الخواجاية وسوق الفلاحين


 

صباح الخير يا محسن صباح النور ست الكل اجي اساعدك شكرا يا محسن السواء (السائق) محمد حيجي يوصلني لسوء (السوق) الفلاحين …يقهقه محسن بواب العمارة …وحترجعي المرة دي مع كم عيل يا مدام …متتعبيش نفسك دول ناس صيع …لا يا محسن متؤلشي كدة …دول أطفال مظلومين …ازاي؟ يصل السائق محمد.. صاحب التاكسي كلما اردت ان اذهب الى أي مكان يكون على استعداد لتوصيلي …

محمد كان سائقا مثقفا كنت اشك انه يعمل لدى الامن كثير من المحلات وسيارات التكسي في المعادي يعملون لدى الامن خاصة في المنطقة التي يسكنها الأجانب من دبلوماسيين وأصحاب شركات وخبراء والى اخره.

صباح الخير يا محمد يفتح محمد الباب وأدلف في التاكسي.. على فين يا مدام؟ سوء الفلاحين.. يعني مش حستناكي حترجعي مشيا على الاقدام مع العيال..ايوى يا محمد..وربنا يا مدام انتي بتتعبي نفسك اصلو ما فيش فايدة من الناس دي..معلشي يا محمد أحيانا كلمة وحدة بتغير مسير حياة انسان ..او فعل بسيط يغير حياة انسان ودول حيغيروأ اللي حواليهم في المستقبل. نصل المكان.. مع السلامة يا محمد.. بألف سلامة.. حال مارأني الأطفال تزاحمو حولي كل يريد ان يساعدني في حمل الخضار وتنقية الخضار وكل يتسابق لتنقية الاحسن هذه هي لعبتهم لم يعرفوا ماهي الطفولة هرموا قبل أوان الشيخوخة. وكان بعضهم يدفع الاخر ويقول له انا كنت وائف (واقف) هنا ئبلك (قبلك). كنت أقول لهم من غير خنائة (خناق) حتجو معايا كلكم كان يصل العدد أحيانا سبعة الى ثمانية كنت اعطي لكل واحد كيس يحمله وكنت اشتري أكثر من حاجتي ليكون لكل منهم كيس يحمله..وبعد الانتهاء نمشي مع بعض عشرون دقيقة الى ان اصل بيتي.

كانت حكاياتهم تحزنني وخارجة عن مقدرتي لمساعدتهم ليكون لهم مأوى وام وأب يحميهم من النفوس المريضة الضعيفة.. نعم بعضهم كان يغتصب جنسيا كل يوم وبعضهم كان يضرب ضربا مبرحا وبعضهم كان يعمل اكثر من طاقته.

سوق الفلاحين سوق يبعد عن بيتي حوالي 20 دقيقة مشيا على الاقدام.. رغم وجود سوق يبعد عن بيتي ثلاث دقائق سوق مرتب لان محلاته نظمت خصيصا للأجانب والاسعار أيضا تعتبر رخيصة بالنسبة للأجنبي ومعظم مشترياتي من هذا السوق لكني اذهب الى سوق الفلاحين مرة في الأسبوع انه صلاتي مرة في الأسبوع أحيانا كنت اغيب لأكثر من أسبوع بسبب العمل والسفر. قد يتساءل البعض لماذا اذهب الى سوق الفلاحين في المعادي القديمة؟ كان له اسم اخر لا اذكره.. لماذا كنت اذهب هناك؟

كان هذا السوق يعج بالنساء التي تفترش الأرض وتضع امامها سلة الخضار من طماطم وباميا وبصل وفاصوليا خضراء وباذنجان واي خضار تحصل عليه في ذلك اليوم لترتزق منه ربما عشرة جنيهات في ذلك اليوم ومعظمهم نساء كبيرات في السن أحيانا تساعدهم أولادهم او احفادهم من الأطفال كنت اريد ان تنتفع تلك النساء. ويوجد أيضا كثير من الأطفال تتراوح أعمارهم ما بين السابعة والخامسة عشر قادمين من الصعيد او من القرى والارياف المجاورة لمدينة القاهرة ليعملوا ويبعثوا ما يحصلون عليه الى اهاليهم وبعضهم يحتفظ بها عند رب العمل الى ان يسافر الى اهله او أحدا من اهله يأتي لزيارته وبعضهم ليس له اهل او بعضهم اهله طردوه لكل منهم حكاية. كان المحصول لا يتعدى أحيانا العشرة جنيه في الأسبوع او لا يحصلوا على شيء. كان معظمهم ينام في الشارع او امام المحلات التي يعملون لديها او في مدخل العمارات ان اجاد بعطفه عليهم بواب العمارة. قليل منهم يذهب الى بيت أحدالاقرباء لينام هناك وأحيانا يطرد من بيت الاقرباء. كان بعض الأطفال يتزاحم حولي لا ليعمل ويأخذ مني كم جنيه لكن كان بعضهم يقول ممكن امشي مع العيال معاك مش عاوز فلوس.. افهم ماذا يريد كنت اسمح لهم..

