الغَرب “السعيد” – ج٢


 

– لطالما كان بيت العنكبوت دائماً مساراً للإعجاب والإبهار.. يتأثر كل من يراه من بعيد بشدة خيوطه ودِقة إحكامها.. ولكنه لم يكن يدرى أن هذا البناء المهيب هو أوهن البيوت.. وأن قاطنيه هم أتعس العائلات رغم قوتهم.

– وبالمثل هى الأُسرة فى بلاد الغرب..
فإن الناظر لطبيعة الحياة العائلية في الغـرب على وجه العموم سيرى أنها تغيرَّت بشدة خلال العقود الأربعة الماضية بشكل ملحوظ؛ فبسبب التغير سريع الخطى غير المسبوق في أساليب الحياة العصرية تغيَّر مفهوم كيان الأسرة إلى حدٍّ كبير؛ بحيث لم يعد من الدارج أن تعرَّف العائلة على أنها مجموعة أفراد تتكون من زوج وزوجة وأولادهما. خذ مثالاً على ذلك ما ورد في تصنيفات إحصائيات المنازل وقاطنيها من “العوائل”.. حيث جاء تعريف تصانيف العائلة على النحو التالي:

– عائلة ثنائية التكوين: أب، وأم، وأولادهما.
– عائلة ثنائية التكوين: أب، وأم (مطلَّقان سابقاً أو يعيشان سوياً خارج رباط الزوجية)، وأولاده، وأولادها، من علاقة أو زيجة سابقة.
– عائلة ثنائية التكوين: أب، وأم (يعيشان سوية خارج رباط الزوجية)، وأولادهما من هذه العلاقة، أو من علاقة أو زيجة سابقة.
– عائلة أحادية التكوين: أم بمفردها (إما نتيجة الطلاق، أو الترمل، أو هجر عشيقها لها)، وأولادها، الذين قد يكونون من أكثر من أبٍ واحدٍ.
– عائلة أحادية التكوين: أب بمفرده (إما نتيجة الطلاق، أو الترمُّل، أو هجر عشيقته له)، وأولاده.
– عائلة ثنائية التكوين: من جنس واحد ( أي: لوطيان أو سحاقيتان – والعياذ بالله – يعيشان سوياً ) مع أو بدون أولاد.
– وتشير الأرقام الواردة في سجلات دوائر الإحصاءات فى أوروبا وأمريكا إلى أنَّ المتزوجين أصبحوا يشكلون أقليَّة في المجتمع، وهو سَبْق لم يحصل مثله من قَبْل؛ فإن ظاهرة عيش الرجل مع امرأة (خليلة) في ظل علاقة لا تخضع لرابط الزوجية هي في ازدياد مضطرد؛ حيث ارتفعت بنسبة فاقت ال65% فأصبح نصف المواليد الجدد تقريباً يولدون من علاقات خارج رابط الزوجية.
– كما أن الأرقام تشير إلى أن نسبة حالات الطلاق في ازدياد كبير هي الأخرى فى أمريكا وفى أغلب الدول الأوروبية؛ حيث إن هناك حالتيّْ طلاق مقابل كل ثلاث زيجات جديدة .
– كما ارتفعت نسبة الأمهات الوحيدات (النساء اللاَّتي لهن أطفال ويعشن معهم بمفردهنّ إما بسبب الطلاق أو الترمُّل، وإما بسبب هجران العشيق)، فأضحىرُبُع أعداد أطفال أمريكا وأوروبا يعيشون بمعيَّة أمٍّ وحيدة، غاب أو تخلَّى عنها والد أولئك الأطفال.
– وعلى صعيدٍ آخر فإن نسبة العُزَّاب من الجنسين ارتفعت إلى أكثر من 50 %؛ حيث يفضِّل هؤلاء البقاء في حالة العزوبية على الزواج وما يتبعه من مسؤولية.. كالأولاد والتبعات المالية.

