الليل بين الالهام والاحجام – ج٣


 

تغيرت النظرةُ لليلِ عندَ المتأخرين من الشعراءِ تماماً عما كانت عليه في العصرين ؛ الاموي والعباسي وحتى عن شعر العصور المظلمة وهذا التغير حصل بتغير نمط الحياة فاصبحت النظرةُ نظرةً فيها شيءٌ من الترف؛ ترفٍ في الخيال ، وترفٍ في الوصف ، وترف في النظرةٍ ايضاً ، فأصبح الليلُ عندهَم يٌمثل صحبةً وراحةً واطمئناناً وعدمَ اكتراثٍ لبعضهم ولو نظرنا الى قول الشاعر السيد محمد سعيد الحبوبي -في احدى اجمل موشحاته- فإنَّ هذا الليل ينقشع بِسنا الخدود حيث يقول:

بيَ يا ساقي الطِلا إبدأ أوَّلاً … وبي أختم دورها من قرقفِ
ألبستْ خـــــدَّيك منها شعلاً … تسـلبُ الليـل رداء الـسدفِ
والطِلا والقَرْقَف إسمان من أسماء الخمر ، والسدف هو الليل الحالك

ومن الترف ايضاً ان يقرن الشاعر الليل بالشعْرِ والحبِ فلم يصفه احمد شوقي بالطول ولم يشعر فيه بالملل والضنى ولم يقاسِ فيه كما قاسى الاولون من الشعراء ولم يرقب النجوم ويتابع الكواكب فكان لاحمد شوقي في مسرحية مجنون ليلى نظرة اخرى حيث يقول
سجى الليلُ حتى هاجَ ليْ الشعرَ والهوى … وما البيدُ الا الليلُ والشعرُ والحبُ

أما الاخطل الصغير وهو شاعر الرقة والجمال والعذوبة فقد فضّل الليل على الصبح وخاطبه بحالتين، الاولى ان الليل والصبح عنده سيان وان حال الفجر الذي سيأتي كحال الليل الذي سيذهب:
طـلتَ يــا ليـليَ أو لـم تــَـطُلِ … مثلك الفجرُ الذي سوفَ يليْ
أيها الليل استطلْ مهما تشا … وتَحَـكَّمْ يـا كـرى فـي الـمُقَلِ

ثم يعاود فيصف الليل انه الاقرب الى نفسه بل ويعشقه ويفضله على الضحى ويتمنى انسدال ظلامه فيقول:
أنا مهما تطردِ الشمسُ الدجى … لـم تـزلْ نفـسي بليلٍ أليلِ
أعشق الليلَ وما لي والضحى … عشـت يـا ليل: ألا فانسدلِ

ثم يعود ويؤكد تفضيله الليل على الصباح مرة أخرى في قصيدته الرائعة “فتن الجمال وثورة الاقداح” فيقول فيها انه يفدي شمس الأصيل بألف شمس صباح
مَنْ كانَ من دنياه ينفضُ راحَهُ … فـأنـا عـلى دنـياي أقبضُ راحي
إنّي أفــدّي كـلَ شمسِ أصيلةٍ … حذرَ المغيبِ بألفِ شمسِ صباحِ

الا ان النظرة غيرها عند الشعراء العراقيين فقد حاولوا وصف الليل وتصويره وتشبيهه شأن القدماء ، ولقد وجدت صورتين رائعتين لوصف الليل الأولى عند الشاعر جميل صدقي الزهاوي الذي يصفُ الليلَ ويصورُه كخيمةِ البدويّ وهذه الصورة وان -بدت متكررة ومقتبسة من الشعر القديم- الا ان وصفه للصبحِ وكأنَّه العمودَ الذي يرفعُ الخيمة يعتبر صورةً مجدَدَةً وتحديثاً في المعنى القديم المتداول ولم أجد من وصف الليل والصبح بهذه الصورة قبله على الإطلاق فيقول الزهاوي:
صبرتُ على ليلي وقد جُنَّ راجياً … صـباحاً وعلَّ الصـبحَ غـيرُ بعيد
إلى أنْ رأيتُ الليلَ يرفع بـيـــــتَه … أخـيـراً عـلى صـبـحٍ بـدا كعمود

ثم في نفس تلك الفترة تقريباً ينقلنا أمير الشعر – كما اطلق عليه- معروف الرصافي مرة أخرى ببيتين من الشعرِ بصورةٍ رائعةٍ تاركاً وراءَه كلَّ ما تقدَّمَ من الترفِ الشعريِّ في وصفِ الليلِ محاولاً أمرين: الإمعان في ابتكار المعنى في وصف الليل.
وأطلاق الخيال الى اقصى ما يمكن لاكمال المعنى.

