنة مجتمع مخملبيّ طالما تغنّى بالحرّيات الفردية. لكنّ السّلط تجثم على قلب هذا الفرد. فترديه بائسا يائسًا خِلوًا من كلّ ما به يجسّد الإنسان إنسانيته فكلّ قوانين الاجتماع فيه رادعة مستبدّة… ولعت مدام بوفاري باقتناء كتب شتّى في الأدب والفلسفة. إلاّ أنّها سرعان ما تضجر منها بعد تقليبها. فالمرأة ماكثة كأبهى ما يكون عند حدود المادّي. ولكأنّ الرّوحي ما وجد إلاّ لخدمة الجسد لا العكس كما ترى الأديان وأغلب المذاهب الفكريّة والفلسفيّة والصّوفية. فهي تبيع كلّ ما بدا للناس ثمينا ونفيسا لتقتني به ما هو ألذّ وأشهى. وهو متعة النّفس في ما تحقّقه لنفسها.

و”إمّا” لا تولي اهتماما لوضعها الاجتماعي ولا لوضع زوجها الماليّ. فلا تشغلها سوى رغبة جامحة لتحقّق الذّات، بعيدا عن الكوابح وعراقيل الدّنيا والدّين . فهي توغل في تخيّل الحكايات الرّومنسية عن نفسها. وتسعى جاهدة لتعيش هذا العالم بملء عرضه. فكثيرا ما تبدو منفصلة عن واقعها صادّة له كمن يفتقد النّضوج العاطفي والعقليّ. فتبلغ الآماد أو تكاد . لا هدف لها سوى الاحتفاء بالرّغبة وإن تهدّد كلّ ذلك حياتَها واستقرارَها. فحتى أثناء صحواتها الإيمانية القليلة، فهي تُعلي من نرجسيتها في حياتها ولا تنشغل إلاّ بما يهمّها هي وحدها. فالفرد فيها يسعى أبدا إلى الانفلات من كَلْكَل الجماعة القامع لتهيام النّفس وميولها. فعنقها مشرئبّ أبدا لتحقيق المزيد فقدرها تحدّي قواعد الاجتماع ونواميسه. ففي إطارها لا تفوز النّفس بنفسها ولا تحقّق شهواتها إلاّ وهي تخاتل القوانين وتدوسها. فتشرف على مهالك الرّغبة تُوغل في التحقّق. وتقتني الّلوحات والصّلبان وغيرها من المقتنيات دون رغبة حقيقية في ذلك. فكأنّ وازعها الأوحد الانتصار للمادّة على حساب الرّوح. فالرّغبة يراها المجتمع إثما وتراها هي جوهر تأصيل الذّات، فاعتدادها بنفسها وتهافتها للوقوع في الحبّ وجها من وجوه تأصيل “الإثم” مذهبا في الحياة تنتقم به من جبروت المجتمع المعتدّ هو الآخر بسلطاته اللاّمتناهية على الأفراد وقلوبهم وأجسادهم وتحويلهم إلى أعوان طيّعين… بيد أنّ “إمّا” تظلّ أمثولة للتمرّد في أكثر ملامحه جرأةً. بل هي تمضي أكثر من ذلك إذ تسعى إلى قلب المعايير الجندريّة مع عشيقيها الإثنين فهي من تنهض بدور المُهدي لا المُهدى اليه ، فتغدق عليهما ما غَلا ثمنه ونفست قيمته لتفوز بقيمة أهمّ من المادّة… وهي الإجابة إلى رغباتها بلا حدود. ممّا سيقودها بالنّهاية إلى شفيف الهاوية في رمز إلى أنّ الرغبة كما المادّة فانية بل والتمسّك بها فناء ومهلكة.

