المسرح العراقي من والى اين


 

يقول فلاديمير ايليتش لينين
اعطني خبزا ومسرحا اعطك شعبا مثقفا واعيا…

انها مقولة تاريخية فلسفية قالها القائد الشيوعي لينين بحق الثقافة وخصوصا المسرح .

لقد قدم لينين الخبز على الثقافة والوعي… اي قدم الاقتصاد على اي شيء آخر…. وهي حقيقة موضوعية تسير عليها المجتمعات وتسير عليها الحياة البشرية…. ﻻنه لوﻻ الخبز ﻻيستطيع اﻻنسان ان يعيش ….وان يبدع وان يقدم شيئا .. اي ان اساس الصراع اﻻنساني مبني على الصراع بين قوى الخير وقوى الشر.. اي ان اﻻقتصاد هو اساس الصراع.. اي ان الخبز هو اساس الصراع.. والدليل على ذلك اننا جميعا كبشر نعمل من اجل توفير لقمة العيش لنا ولعوائلنا .

وعندما قدم لينين الخبر على الوعي والثقافة.. اكد موضوعية الفلسفة الماركسية وواقعيتها.. اذن الثقافة هي ثانوية وتاتي بعد الخبز… والمسرح كنوع من انواع الثقافة…. يعتمد على الدراما….اي على الصراع…… ياتي ايضا بدوره الثانوي مثله مثل باقي انواع الثقافة والفنون.. كالسينما والموسيقى والتشكيل والشعر واﻻداب اﻻخرى. .وهو مثل جميع الفنون واﻻداب يتأثر بالحياة اﻻجتماعية واﻻقتصادية والسياسية للبلد.. والفنون واﻻداب اي الثقافة… هي خير من يظهر تلك الحقب السياسية واﻻجتماعية واﻻقتصادية والتاريخية للمجتمع.. وخصوصا المسرح هو افضل وسيلة ﻻظهارها.

لذا نؤكد هنا على الظروف السياسية واﻻقتصادية واﻻجتماعية التي اثرت على مسيرة المسرح وابداعه واخفاقه.. في بداية الخمسينيات بدات الحركة المسرحية بالتطور الموضوعي واﻻبداعي…. نتيجة اﻻستقرار السياسي في العهد الملكي وحتى خلال ثورة 14تموز 1958 والتي ازدهر المسرح والسينما والفن التشكيلي والنحت فيها وقدمت مسرحيات مثل (انه امك يا شاكر) وفيلم (سعيد افندي ) وفيلم (نبوخذ توصر) كذلك بدا الفنان الخالد جواد سليم بالعمل على (نصب الحرية) في ساحة التحرير .

فكان هناك اعمال مسرحية عديدة وافلام للقطاعين الخاص والعام وكذلك ابدع العديد الفناتين التشكيليين والمسرحين والشعراء والكتاب واﻻدباء والصحفين كانت فترة 4 سنوات ونصف فترة ابداع وتالق للجميع وللشعب ايضا… الى حدث اﻻنقلاب اﻻسود يوم 8 شباط عام 1963…. هذا اﻻنقلاب من قبل حزب البعث العربي اﻻشتراكي..الذي جاء نقمة على الشعب العراقي عموما وعلى الثقافة والفنون خصوصا..حيث توقفت الحياة…نتيجة ملاحقة الشخصيات الوطنية وخصوصا المثقفين… حيث زج الفنانين واﻻدباء والكتاب والشعراء في السجون وعذبوا شر تعذيب.. بحيث اصبحت ارض العراق بقعة من دماء اﻻبرياء…… ومع ذلك كتبت قصائد شعرية في السجون وسربت الى خارج السجن منها قصائد تصف السجون وتلك الفترة للشاعر مظفر النواب .. وقصيدة (براءة) للشاعر كاظم إسماعيل الكاطع وغيرها.. اي ان هذه الفترة من الفترات المظلمة في تاريخ البشرية والعراق وخصوصا المسرح العراقي والثقافة عموما…

ﻻنه كما قلنا ان الثقافة والفنون تتاثر بالواقع السياسي واﻻجتماعي واﻻقتصادي للمجتمع…. بعدها حدث انقلاب تشرين الذي كان يوم 18 تشرين عام 1963…. والذي قضى على البعثيين وجاء عبد السلام محمد عارف رئيسا للعراق .. وهو من القوميين العرب…وبدات الثقافة والفنون تنهض من جديد بالتالق واﻻبداع….. لانه بدأت حالة الاستقرار في العراق…. وكان معهد الفنون الجميلة رائدا لذلك اﻻبداع والتألق مع الفرق اﻻهلية الشعبية امثال فرقة المسرح الشعبي للتمثيل…. وفرقة المسرح الفني الحديث… وفرقة اتحاد الفنانين….. وفرقة الرافدين………. وغيرها من الفرق المسرحية.. كذلك انتعش فن التشكيل والنحت والشعر والشعر الشعبي والموسيقى والغناء والسينما.. وبدات مساحة ولو بسيطة للفنون واﻻداب..وتلك الفترة كانت فترة انفتاح لممارسة اﻻبداع بغض النظر عن الممنوعات والملاحقات من قبل الاجهزة الامنية..اي انه كانت مساحة من الحرية لممارسة اﻻبداع….. وقدمت مسرحيات في معهد الفنون الجميلة مثل مسرحية كلهم ابنائي للفنان بدري حسون فريد ومسرحية تاجر البندقية لشكسبير….. والبيوت الزجاجية…. ويوليوس قيصر …..ومسرحيات اخرى….. وقدمت افلام للقطاع الخاص….. واعمال نحت وتشكيل وتوجت بقصائد للشعراء محمد مهدي الجواهري ومظفر النواب وبلد الحيدري وعبدالوهاب البياتي وكاظم اسماعيل كاطع وزامل سعيد فتاح. ….وفي مجال اﻻغنية كان هناك مطربين وكتاب اغنية ابدعوا وتالقوا الى ان انفجرت طائرة عبدالسلام محمد عارف رئيس الجمهورية وهو عائد من البصرة. ….واستمر الابداع في مجالات الفنون والثقافة حتى بعد وفاته واستلام اخيه عبدالرحمن محمد عارف رئاسة الجمهوريه .بل ازداد التألق والابداع نتيجة الاستقرار في المجتمع….فكانت هناك مسرحيات مثل هملت اخراج حميد محمد جواد في معهد الفنون الجميلة وفيلم من انتاج بغداد فيلم وهو ( طريق الظﻻم) من اخراج عبدالكريم السراج وغيرها من التالق والابداع.. الى ان اتى انقلاب تموز عام 1968 المشؤم…. وهنا عاد البعثيون الذين حطموا المجتمع العراقي…