فهو لم يشبه أو يصور او حتّى يقرب وانما جعل الليل صورة مطلقة دون حدود ثم اكد معناه في بيت ثان متبعاً الطريقة القديمة في الوصف بالاشارة الى سرمدية الليل ولكن ببصمة ووشي وبناء يوضح أنه من وشي هذا الزمان ولقد كان موفقاً جداً في استخدام “الاغراء” التي اعطت للمعنى ابعادا وفضاءات بلا نهايات فيقول الرصافي:
هو الليل يُغريهِ الأسى فيطولُ … ويرخي وما غيرُ الهمومِ سدولُ
أبِـيـتُ بـه لا الـغاربـاتُ طوالعٌ … عـليَّ ، ولا لـلـطالـعـاتِ أُفـــولُ

بعد هذين الوصفين الرائعين للزهاوي والرصافي جاء الشعر الحر في العراق أولا ثم انتشر في آفاق العالم العربي فأحدث تغييرا هائلا ليس في البناء الشعري والنظرة الى وحدة المعنى واختلافها بين البيت والقصيدة فحسب بل في رسم الصورة الشعرية عموماً فأصبح المجاز والخيال لهما الحصة الغالبة والاكبر في التصوير ، وبهذا الابتكار الرائع كُتبت اجمل القصائد على يد مبتكره ورائده الشاعر بدر شاكر السياب ويد ثلة أخرى من شعراء العربية ممن عاصروه أو جاؤوا بعده فتغيرت النظرة الى الليل بتغير الاسلوب الفني للبناء والوصف معتمداً على الرمزية والخيال

فكتب السياب احدى ابدع وأطول قصائده ولم يتجاوز عمره حينها ثمان وعشرين سنة متأثراً بقصة واقعية تحكي ظلماً واقعاً من جهل المجتمع فكانت قصيدة المومس العمياء والتي بناها بنصٍ رائعِ الجمال واصفا تكرار مجئ الليل باستخدامه احدى اكثر المفردات سوداوية وقتامة وظلاما (الليل يطبق) فالسياب حوى في ابياته كل ما قيل من وصف للظلام وأبدية قاتلة لليل وادراك للبشر اذ لا مهرب ولا منجى منه ليس ذلك فحسب بل جعل كل شي حوله يتشرب الليل فيصيح اسودا مظلما مطبقاً على النفوس والارواح فقال في المقطع الاول منها
الليل يطبق مرة أخرى، فتشربه المدينه
والعابرون، إلى القرارةِ مثل أغنيةٍ حزينه
وتفتحت كأزاهر الدفلى مصابيح الطريق
كعيون ميدوزا تحجِّر كلّ قلب بالضغينهْ
وكأنّها نذرٌ تبشر أهل بابل بالحريق

لم يكتف السياب بهذا الوصف -القابض للارواح المهلك للنفوس والذي ما ان يتأمله الانسان حتى يشعر بشعور متراكب من القتامة والكآبة والاحتباس للنفس- فحسب، بل اردفه بمقطع ثان يصف الليل وحشاً كاسراً اتى من الغابة والكهوف المحيطة وللإمعان والتركيز في رسم الصورة وصف الليل انه قادم من عش لغراب ثم زاد في إيغاله فوصف ان العش في مقبرة ثم لينتهي في نهاية المقطع بصورة أعجب مما تقدم مصوراً المدينة انها عمياء كالخفاش وأن الليل زاد لها عماها
من أي غاب جاء هذا الليل؟ من أي الكهوف
من أي وجر للذئاب؟
من أي عش في المقابر دفّ أسفع كالغراب؟
قابيل، أخفِ دم الجريمة بالأزاهر والشفوف
وبما تشاء من العطور أو ابتسامات النساء
ومن المتاجر والمقاهي وهي تنبض بالضياء
عمياء كالخفاش في وضح النهار هي المدينةْ
والليل زاد لها عماها.

ولا أظن ان أحدا قبل السياب استطاع ان يصور الليل وينقله الى ذاكرة وخيال وفكر القارئ بكل هذه الصفات من الصور المتراكبة والمتعاقبة في النص كما فعل السياب

بقي الليل يمثل الجزء الاكبر من المحيط العام للشعراء وبقي التأمل ذاته ولكن باختلاف النظرة والمفردة وما بثت البيئة والزمن من متغيرات جديدة في نفس الشاعر لتنعكس في النهاية على تشبيهاته وصوره الشعرية ومن جميل الصور التي كتبت من شعراء معاصرين اخترت ثلاث نماذج للشعراء ( رتبت ذكرهم ابجدية اسمائهم) أجود مجبل وخالد الداحي ووليد الصراف