الزوجة والعمل للتكسُّب:
– وقد كان من المتعارف عليه فى السابق أن يكون الزوج هو المسؤول الرئيسى في الإنفاق على العائلة من خلال ما يجنيه من كدِّهِ في عمله، فى حين تبقى الزوجة فى البيت لمتابعة الشؤون المنزلية ورعاية الأولاد؛

أما في عصرنا هذا فقد أصبح من المعتاد بل أحياناً من المتوقع أن تخرج الزوجة إلى العمل للمساهمة في تغطية المصارف الكثيرة.
وليس ذلك على الحاجيات الأساسية وحسب، بل على الكماليات أيضاً، التي أصبح كثير من الناس يعتقد أنَّها من ضروريات الحياة، مثل أجهزة الترفيه الإلكترونية، والسفر لقضاء الإجازة السنوية، واقتناء سيارة ثانية، إلى غير ذلك من الأمور التي ساهم المُروِّجون لنمط المعيشة الإستهلاكى عبر قنوات الدعاية والإعلام المختلفة فى ترسيخ المفهوم الخاطئ على أن مثل هذه الأشياء تُعَدُّ من متطلبات الحياة الأساسية وفي أحسن الأحوال تجد أن بعضاً من أولئك اللاهثين وراء مثل هذه الأمور يبرِّرون ضرورتها من باب أنهم كانوا هم أنفسهم محرومين منها فى سابق حياتهم؛ لذا فإن من إسعاد أولادهم أن يوفِّروها لهم، وعدَمَ حرمانهم منها.. وقد يكون التبرير أحياناً بأنَّ توفيرها سيمنع عن أولادهم الشعور بالنقص إذا ما نظروا إلى أقرانهم ممن يتمتعون بمثل تلك الأمور.

كما أن النساء الموظفات في حال حَمْلِهن بتن يخترن الرجوع لوظائفهن باكراً بعد الولادة، بعد قضائهن مدة إجازة وجيزة – وهي ما يسمى بإجازة الأمومة – التي لا تتجاوز بضعة أسابيع؛ حيث بات من المألوف أن تترك الأم العاملة صغارها في رعاية دور الحضانة، التي عادة ما تستهلك جزءاً ليس باليسير من مرتبها، وقد دأبت بعض الشركات على فتح قسمٍ لتوفير خدمة حضانة الأولاد تابع لها، ترغيباً للنساء ذوات الأطفال للعمل لديها.

وقد أصبح لدى الآباء والأمهات قناعات بأنه لا ضير من تَرْكِ أطفالهم في عُهدة دور الحضانة أوقاتَ عملهم؛ لأن هناك من يستطيع الإهتمام برعايتهم، وربما كان ذلك أفضلَ منهم أنفسهم؛ وهو ما يتيح لهم المُضيَّ فى حياتهم الوظيفية ومواصلةَ تطويرِ مستواهم المعيشى. وعلى ما يبدو فقد أمسى الآباء والأمهات غيرَ راغبين بالتضحية بفُرَصِهم الوظيفيـة مـن أجـل توفير العنـاية الخـاصـة لأولادهـم التي لا جدال على أهميتها في سنوات حياتهم الأُولَى.

– ومن إفرازات هذه الأنماط المعيشية نشوء النموذج الإجتماعى الذى يُعرف “بالفرد المتجاوز”.. وهو الشخص الذي يفكر باحتياجاته على حساب شخص آخر؛ حتى وإن كان أحدَ أفراد أسرته.

– ولذلك فإنه ليس من المفاجئ أنه عند بلوغ كثير من مثل هـؤلاء الآبـاء والأمهــات سِنَّ الشـــيخوخة، لــن يجـدوا ما يحتاجونه من مشاعر حانية من قِبَل أولادهم الذين لن يكترثوا كما ينبغي بشأن آبائهم، ولن يستهجنوا أمر تَرْكِهِم تحت رحمة دور رعاية المسنين، التي لا يخلو كثير منها من تجاوزات وسوء معاملة، ناهيك عن افتقادها لما يعوِّض مثل هؤلاء عما يحتاجونه من مشاعر العطف العائلية الحقيقية. وهكذا تتمثل مقولة: ( عقُّوهم صغاراً فعقُّوهم كباراً ).

