اللاجئون واتفاقية شينغن

 
الصدى - اتفاقية شينغن

أخذت مأساة اللاجئين تزداد تعقيداً، خصوصاً بإقفال الحدود اليونانية- المقدونية وبقاء الآلاف منهم في الظروف الطبيعية القاسية، معلقين بحبل الأمل للعبور إلى دول أوروبا الأخرى الأكثر رفاهاً وغنى.

وقد انعكست مأساة اللاجئين على العلاقات الأوروبية- الأوروبية بين دول الاتحاد الأوروبي، الموقعة على اتفاقية شينغن التي تؤكد حرية التنقل، ولكن بسبب تدفق الأعداد غير المسبوقة من اللاجئين وظروف بعض البلدان الاقتصادية السيئة، جرى تعويم الاتفاقية ذاتها تحت عنوان «حكم الضرورة»، وذلك استناداً إلى المادة الثانية منها (الفقرة الثانية) التي تنص على «إذا تطلب الأمر حماية النظام العام أو الأمن القومي، يجوز للدولة العضو، بعد التشاور مع الأطراف المتعاقدة الأخرى، اتخاذ قرارها ولفترة محدودة، باستعادة السيطرة على الحدود الداخلية مع الدول الأوروبية الأخرى، وإن إعادة السيطرة على الحدود تبقى استثناء عن القاعدة».

وعقد مؤخراً اجتماع في بروكسل لوزراء داخلية دول الاتحاد الأوروبي لمناقشة مقترحات توزيع اللاجئين بين الدول الأوروبية، وهي الخطة التي كانت ألمانيا من مؤيديها، في حين إن دولاً كانت تنتمي إلى الكتلة الاشتراكية السابقة في أوروبا الشرقية وقفت ضدها صراحة، وكانت هنغاريا على لسان رئيس وزرائها فيكتور أوربان قد أعلنت أن تدفق اللاجئين إلى أوروبا يهدد الجذور المسيحية للقارة. ووقفت هي وتشيكيا وسلوفاكيا وليتوانيا ورومانيا، إضافة إلى اليونان وإيطاليا ضد استقبال اللاجئين.

وبسبب عدم التوصل إلى اتفاق بخصوص توزيع اللاجئين بين وزراء الداخلية، فمن المحتمل عقد قمة أوروبية طارئة وهو ما صرح به رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك، بأن عدم التوصل إلى اتفاق وخطط مشتركة لتنظيم واستيعاب الهجرة المليونية، سيؤدي إلى القضاء على اتفاقية شينغن للحدود المفتوحة، وهو ما كان محط آمال دول أوروبا الشرقية سابقاً، والتي هي اليوم من أشد المعارضين لتوزيع حصص اللاجئين.

والأمر لا يتعلق باتفاقية شينغن فحسب، بل إنه سيعيد ترتيب البيت الأوروبي على نحو جديد، بين الجماعات اليمينية والمتطرفة التي تنشط بالدعاية العنصرية ضد استقبال اللاجئين، وضد الأجانب بشكل عام، وبين جماعات مؤيدة لاستقبالهم، وذلك ضمن أنشطة لأحزاب الخضر وبعض أحزاب اليسار ومنظمات المجتمع المدني وهيئات حقوق الإنسان، وبضغوط من منظمات دولية إنسانية.
وحتى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تعرضت إلى انتقادات حادة، ليس من اليمين فحسب، بل حتى من أوساط داخل حزبها، الأمر الذي دفعها إلى تغيير مواقفها من تأييد استقبال اللاجئين ومد يد العون والإنقاذ لهم، إلى الحزم والتشدد إزاءهم، الأمر الذي بدد آمال الكثير من اللاجئين الذين ظلوا وما زالوا يعلقون على مواقف ألمانيا بالذات بشأن حل مشكلتهم، والضغط لفتح الحدود أمامهم.
لقد اتخذ قرار فرض رقابة على الحدود للحد من تدفق عشرات الآلاف من اللاجئين القادمين من البلقان مروراً بهنغاريا والنمسا، وهو الأمر الذي أثار أزمة داخلية في ألمانيا ذاتها. كما قررت سلوفاكيا والنمسا وتشيكيا إعادة فرض رقابة على الحدود، وعلقت بحكم الأمر الواقع ومن دون إعلان اتفاقية شينغن، بل إن النمسا نشرت جيشاً على الحدود مع هنغاريا، وقال مستشارها فيرنر فايمان إن بلاده ستستدعي الجيش فوراً لمساندة الشرطة في مواجهة تدفق اللاجئين الذين يصلون بمعظمهم عبر هنغاريا.

إن هذه الإجراءات وضعت الاتحاد الأوروبي أمام أزمة حقيقية، وهي الأزمة الثانية الكبرى بعد أزمة اليورو، وهما منجزان أساسيان من منجزات الاتحاد الأوروبي، وذلك من خلال:

1- إن تعليق اتفاقية شينغن سيؤدي إلى «فراغ قانوني»، ولهذا لا بد من التوصل إلى خطة عملية ومرنة لتقاسم عبء اللاجئين، مع تكثيف الإجراءات التي تتخذها الدول منفردة، وإلا فإن حالات انفلات قد تؤدي إلى إلحاق الضرر بالجميع.

