العنف النّاعم


 

هل يمكن للعنف أن يكون ناعما ؟ وهل يجوز هذا التّجاور الغريب للّغة عندما ترتبط وحشيّة الفعل بنعومة الصّفة ؟نعم يجوز هذا ويحصل ذاك عندما تُحسن أيادٍ خبيرة صناعته .

فمنذ وُجد الإنسان على الأرض وُجد العنف . ومن وقتها لم يتغيّر شئ سوى الوتيرة والدّواعي والأدوات . ولئن كانت أسباب العنف جليّة دائما وهي معارك الدّين والسّياسة والاقتصاد ، فإّن أدواته لم تكن دائما ثابتة ولا جليّة . فأحيانا تتخّذ شكل الأسلحة وأحيانا ّيتخفّى العنف في ما ليس منه. ومن أدوات تخفّيه السّينما وتحديدا سينما هوليود. والتي لم يصل العنف فيها أوجه إلاّ بعد أن أصبح مؤنّثا . لقد أصبح من وقتها عنفا ناعما .وهو ما سهّل تسويقه . وليس الغرض هنا التأريخ للسّينما بل هو رصد أثر التّحوّل فيها وكيف تنامى العنف معها حتى اكتسح العالم .

لم تكن سينما هوليود عنيفة دائما. فأقصى ما أنتجته في ذلك المنحى كان خلال الأربعينات والخمسينات والسّتّينات من القرن الماضي مع أفلام الغرب الأمريكي أو ما عرف بأفلام الويسترن أو أفلام رعاة البقر وهو ما يشكّل “المرحلة الذّكوريّة” الصِّرف . فالبطل رجلٌ دائما والمعركة لا تخرج عن معارك الخير والشّرّ حيث اللّصوصيّة وقطع الطّّريق والسّطو على القطعان… وحيث البطل القويّ يعيد النّصاب والحقّ بسلاحه . ولم يكن السّلاح شيئا غير مسدّسين يتدلّيان على الجانبين وخفّة يد وحركة في القنص .أما الرّمز الرّجاليّ فكان رمزا ذكوريّا بملامح موحية : قوةّ الجسد والنّظرة الثّاقبة والحركة السّريعة التي تكاد تتكرّر مع كل الأبطال سواء تقمّصوا دور الشّرّير أو دور من يعيد للحقّ نصابه . تشكّلت رموز ذكوريّة لأمثال جون واين ، وارن بيتي ، بول نيومان، روبرت ريدفورد ، ويليام هولان، روبرت راين وكلينت استود الرّمز الأشهر . في هذه المرحلة من سينما هوليود كان العنف مرئيّا وواضحا للعيان أبطاله رجال وبيئته قاحلة .

فمشاهد الصّحراء والنّبات الشّائك والغبار المتطاير ..يكاد يكون المشهد الثابت لكل ّ تلك الأفلام . وهو عنف لم يجاوز حدّه حتّى أنّ الكثير من الأفلام وقتها كانت تُمنع لأنّ مرأى الدّماء لم يكن قد أصبح معتادا بعدُ .إنّ الجمهور العريض لتلك الأفلام كان من الرّجال أساسا فالمناخ مناخهم ، وغبار الصّحراء ووعرها مجالهم الأثير إلى النّفس ، هناك تتعالى قيم الذّكورة عرفا مشتركا على مرّ التاريخ .

ولم تلبث السّينما الأمريكيّة طويلا ، حتّى صنعت تحوّلاتها وتحرّرت من الحظر المُمارس على مشاهد العنف . ولم تمرّ ثلاثون سنة حتى بدأت أفلام الحركة وأفلام الخيال العلمي. وأصبح العنف صناعة تُجيّش لها كل التّقنية الممكنة وتُدّخر لها النّفقات الطّائلة التي غطّّت على كلّ منتج آخر . ولكن لم يكن ذلك أهمّ ما في المرحلة . كان الأهمّهو أنّها أصبحت مرحلة “مؤّنثة “و أصبح العنف فيها طبقا هوليوديّا جميلا . ولم يعد الرّجال هم أبطال أفلام الحركة أو مالكوها الحصريّون . ولم تعد الممثّلة الجميلة مجرّد بطلة لفلم رومنسي أو حبيبة للبطل في أفلام الحركة بل أصبحت هي البطل نفسه . ولم تبق جميلة من جميلات هوليود لم يتمّ توظيفها بطلة مطلقة لأفلام العنف والحركة . من انجلينا جولي ، إلى درو برّي مور ، الى سكارلات جوهنسون إلى شارليز تيرون وبينيلوبي كروز و جينيفير لوبيز وجينا دايفز وسلمى الحايك …والقائمة تطول . كلّهنّ أجمل من مرّ يهوليود ، وحاصلات على تصنيف في قائمة جميلات العالم .شفاه مكتنزة وصدور ناهدة وقامات ممشوقة يزيدها ذلك اللّباس الملتصق بالجسد إغراء . ولكن مع مسدّسين على الجانبين وإتقان لفنون القتال ، ودم يسيل ولكن من أيدي الحسناوات.