يقول الشاعر أجود مجبل في قصيدته “لَيليّات” والتي يبدو فيها التحديث جلياً ليس في البناء والمعاني بل وحتى القافية فخطاب الليل بأخي امر جديد على الشعر ثم ذكره عبارة “العالم السفلي” ثم “النور ظامئ” ثم يسرف في الابداع بقوله “أحاديثُ غرقى” ثم “اللا هناك” فيقول:
اخي أيها الليلُ الذي كم صَحِبْتُه … إلى العالَمِ السفليِّ والنورُ ظامئُ

ثم يعود لمخاطبته:
أخـي أيها الليلُ الذي ليَ عندهُ … أحاديثُ غرقى مارَوتْها الشواطئُ
إلى حزنِهم ياليلُ خُذْني سفينةً … لها فـي أقاصي اللاهناكَ مَوانئُ

الى ان ينتهي من قصيدته قائلا:
أخي أيها الليلُ اصطحبْني خطيئةً … فكلُّ هواءٍ حولَنا الآنَ خاطئُ

اما التشبيه المباشر بين الليل وسواه من الاشياء فقد غابت او كادت ان تغيب في صور الشعراء المعاصرين حتى وجدتُ صورةً تستحقُ الوقوفَ والتأملَ للشاعر خالد الداحي في مبالغة رائعة ورائقة واصفاً الليل “كأنه” مخلوقٌ من العيون السود وزاده جمالاً تخفيفه الرائع لمبالغته باستخدام “كأن” في قوله:
وعيونٍ كأنّما الله منها … خَلقَ الليلَ حينَ عَزَّ السَوادُ

ثم يأتي شاعر الموصل د. وليد الصراف في محطتين من محطات شعره الطويلة والمتشبعة والتي تُضني وتُتعب المتتبعَ في الوقوفِ على أي صورةٍ أكثر جمالاً ، ولقد راق لي كثيراً أفعال الأمر التي استخدمها تباعاً في ثلاثة ابيات متعاقبة ” تسوّر، نكّب، دعْ، ثم يختمها بلام الامر بقوله “لا تلتفت” والجميل والجديد في صورة وليد الصراف أنه جعلَ الليلَ مادةً محسوسةً ملموسةَ بإستخدام الفعل “تسوّر” ولعله أول شاعر ينظر الى الليل هذه النظرة المادية ولكن بأسلوب المجاز والخيال حيث لا يلبث ان يتبعها بقوله ” يد الرؤى” ليعود الى مرة أخرى ، ناهيك عن المعنى الجمالي المتحصل من هذه مجمل الابيات الثلاث فيقول:
تَسَوّرِ الليلَ نحوَ الفجرَ معتمداً … يدَ الرؤى طال سورُ الليل أم قصرا
ونكّب النوم والسهد الطويل معا … ودعْه يَسجن من أغفى ومن سهرا
لا تلتفت، فعيون الامس لا أحد … علـيه قـد وقـعت ، الّا غَـدا حـــجرا
ثم صورة أخرى في وصفه لمدينتي “مدينة حديثه” الواقعة على الفرات في غرب العراق، وقد طلبت منه في سنة ٢٠١٢ أن يكتب عنها ويصفها فأجابني مشكوراً بقصيدة رائعة فيها يصف ليل حديثه انه “الصبح” أتى ولكن بثياب سود:
ليس ليل على حديثةَ ليلاً … بل هو الصبحُ في ثيابٍ سودِ

لم ينتهِ ولن تنتهيَ الروعةُ والجمال ، في تأمل الليل وإطلاق الفكر والخيال ، في كُنهِ هذا المخلوقِ العجيب ، الزائرِ الغريبِ البعيدِ القريب ، وسيبقى الليلُ سافراً لِفكْرِ هذا ، ومحتجباً عن أُفق ذاك ، وسيبقى الشعراء بين محبٍ له ، وحَذِرٍ منه ، بين حائرٍ يشكوه ، وساهرٍ يرجوه ، ولله در شاعر الأندلس ابن زيدون فقد حوى بأبياته الجمال ، وقارب بحسن قوله التمام والكمال ، في جمع الرائع من صوره ، مبيناً الشكوى في حالتي طولِه وقِصَرِه ، فصفا قولُه صفاءَ غدير الماء ، ورق حتى كاد يجرحها عليل الهواء ……. فكانت ختاماً للثلاثة أجزاء:
ودّعَ الـصـبرَ مـحـبّ ودّعـك … ذائـعٌ مِـن سـرّه مـا اِستودَعك
يقرع السنّ على أَن لم يكن … زادَ في تلك الخطى إذ شيّعك
يـا أَخـا الـبدرِ سناء وسنى … حــفـظ اللَه زمـــانـــاً أطـلَـعـك
إن يـطُـل بـعـدك ليلي فلكم … بتّ أشـكـو قـِصَـرَ اللــيل مَعك

لا تعليقات

اترك رد