المرأة الحسانية المغربية ومكانتها في مجتمع الصحراء


 

تمتعت المرأة بالمغرب عبر العصور بمكانة متميزة داخل المجتمع،حيث ساهمت إلى جانب شقيقها الرجل في بناء النشء وتنمية البلاد اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا،فأول جامعة في العالم وهي جامعة القرويين بفاس أسستها إمرأة هي فاطمة أم البنين،ما يعكس الدور الذي اضطلعت به منذ غابر الأزمان في مختلف أنحاء البلاد. إلا أن المرأة الحسانية المغربية في مجتمع الصحراء تمتاز عن غيرها سواء في شمال أو شرق أوغرب البلاد،بعديد الخصوصيات والمميزات،رسختها العوائد واكدها دورها الريادي داخل المجتمع الصحراوي المغربي. فماهي مكانة المرأة الحسانية المغربية داخل مجتمع الصحراء؟وماهي الخصوصيات التي تمتاز بها داخله؟

تحتل المرأة الحسانية المغربية مكانة مهمة في مجتمع الصحراء،رسَّختها الأعراف والتقاليد، ودعَّمتها الأدبيات المكتوبة والشفوية يقول الشيخ محمد المامي (توفي سنة 1282هـ) “والنساء عند عامة أهل القطر كأنهن لم يخلقن إلا للتَّبجيل والإكرام، والتودُّد لهن،فلا تكليف عليهن ولا تعنيف،فالمرأة هي سيدة جميع ما يتعلَّق بالبيت من متاع وماشية،والرجل بمثابة الضيف”.

ويؤكد كذلك هذه المكانة المتميزة ما اورده الرحالة ابن بطوطة،من أن النساء في بعض أقاليم الصحراء أعظم شأناً من الرجال،ومن أنه حين كان في طريقه إلى بلاد السودان استضافه قاضي “ولاتة” في المناطق الصحراوية،فخرج وعند عودته وجد زوجة القاضي برفقة شاب يؤانسها. غضب ابن بطوطة وخرج ينتظر دخول القاضي،وعند عودته أخذ إناءا وخرج يتوضأ ثم رجع،وعاتبه ابن بطوطة غاضبا على كونه قاضي،يرى المنكر في بيته ولا يتكلم ولا يفعل شيئا . فأجابه القاضي: بأن هذا الشاب هو “صويحبها”. والخلاصة من هاته الحادثة،أن هناك عادات في الصحراء منذ القدم،تعطي للمرأة الحق في الصداقة مع الجنس الآخربشكل طبيعي، وبدون خلفيات،رغم أننا نتحدث عن مجتمع بدوي تحكمه العادات والأعراف.

المرأة في مجتمع الصحراء،هي رمز الدلال تلبس أحلى وأجمل الثياب خصوصا الزي التقليدي المعروف “بالملحفة”،فهي تحظى بالاحترام والتقدير،زوجة كانت أو مطلقة.فالطلاق في المجتمع الصحراوي التقليدي لا ينقص من قيمة المرأة،ولا يؤدي إلى إقصاءها بل تحافظ على مكانتها ويعد بداية لحياة جديدة حتى أنه كان يتم الاحتفال به إلا أن ذلك اختفى حاليا.

وهذا الحضور القوي للمرأة في المجتمع الحساني المغربي تؤكده عديد الدلائل،فمنهن العالمات كزوجة السلطان مولاي إسماعيل خناثة،التي عرفت بثقافتها العالية،وكذلك مساهمتها في بناء الثقافة الحسانية من خلال الشعر،حيث النساء يتغزلن بالرجال وهو ما يعرف بشعر “التبراع”، فهو ابداع نسائي شفهي تعبر به عن شعورها إتجاه الرجل دون تعيينه بالذات.

ويعد “التبراع”،شكلا شعريا،تنظمه المرأة المغربية الحسانية وفق شروط فنية ومعرفية، ومستوى لغوي ينحت منطقه من الحسانية،ويأتي هذا الشعر تعبيرا خاصا لصوت المرأة، يُعبر عن رؤيتها.

يهيمن عليه موضوع الغزل،في ارتباطه بالرجل ويتميز هذا الشعر بظاهرة الاسم المجهول للشاعرة،ما يشكل فضاء آمنا للمرأة،لكي تعبر بحرية وجرأة،وبلغة بسيطة وواضحة عن مشاعرها تجاه الرجل، كما تصفه في تعبيرها وفق حالتها.

فشعر التبراع الحساني المغربي، الذي تنظمه المرأة بدون تعيين اسمها،تنتصر فيه لذاتها الفاعلة في التعبير عن المشاعر.

خلاصة القول،لقد تمتعت المرأة الحسانية المغربية في مجتمع الصحراء منذ القدم بمكانة متميزة،أهلتها لأن تحتل بعد ذلك مواقع مهمة في إطار دينامية التحول التي عرفها هذا المجتمع،فنجد الآن منهن الوزيرة والطبيبة والمهندسة ورئيسات المؤسسات والمقاولات الإنتاجية,ما يحتم على الدولة الانتباه لهاته الأهمية،لكون دور المرأة في مجتمع الصحراء دور محوري،من خلال تفعيل دورها لخدمة المصالح العليا للبلاد في مقدمتها قضية الوحدة الترابية.

لا تعليقات

اترك رد