ما حصل في هذه المرحلة أنه تم ّ تحويل رموز العنف من الرّجال إلى النّساء ، بل أصبح الرّمزان يتعايشان معا وأحيانا في فلم واحد . فماذا كانت موجبات هذا التّحويل مع ذلك الانتقاء الدّقيق للفاتنات ؟

لقد أسهمت هذه الصّورة الجديدة في تشكيل وعي المتقبّل .فالمسّدس المحمول في يد حسناء فاتنة ، ليس هو نفسه المسدّس المحمول في يد رجل أغبر في وعثاء الطّّريق . والتواءات الجسد الأنثويّ المقاتل ، ليست نفسها التواء اتجسد رجالي ّ خشن . ذلك التّجاور الجديد بين الفتنة والأنوثة من جهة ، والعنف من جهة أخرى ، امتصّ فائض العنف وهيمن عليه . فأصبح يبدو جميلا . والحدود الفاصلة بينه وبين الإغراء لا تكاد تبين . بل إنّ العنف نفسه أصبح مغريا وقد تقمّصته امرأة . ويبدو هذا جليّا في تلك الصّورة التي تتكرّر والتي تكون فيها بطلة فلم الحركة رمزا مفعما بالأنوثة والإغراء ، تتمايل وتقتل بدم بارد وكأنها تضع قلم حمرة على شفتيها . هذا النّموذج الجديد لم يغيّر وعي المتقبّل تجاه العنف فقط فأصبح يستسيغه ، بل رفع شريحة المواكبين لأفلام الحركة إذ أصبحوا رجالا ونساء وأطفالا . وهكذا أوجد العنف لنفسه قاعدة أو سع من المشاهدين . لقد زالت حواجز التقبّل عندما أصبحت كل الشّرائح العمريّة وكلا الجنسين يجدان في ذلك الرّمز المؤنّث ما قد يبحث عنه : الفتنة والجمال ، أو القوّة والقدرة ، أو الإغراء والهيمنة …وشُحنت صورة المرأة بقيم كانت حكرا على الرّجال دغدغت بها حتى إدراك النساء وحلمهن ّ بأن يكتسبن جمال الأنوثة وقوّة الذكورة . وهو التأثير نفسه الذي حدث في تقبّل الرّجال لتلك الصّورة . فكأن ّ الطّبيعة تهبهم للمرّة الأولى نموذجا أنثويّا بنكهة أخرى ، فيه من الفتنة المألوفة والقوّة اللّامألوفة . و مهما كانت دواعي الإقبال على هذا الرّمز المؤنث، لم يعد ممكنا أن نشيح ببصرنا عن فلم بطلته مقاتلة فاتنة قد تشغلنا فتنتها عن القتل وقد يبدو القتل على يديها جميلا .

إن ّ السّينما الأمريكية التي تُعد ّ صناعة تُزاحم أعتى الصّناعات وأكثرها قوّة ، وتتفوّق عليها في الإنفاق وفي القدرة على التّسويق والانتشار ،لم تحوّل رموز القوّة من الذّّكورة إلى الأنوثة خدمة للسّّينما ولأغراض فنّية فحسب ، ولا للّتسويق فحسب رغم أن كلّ ذلك صحيح، فقد تمّ استثمار صورة المرأة في كل ّ منتج وهذا مألوف ، ولكن الأصحّ من كلّ ذلك هو فلسفة هوليود وتوجّهاتها والتي تصبّ في الكثير منها في سياسة البيت الأبيض وتوجّهاته . السّينما الأمريكية هي الوجه الجميل الغازي لسياسة ذلك البيت الذي يدخل البيوت بلا استئذان عندما يصبح محمولا في شكل فلم ، وعندما تتصدّر الفلم امرأة فاتنة تقنعنا بكلّ السّبل أن العنف جميل وأن مرأى الدّماء يسرّ النّاظرين وأنّفعل القتل يمكن أن يحدث ، دون أن يرفّ لنا جفن .

فهل أنّ أمريكا التي أطلقت كلب حراستها الممثّّل في هوليود والذي يرفرف فيه العلم الأمريكي غالبا عند نهاية كلّفيلم ، فعلت ذلك ببراءة أم هي جرعة العسل
المسموم التي مهّدت لمرأى كلّ تلك الدّماء ؟

لا تعليقات

اترك رد