2- إن دول الاتحاد الأوروبي تواجه سؤالاً كبيراً: هل لا تزال ملتزمة بالاتفاقية الدولية بحقوق اللاجئين لعام 1951 وملحقها لعام 1967، أم أن هذه الاتفاقية هي الأخرى وضعت على الرف وسيتم تعويمها؟ الأمر الذي سيطرح عليها تساؤلات داخلية ودولية، بخصوص احترامها حقوق الإنسان ومدى التزامها بالمعاهدات والاتفاقيات الأوروبية والدولية.

3- إلى متى سيستمر تعليق اتفاقية شينغن؟ وإذا كان حسب الاتفاقية على نحو استثنائي باتخاذ قرار مسبق ومنظم عند حدوث أزمات، فإن أزمة من هذا النوع قد تستمر بضع سنوات، خصوصاً وهي مرتبطة بحروب وبصراعات مسلحة ونزاعات أهلية، ليس لها حدود منظورة حتى الآن، فهل يكفي القول بوجود تهديد خطر في الوضع العام داخل فضاء شينغن؟
اللاجئون هم ضحايا حروب ونزاعات وأعمال قمع وتمييز، فروا من بلادهم طلباً للجوء السياسي، الذي هو حق لهم وواجب استقبالهم يقع على الدول الموقعة على اتفاقية حقوق اللاجئين والاتفاقيات الإقليمية ، إضافة إلى ما تنصّ عليه والدساتير المحلية .

4- إن إجازة استخدام القوة العسكرية ضد مهربي اللاجئين والمهاجرين في البحر المتوسط، سيصبح نافذاً اعتباراً من مطلع أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، وللسفن الحربية الأوروبية اعتراض وتفتيش ومصادرة المراكب التي يشتبه في أن المهربين يستخدمونها والقيام بعمليات اعتقال شرط عدم دخول المياه الإقليمية الليبية.

والأمر لن يقتصر على العمل في المياه الدولية لمراقبة الشبكات الإجرامية الدولية التي تقوم بإرسال مراكب غير صالحة للاستخدام محملة بالمهاجرين، وذلك بالتوجه إلى إيطاليا انطلاقاً من السواحل الليبية، بل إنه سيصطدم بأعداد هائلة من اللاجئين ترى نفسها مجبرة على التعاون مع هؤلاء لعدم وجود وسطاء أفضل أو وسائل أحسن.

إن عملية «فاف فور ميد» التي أطلقها الاتحاد الأوروبي في يونيو (حزيران) 2015 ستستكمل بالملاحقة في عرض البحر من خلال سفن حربية وفي المياه الدولية. وقد قامت المفوضية الأوروبية بإنشاء خفر سواحل وحرس حدود، وتتسع دائرة الدول التي أخذت تبني قواعد مراقبة على حدودها لتشمل: بلجيكا والدانمارك وألمانيا وهنغاريا والنمسا وسلوفينا والسويد والنرويج وبعضها أعضاء في الاتحاد لكنها ليست أعضاء في اتفاقية شينغن. وقد قدرت إجراءات المراقبة بين 5 مليارات و18 مليار يورو سنوياً.

جدير بالذكر إن اتفاقية شينغن تم التوقيع عليها في 14 يونيو (حزيران) العام 1985 من خمس دول أبرزها ألمانيا وفرنسا، ثم بلغ عدد الموقعين عليها 26 دولة عضو في الاتحاد وأربعة دول من خارجه هي: سويسرا وليخشناين والنوريج وآيسلندا.

5- إن أسباب إخفاق اتفاقية شينغن يعود إلى عدم التعاون والتنسيق بين دولها الأعضاء بخصوص تنظيم الهجرة واست
قبال اللاجئين، الأمر الذي يحتاج إلى معالجة الأزمة ذاتها وليس مظهرها، أي ينبغي الذهاب إلى السبب لا النتيجة، وخصوصاً الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية لاندلاع الحروب والنزاعات في دول الإقليم، كما أن تعليق الاتفاقية أو إلغاءها سيعود بالضرر على دول الاتحاد ذاتها، وليس على اللاجئين فحسب، خصوصاً تسهيل عبور السلع والبضائع والأشخاص عبر الحدود.

6- إن اتفاقية شينغن ترتبط بشكل أساسي بمعاهدة دبلن العام 1990 التي تنظم تدفق طالبي اللجوء بين الدول الأعضاء واتفاقية
ماسترخت العام 1991، الأمر الذي يعني أن الأزمة ستمتد إلى معاهدة دبلن واتفاقية ماسترخت وليس لاتفاقية شينغن وحدها.

لا تعليقات

اترك رد