أنهار وشوارع ورصيف في ذاكرة


 

بين تضاريس ذاكرتنا توجد هنالك أنهار وشوارع ومدن منقوشة نحملها دائما في إرتحالاتنا .

أما أول ذاكرة تكوين حلقت بيّ نحو مملكة النهر فكانت قبلتها نحو الفرات الذي دُفن فيه حبل سرتي تحت احدى ضفتيه المحاذية لزقورة أور . وبعد أن كبرت فيّ الطفولة غامرت بعفوية في السباحةِ بمياهِ الفرات وتعمدت بغرينه وشاكست نزق الطين الذي شكلت منه منحوتاتي الآدمية والحيوانية الفطرية والتي كانت تحاكي بدايات الخلق وأبجديات التكوين فعشقت ضفاف الفرات المقدس المذكور في لوائحِ الرب وأنهار الجنة وملهم الشعراء بنخيلهِ وحكاياته وأساطيره الشعبية وغموضه وصورة القمر الخجول الذي يغفوا بين أمواجه الناعسة.

ثم نهر دجلة الذي سحرني في بغدادِ أثناء دراستي للفن هناك وقد لازمني نهر الخير والجمال طيلة سنوات بواكير الشباب فرسمت جسوره وحدائقه وقواربه وقوافي العشاق حين تحتضن قصائد الغزل مع تراتيل المقامات البغدادية على ضفاف دجلة . وبعد رحلة الاغتراب والبعد القسري حط بيّ المقام أخيراً قرب نهر “يارا” في مدينة ملبورن ..

فحاولت أن أتخيل هذا النهر أو أحاول أن أوهم نفسي بان يارا كان بديلا للنهرين فكتت أرثي به فقداني للرافدين .. ولكن حين أستفيق رغم مودتي لهذا النهر أشعر أنه نهر غريب ولايشبه أنهاري رغم انه وديع تؤنسني زياراته وتأملاتي على ضفافه أو جلوسي في احدى حاناته أو المقاهي . لاسيما حين أتأمل بين أمواجه وعلى شواطئه طيور السوان .. “الوز العراقي” الذي هاجر الاهوار قاطعا البحار والقارات ليعوم في نهر يارا وكأنه يعيد مشهد الهجرة مابيننا ويذكرني بغربتنا المشتركة!!

أما ثالوث الارصفة والشوارع حين توشم الذاكرة .. فتبقى هنالك ثلاثة شوارع دائماً تلاحقني خطاها وشواخصها .. أولهما كان شارع عشرين الذي شهد ولادتي وطفولتي ومراهقتي وفرحي ونزقي .. حيث أهلي وجيراني البسطاء الطيبين .. والذي أنجب الكثير من المبدعين والفنانين والشقاوات أيضاً شارع صمم بشكل مستقيم وطويل فاذا وقفت في نهايته بوسعك أن ترى بدايته وكانت تمر به قوافل الحمير القادمة من الارياف وهي تحمل الحطب وكرب النخيل وعراجينها اليابسة أو قواقل أبل البدو المحملة بالحنطة والشعير والتي تهدر برغائها مع همهمات البدوي حاوي الابل ونحن نلاحق بدراجاتنا الهوائية وأقدامنا العارية أفراحنا والسحابات الهاربة نحو أفق الغياب. ثم شارع الرشيد..

شارع المقاهي الشهيرة والتسكع والجمال والشعر والرسم أثناء دراستي في اكاديمية الفنون الجميلة في بغداد الشارع الذي دونه أكثر الكتاب وانطلقت منه تظاهرات شعبية ومرت به جيوش واحتلالات .. لكن جميع البساطيل رحلت وسترحل وتبقى أرصفة الشارع الخالد باقية . أما الشارع الذي حط به رحال خطواتي المهاجرة بعد كل ارتحالاتي فهو شارع سميث ستريت في مدينة ملبورن والذي مازلت أرتاده كل يوم فهو شارع الدهشة والتسكع والمقاهي والكَاليريات.. والترامات القديمة وتجمعات سكان الابروجنيز من سكان استراليا الاصليين .. وقد احتوى هذا الشارع الكثير من معارضي الفنية وكتبت عنه أيضا ً الكثير من القصائد فكان من ضمن يومياتي وأرصفتي المألوفة .

لا تعليقات

اترك رد