– ومن الظواهر المألوفة في المجتمع الغربي أن يترك الأولاد بيوت آبائهم عند بلوغهم سنَّ الثامنة عشرة أو السادسة عشرة، للإستقلال في مسكنهم ومعيشتهم؛ ويحق لهم أن يطلبوا المعونة من الجهات الحكومية المُخوَّلة بمنحهم المساعدات المالية لدفع تكلفة سكنٍ مُستَأجَرٍ، وحتى إن كان ذلك دون موافقة آبائهم؛ حيث لا ولاية للآباء عليهم بعد تلك السن.

– وقد اكتشف الخبراء وذوو الاختصاص من أطباء نفسيين وغيرهم – مسـتندين إلى إحصاءات ودراسات بحثية – أن ظاهرة التفكك العائلى، وهذا المدَّ الجارف من الأنانية التي تحكمها الماديات لها في واقع الحال تأثيرات مُخِلَّة على الأطفال. وهو الأمر الذي حدا بالعقلاء في عموم المجتمع الغربى إلى السعى إلى عكس السياسات التي كان كثير منهم يتفانى في ما مضى لتحقيقها؛ فعلى سبيل المثال: هناك من ينادى اليوم بتشجيع النساء على الإكتفاء بالعمل في وظائف بدوام جزئى بدلاً من العمل لكامل اليوم، بل هناك من يرى ضرورة سَنِّ قوانين تمنح الأمهات مكافآت ماليةً مقابل مكوثهن في بيوتهن لرعاية الأولاد. وبالطبع هناك من ينصح الأمهات بالاستعانة بدعم الأقارب في العائلة مثل الخالات والعمَّات؛ غير أن الإشكال القائم في هذا الاقتراح هو أن أفراد هذا الجيل من الأقارب هم من صنف “الفرد المتجاوز” سالف الذكر، الذى قد لا يعتقد أن من مسؤوليته مساعدة أفراده الأقارب، ناهيك عن اعتقاده بأولوية اهتماماته الشخصية.

– لِذا فالعاقل المتأمل لواقع بعض مجتمعاتنا العربية فى عصرنا الحالى سيلحظ أن هناك ما يدعو للقلـق؛ وذلك لأن بعـض الغـافلين لا شك في أنهم سائرون على خُطى المجتمع الغربى. وما سُطِّر في هذه المقالة المتواضعة لا يتجاوز كونَه إلماحاً لبعض عوار المجتمع الغربى الذي يُعَدُّ التفكك الأُسَرى وإرهاصاتُه السلوكية والخُلُقية على عموم المجتمع غيضاً من فيض؛ فَهَلاَّ اعتبرنا بغيرنا .

– نسأل الله – تعالى – أن يحفظ أُسَرَنا ومجتمعاتِنا من التفكك والتسيُّب، وأن يهدينا لفهم أهمية صيانة وحفظ الحياة الأسرية السليمة الضامن الأول والأقوى لوجود مجتمع ووطن قوى قادر دائماً على الصَد والمواجهة،

– وسأوافيك عزيزى القارئ فى باقى مقالات هذه السلسلة بمزيد من الحقائق والإحصاءات الصادمة عن المجتمعات الغربية وبعض المجتمعات الأسيوية التى ننظر لها أيضا بعين الإنبهار، علَّ من لايزال مفتوناً بها يفيق من سكرته بعدما يدرك الحقيقة، فلا بلادهم جنة المأوى كما نتوهم.. ولا أوطاننا أرض الجحيم كما نظن ، فقط.. هُم يبرعون فى عرض بضاعتهم، ونحن نتفنن فى كشف عوراتنا.

لا تعليقات

اترك رد