انهم يريدون ان يحكوا لي قصصهم وظروف معيشتهم التي يعانون منها.. هذه احدى الأسباب التي دعتني ان ارجع مشيا على الاقدام ليكون هناك وقت لكل منهم ان يحكي لي ما في جعبته وبعضهم كان يسألني ان اعطي له اذني لكي يهمس في اذني سره لا يريد الاخرون ان يعرفوا عن سره بسبب عدم الفتنه او بسبب الخجل من الاخرين. وفي طريق عودتنا مشيا على الاقدام كنت أرى أمهات جالسات على قارعة الطريق من حولها اطفالها اثنان جالسين على الأرض يشاركوها عملية الشحاتة واخر ترضعه كنت اعطيها كارتي وأقول لها اذهبي الى هذا المركز الطبي ليساعدك انه يقدم خدمة مجانية لمنع الحمل ثلاثة كفاية للشحاتة وكنت اعطيها مبلغ من المال وأقول لها دي عشان المواصلات توصلك للمركز الطبي ده. في احدى الزيارات لهذا السوق كان من مجموع الأطفال التي تمشي معي طفل في السابعة من عمره جميل الوجه لا يعرف الابتسامة اسمه طارق لم يكن يتكلم كثيرا واثناء التجوال وإذا برجل يبدو عمره في الستينات يصفع هذا الطفل على وجهه صفعتان.. صرخت في وجهه لماذا صفعته قال يا مدام سايب الشغل عندي وجاي يلعب مع العيال.. الطفل لم يبكي ولم تنزل دمعة واحدة على خده وكأنه يتحداه بكرامته وقوته في مواجهة الظلم.. قال له الطفل مش عاوز اشتغل عندك انت وحش. جلبت انتباهي كلمة وحش بالنسبة لطفل في عمره تحوي هذه الكلمة معان كثيرة لكني اجلت سؤالي لطارق لحين نصل البيت لأجد طريقة اسأل بها الطفل ومن غير ان يسمع بقية زملائه الأطفال.

منظمة اليونيسيف العالمية قدرت ان عدد أطفال الشوارع في مصر بمليونين طفل مقسمين الى ثلاثة مجاميع المجموعة الأولى التي تسكن في الشوارعوالمجموعة الثانية هي التي تعمل في الشوارع ساعات طويلة ولها مأوى تقطنه والمجموعة الثالثة العائلة وأطفالها يسكنون في الشارع. اتسأل لماذا العائلة في الدول العربية لا تملك الوعي عن إنجاب الأطفال؟ إنجاب الطفل هو مسؤولية اقتصادية وثقافية واجتماعية قبل ان تكون مسؤولية الهية او قومية لزيادة عدد الامة.. دعوني أقول لكم العبرة هي في النوعية وليس في الكمية وخاصة في عصرنا هذا عصر التكنولوجيا هي الحاكمة وليس الاعداد. وإذا بي اسمع صوت رفعت يقول انا حؤول (أقول) للمدام عليك ومصطفى يحاول وضع يده على فم رفعت لكي لا يتكلم قلت له عملت ايه يا مصطفى اعترف مش حزعل منك واذا بالباقين يتكلمون نيابة عنه اصلو سرء (سرق) سرقتي ايه يا مصطفى؟ وإذا بمصطفى البالغ من العمر 14 سنه يصرخ في وجوههم طيب انا الحرامي اللي سرء وكمان انتوا ربنا حيحاسبكم وإبراهيم يقول له بس انت اللي سرقت وصفوت البالغ من العمر عشر سنوات يقول أصل مصطفى كلامو صح مش هو سرء عشان كنا جوعانين وانت يا طارء (طارق) مش كنت بتعيط عشان جوعان. صمت الجميع وانتظر الجميع لأصدر حكمي على مصطفى. قلت لمصطفى انت نيتك للسرقة كانت لمساعدة اصدقائك لأنهم جياع لكن لا يجوز السرقة لأنه سلوك يؤذي الاخرين هل تحب انت ان يؤذيك أحدا ويسرق منك.واكتفيت بهذا القدر من الكلام لم ألقى محاضرة عن الأخلاق لهؤلاء الأطفال حيث اختلط عليهم مفهوم الاخلاق الحسنة من السيئة ربما يسأل الطفل كيف يحاسبوني على سرقة الطعام وانا اكاد اموت جوعا ولا يحاسبون امي وابي حين جلبوني لهذه الحياة من غير تحمل مسؤولية تربيتي واطعامي وارسالي الى المدرسة..

نعم يا طفلي الصغير انت لست بلص ولست بمجرم.. اهلك ومجتمعك هو المسؤول هو الذي يجب ان يحاكم. جاءني صوت من خلفي يقول يا خاواجاية تشتري مني علبة؟ استدرت نحو الطفل كان وجهه مصفرا يلبس ملابس رثة وفجأة اغمى عليه وفاق بعد ثلاث دقائق قلت له بكم كل العلب؟ قال عشرة جنيه قلت له طيب خذ العشرة جنيه وروح ارتاح في البيت قال لا ياخواجاية امي ما ترضاش حتزعئلي وتئول ما بعتش العلب ليه قلت له اعطيها العشرة جنيه قال حتقولي كنت بعتها بعد ما سيبت الخواجاية .. يبدو ان هذا الطفل يعاني من مرض السكري.. كنت اريد ان اعلم الأطفال ان لا يشحتوا واني اعطيهم مبلغا مقابل عمل مع بعض النصائح قد تفيدهم في الدفاع عن أنفسهم من ظلم الوحوش التي تحيط بهم او ربما يتعلم كيف ينتهز فرصة معينة تنشله من هذا الظلام ومن مستقبله المجهول. الحل لهذه المشكلة ليس صعب أولها برامج التوعية على البرامج التلفزيونية والمراكز الطبية والجوامع حيث يذهب الرجال. أيضا هناك حلول أخرى هو تبني الأطفال من قبل العوائل التي تريد ان تتبنى الطفل لكن نظام التبني ممنوع وهل من الصعوبة ان نلغي قانون عدم التبني؟ ايهما أفضل ان يكون الطفل شريد في الشوارع وربما يصبح مجرما قاتل او سارق ام انه يتربى مع عائلة تتبناه تحميه وترسله للمدرسة والجامعة ويصبح انسانا نافعا للبشرية. ارجو ان لا نرمي هذه المشكلة على شماعة الصهيونية وأميركا.

لا تعليقات

اترك رد