ما اهتمّ فلوبير بتحوّلات حياة “إمّا” حسبُ. وإنّما اهتمّ أساسا بمظاهر التّفاوت الطّبقي واستشراء النّفاق الاجتماعيّ. فيرسم بذلك مِهادا مناسبا لأفعال بطلته وميولها إلى ضرب عرض الحائط بكلّ المكبّلات، والانغراس كلّ الانغراس في صدقيّة الذّات مع ذاتها وتصالحها مع جسدها واعتدادها به وبذاتها خصوصا لدى تلك النّزعة الاستبدادية في حبّ التملّك التي بدت عليها أعراضها مع عشيقها الثّاني بالخصوص. فبطلة فلوبير بدت في تمرّدها شخصيّة مارقة عن حدود واقعها ضاربة المثل في أنّ ما يتميّز به الإنسان، هو مقدار الانشقاق عن أن يكون أداة طيّعة في سلطة واقعه. فكلّما مدّ يدا خارج هذه الحدود ، لامس إنسانيته أكثر وفاز بما به يؤصّل تميّزه وفردانيته.

ولعلّ اللّافت للانتباه في مفتتحات فصول هذه الرّواية التي تحتفي بالمحتفلين الباذخين المهتمين بالسّطح والبهرج الاجتماعي ليحسن فلوبير بناء المفارقة بين ما تعيشه شخصيّاته في مجتمعها المداهن وما تربو إليه “إمّا” من ميل إلى ملامسة أعماقها كلّفها ذلك ما كلّفها. فبنى التّراوح بين الحشود اللّاهية وإمّا اللّاهثة . فكما كفرت بطلته بمجتمعها يظلّ هو لاهيًا عن حالها وعن حيرتها … وتظلّ رواية ” مادام بوفاري” من أهمّ المنجزات القصصية وأهمّها بصمة في ما تلاها من مجتمعات ثقافية. فقد جُسّد العمل في أفلام وأعمال تلفزيونية وأوبيرالية. واحتفى به النّاس كعمل خارق لنواميس مجتمعهم. لكن هل كفّوا عن النّظرة الأخلاقوية لهذه البطلة ونظروا إليها عملا فكريّا يقارع فيه الفرد سؤدد مجتمعه الظّلوم ؟. وهل من الممكن لمجتمعات تحكمها الأديان والأخلاق أن تحتفي بإنسانية الإنسان في مواجهة قهر المجتمع وإن كانت الذّات ذاتا آبقة آثمة ؟ .

ورغم كلّ ذلك يظلّ لهذا العمل الإبداعي الكلاسيكي عميق الأثر مذ أنتجه فلوبير حتى الساعة. ونعتقد أنّه كان وسيظلّ فاتحة مهمّة في جنس الرّواية العالميّة .. فلوذوا به لترقصوا على محنة الإنسان بين الرّغبة والهاوية… قراءةً لذيذةً….

تصدير :
يقول فلوبير في إحدى رسائله سنة 1852 “وجب أن يكون الكاتب في مؤلّفه كما إله في الخلق حاضرا في كلّ شيء دون أن يُرى”
“L’auteur, dans son œuvre, doit être comme Dieu dans la création, présent partout mais visible nulle part” GUSTAVE FLAUBER – lettre à Louise Colet,1852

شارك
المقال السابقالحايط لو مال يميل على أهله
المقال التالىأنهار وشوارع ورصيف في ذاكرة
عمّار التيمومي باحث في الأدب العربيّ القديم من مواليد 1969 ببني جلاص بالقيروان تخرّج عن كلّية الآداب بمنّوبة1994 وحاز على شهادة الماجستير عن كلّية الآداب بالقيروان بملاحظة حسن جدّا.له "عيون العشّاق" منشور بدار الأمل الجديدة السّورية .و"البرنزيّ" وهي رواية تحت النّشر.وله محاولات إبداعية ونقدية ودراسا....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. أستاذ عمار الرائع
    نص في غاية الروعة ، طوبى لك على هذه الكتابات الراقية
    دمت بخير وصحة وعافية
    ودمت متابعة لنصوصك

اترك رد