لسنا عراقيين … ولكن


 

كل شعوب العالم المتحضر تمتلك الوطنية والمواطنة ، والشعوب الاقل تحضرا تمتلك الوطنية دون المواطنة ، والفرق بين الوطنية والمواطنة كبير ، البعض لا يميز بينهما ، ويخلط بين المصطلحين ، كما يخلط بين الشورى والديمقراطية، أو يحاول موائمتها، لكن الحقيقة ان الوطنية هي مشاعر حماسية عاطفية اتجاه الوطن تنشأ نتيجة عوامل عديدة كالانتماء والتاريخ والتراكم العائلي والوجداني والنفسي والعلاقة بالأرض والإنسان وغيرها اما المواطنة فهو عقد قانوني بين المواطن والوطن ويتلخص في الحقوق والواجبات .

نحن في العراق أضعنا البوصلة وأصبحنا كما يقول المثل العراقي ( لا حوت برجيلها ولاخذت سيد علي ) ، لسنا وطنيين ولسنا مواطنين، لسنا عراقيين ولا ننتمي لهذه الارض وتاريخها ولكن نحمل أوراقا ثبوتيه تثبت اننا عراقيون وأننا ولدنا على تلك الارض التي تسمى العراق ، لسنا امتداد لاشور بانيبال ولا حمورابي ولا نبوخذنصر ولا علي بن ابي طالب ولا هارون الرشيد ولا أي حضارة مرت بهذه الارض ، لكننا نفتخر بهم .

لسنا عراقيين لاننا ندعي ان ارضنا اخترعت الحرف وعلمت العالم الكتابة ، ولكن الأمية والجهل ينخران مجتمعنا
لسنا عراقيين لاننا تعودنا ذم الوطن والتركيز على سلبياته ، فما من خبر سيء يمس العراق حتى تراه ينتشر كالنار في الهشيم ، لم نفكر بسمعة الوطن حينما نحترم من المسؤولين من لا يستحق الاحترام ، ولا نبالي بسمعة الوطن حينما نرى الفساد ونغمض عيوننا عنه ، ولا تهمنا سمعة البلد ونحن نثني على السراق بقصائد ومقالات وبرامج .

لدينا سمعة الطائفة اعظم من سمعة الوطن. وسمعة العشيرة اكبر من سمعة المدينة ، وسمعة الحزب اكبر من سمعة الوطن
لذا لم نحاسب الفاسدين من طوائفنا واحزابنا وعوائلنا ، فكان شعارنا طائفتي حزبي عشيرتي. اولا ً ، لتنتهك حرمة الوطن لكن من غير المسموح انتهاك حرمة الطائفة والعشيرة والحزب . لذا نحن لسنا عراقيين بالوطن ولكننا عراقيون بالحزب والطائفة والعشيرة .
لسنا عراقيين في العطاء ولكن عراقيون بالأخذ ، جميعنا يريد من الوطن ، لكن القليل منا يعطي للوطن ، اختلفنا وانقسمنا في كل الثوابت والمشتركات التي لا تختلف عليها الشعوب ، اختلفنا في الجيش واختلفنا في الحشد واختلفنا بالانتماء للوطن واختلفنا في خطابنا الخارجي واختلفنا في نشيدنا الوطني واختلفنا في تعريف ذواتنا وهويتنا الوطنية .

لسنا عراقيين حينما غلَّبنا مصلحة دول الجوار على مصلحتنا الوطنية ، قاتلنا بالنيابة عن الاخرين مولنا الدول بالنفط ونحن بلا كهرباء ولا خدمات، تقاتلنا بيننا من اجل شعارات لا تمت لنا بصلة ، ولكن يبقى ياس خضر وكاظم الساهر وحضيري ابو عزيز وزهور حسين أيقوناتنا الشعبية .

لسنا عراقيين حينما ننتمي الى طوائفنا وقومياتنا وعشائرنا ومناطقنا ، ولكننا عراقيون في أكلة الباچة والدولمة والقيمة والكباب .
ازدواجية في كل شيء

رموزنا وطنية وخائنة ، شريفة وفاسدة ،جيشنا صفوي ووطني ، حشدنا مقدس وطائفي، ثروتنا ونفطنا لنا وليست لنا وهلم جرا
ولو أردت الاستمرار ستطول القائمة في هذه الثنائية المتناقضة ، وهذا الأمر ليس وليد اليوم او جاء بعد الاحتلال كما يروج البعض ، ولكه رافقنا منذ ولادة الدولة العراقية .بيد انه لم يظهر او يتفجر الا بعد الاحتلال الامريكي ، حينما اصبح التعبير والإفصاح عن الاشياء متاحا للجميع ، وحينما ارتفع الخوف من السلطة، فقل ما تشتهي والبس ما تشتهي وأكل ما تشتهي.
لكن الامر الذي نجتمع عليه هو الطيبة الفطرية والرفض الفطري لكل قيم الظلم ،لسنا عراقيين في معادلتنا الوطنية لكننا عراقيون في معادلتنا الانسانية ، ولسنا عراقيين في السياسة ولكننا عراقيون بالحب فيما اذا رجعنا الى ذواتنا الخالصة

لا تعليقات

اترك رد