لكن هذه المرة اتوا بشكل مخادع ثعلبي… حاولوا من خلاله السيطرة على المجتمع…. وذلك من خلال افساح المجال للحياة ان تستمر…
بفسح المجال للفنون والثقافة والعلوم باﻻزدهار…. طبعا والسيطرة عليها…..
فكان اﻻنتعاش الفني والثقافي….. خصوصا في فترة السبعينيات… انتعشت الفنون واﻻداب….

وقدمت العديد من المسرحيات مثل الدربونة للدكتور سعدي يونس ومسرحية سرحان بشارة سرحان والبقرة الحلوب للاستاذ خالد سعيد وفوانيس للاستاذ ابراهيم جلال وتموز يقرع الناقوس للاستاذ قاسم محمد والطوفان للاستاذ ابراهيم جلال وكلكامش للاستاذ خالد سعيد والكراسي للفنان علي ماجد

وراس المملوك جابر للدكتور سعدي يونس ونفوس والشريعة والنخلة والجيران وطير السعد للاستاذ قاسم محمد وحفلة سمر من اجل خمسة حزيران للاستاذ جاسم العبودي……. والعديد من المسرحيات واﻻفلام السينمائية والمعارض التشكيلية والموسيقى والغناء والشعر والشعر الشعبي .ان فترة السبعينيات كانت الفترة الذهبية للابداع والتالق في الفنون والثقافة العراقية .

كل ذلك كان في ظل حكم احمد حسن البكر رئيس الجمهورية وعندما قام باﻻنقلاب صدام حسين الذي كان نائبا لرئيس الجمهورية عام 1979…. بدات الفنون والثقافة مرحلة جديدة… هي الكتابة للرئيس القائد الاوحد …..الرئيس صدام حسين. والتغني به…. الى ان اتت الحرب العراقية الإيرانية وبدات تتضائل الفنون والثقافة وبدأت مرحلة جديدة .. هي استمرار التغني بالرئيس القائد الاوحد …. الذي اعتبره الشعراء وكتاب الاغنية الاها اوحدا … ورفعوه فوق الله سبحانه وتعالى… وكتابوا اﻻغاني والشعر للانتصار بتلك الحرب الظالمة… التي استنزفت المجتمع العراقي باﻻبناء واﻻموال والحياة اﻻجتماعية والسياسية والاقتصادية..

ولكن رغم ذلك استمر المبدعون بتقديم افضل مالديهم بغض النظر عن منع العديد من اﻻعمال اﻻبداعية الثقافية والفنية.. حتى جاء الغضب اﻻكبر على المجتمع العراقي اﻻ وهو احتلال العراق عام 2003 ..هنا توقفت الحياة….هنا بدأت مرحلة جديدة بتاريخ الثقافة والفنون العراقية … حيث استلمت السلطة احزاب متاسلمة ﻻيهمها سوى سرقة البلد وتخريب كل ماهو جميل ومبدع….. لذلك تعتبر هذه الفترة من 2003 ولحد اﻻن كتابة هذه المقالة …..هي فترة انتهاء الثقافة والفنون والآداب في العراق ..وهي نفس الفترة السوداء في تاريخ الحركة الفنيه والثقافية التي حدثت بعد انقلاب شباط اﻻسود 1963 بل اسوء منها….. انها نهاية الابداع والتألق في جميع مراحل الحياة في العراق… سواء على مستوى الثقافة او الفنون او الحياة…لان الاحزاب الاسلامية قد اعتمدت على البعثيين
في مجمل تحركاتها…وهم اصبحوا الاساس في قيادة هذه الاحزاب المتأسلمة… وهؤلاء اساسا غاضبين وناقمين على التغيير …لانه اضر بمصالحهم .. لذا انتهى كل ماهو جميل بفضلهم وبفضل الاحزاب الاسلامية…

شارك
المقال السابقركام الرماد يضوع بعبق الزهور
المقال التالىيستطيع المبدع أن يبدع في ظل أي ظرف كان
هادي العزاوي مخرج وكاتب عضو نقابة الفنانين العراقيين منذ عام 1975 رئيس ورشة اﻻبداع الثقافي العراقي ( منظمةNGO) اقام العديد من المنتديات والورش ناشط مدني خريج معهد الفنون الجميلة/ قسم اﻻخراج المسرحي ...رقن قبده في الصف الثاني أكاديمية الفنون الجميلة عام 1976.. اخرج اامسرحيات التالية:- موزارت وساليري....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد