الجماعات السلالية بالمغرب – ج2


 

ذوي الحقوق
في المقال السابق تطرقنا للتعريف بالجماعات السلالية من خلال النصوص القانونية المنظمة لها خاصة ظهير 27 ابريل 1919 وما تلاه من ظهائر اخرى مكملة ومغيرة لبعض بنوده ، كما القينا نظرة موجزة بشان مكونات الجهاز الاداري المتحكم في دواليب هذه الجماعات من نواب الجماعة السلالية وكيفية اختيار هؤلاء الممثلين للجماعة كما تطرقنا للوصاية ولمجلسها ، واليوم في هذا المقال باذن الله سنتطرق للمستهذفين من هذا التكثل ومن الارضية الحقيقية التي انشئت من شانها هذا النوع من التدبير انهم ذوي الحقوق … فمن هم هؤلاء ؟ وكيف يتم اضفاء هذه الصبغة عليهم؟

لنبق في نفس السياق لا مانع من التذكير ببعض التعاريف لمن لم يقرأ المقال السابق :
الجماعات السلالية هي مجموعة من السكان المنبثقين من القبائل، فخدات القبائل، دواوير وهي شخصية معنوية تخضع لضوابط القانون الخاص لها إطارها القانوني التشريعي والتنظيمي ،تعهد الوصاية عليها إلى السيد وزير الداخلية الذي يمكنه ان يستشير في ذلك مجلس الوصاية .

وهي ايضا مؤسسة تتكون من نواب يمثلون بصفة شرعية جماعتهم السلاليةكما يعتبرون المخاطبون الرئيسيون في كل مسالة كما يعهد اليهم تدبيرممتلكاتهم الجماعية طبقا للأعراف والعادات وكذا تعليمات الوصاية.

اما الوصاية فهي كما سبق ذكره مؤسسة تحكيمية تقريرية …
لنصل الان الى العنصر الاساسي في المنظومة الا وهم ذوي الحقوق ، فمن هم اذن هذه الشريحة ؟ وما هي الشروط المكسبة لهذه الصفة ؟

الجماعة الأصلية هي مجموعة بشرية تنحدر من سلالة عرقية واحدة وتجمعها مصالح مشتركة…. يتفرع عنها مجموع مكونات القبيلة ( فخذة – مدشر – دوار – عظم – قصر…) ويمكن أن تلتصق بهذه الرابطة الدموية والعرقية عوامل أخرى اجتماعية واقتصادية وروحية، تجعلهم (القبيلة- و مكوناتها جماعات و أفراد) ملتحمين فيما بينهم مكونين ما يسمى بذوي الحقوق .

من خلال استقراء هذا التعريف السالف يتبين لنا بان الجماعة السلالية هي مجموعة من السكان والاشخاص المنحدرين من اصل واحد هذه المجموعة حسب التعريف عامة ومجردة لان الجنس فيها لم يحدد هل هي ذكورية ام انثوية ، فالتعريف الفقهي هنا اذن لم يستثن فيه اي جنس … فصفة ذي حق هنا يجب ان تشمل النساء كما شملت الرجال من قبل … فذي حق او السلالي أو ذوي الحقوق هم الأعضاء المكونين لهذه الجماعة و الذين يتمتعون بحق الانتفاع والتصرف في أراضي الجماعات السلالية.
فمن اذن يحدد صفة ذي حق؟

بالرجوع الى مقتضيات الظهير الشريف المؤرخ في 27 ابريل 1919 فان جمعية المندوبين أو جماعات النواب الذين تنتخبهم الهيئة الناخبة لتدبير وتسيير الشأن المحلي للجماعة السلالية هي من لها الحق في اضفاء او ازالة هذه الصفة ،الا ان الملاحظ عمليا انه ثمة اختلاف في معايير تحديدو منح صفة ذي حق من جماعة لأخرى… الا ان اغلبها تنحصر في المعاييرالتالية: الانتماء ـ الازديادـ بلوغ سن الرشد ـ الإقامة ـ الاستغلال الفلاحي ـ الزواج ـ الزواج الفعلي المحدد بمدة معينة ـ الجنس ـ التوفر على حصة جماعية ….
الى هنا قد يبدو الامر عاديا لكن الغريب في الامر ان النسوة محرومات من هذا الامتياز … فاين هي اذن مصداقية التعاريف السالفة العامة والمجردة فالانتماء واحد والاصل واحد والاهذاف مشتركة فلم اذن هذا الجور والاقصاء في وقت كل المنابر تدعو للمساوات وتتشدق بالمكتسبات وهو في الاصل حتى حق من حقوق الله مهضومة لهذه الفئة المستضعفة من المجتمع …

والشيء الغريب هو اجماع ذوي الحقوق الذكور طبعا على تاكيد هذا الاقصاء لان المرأة في نظرهم لا تحتفظ بالسلالة صفية وخالية من دماء الاجانب الاغراب عن السلالة خاصة اذا ما تزوجت بالغير الخارج عن سلالتهم …. امر غريب .. المرأة كالدابة اذن لا تصلح الا للاعمال الشاقة وطاعة الزوج فقط وان توفي والدها وكانت هي وريثته الوحيدة ذهب حقها سدى لاعمامها او ابناءهم ولها الله .

مما لا شك فيه ان هذا الاقصاء قد اخذ بعدا اخر فالمتتبع لملف المرأة السلالية، قد انتقل عبر محطات تاريخية هامة منذ سنة 2007 حيث تجاوز الحدود الوطنية زكاه الاهتمام الدولي من هيأت و منابر دولية و منظمات حقوقية تابعة لمنظمة الأمم المتحدة باعتباره نقطة سوداء تشل الجهود المبذولة في اطار المساواة بين الجنسين للحصول على الحقوق الخاصة بهم في الإرث و الملكية ، ليصبح مادة دسمة في المنابر الاعلامية والمجالس الحقوقية العالمية انطلاقا من كون هذه الوضعية المزرية والاقصاء الممنهج للسيدة السلالية من الاستفادة من الأراضي الجماعية و من عائداتها، الشيء الذي اصبحت معه الوزارة الوصية على تدبير هذا الملف ملزمة على اخراج هذا الملف ووضعه على طاولات نقاش واسعة وفق مقاربة تدريجية و تشاورية مع جميع الفاعلين المعنيين ( السلطات المحلية و الإقليمية، نواب الجماعات السلالية، الهيآت الحكومية و المنتخبة، المجلس العلمي الأعلى، و جمعيات المجتمع المدني ) لايجاد صيغة قانونية كفيلة لابعاد هذا الملف من الانزلاق في متاهات قد يستغلها اعداء الوحدة الترابية لخلق الفوضى و هو الأمر الذي اعتبرته المنظمات الحقوقية مرحلة جديدة و قفزة نوعية تهم تدعيم حقوق المرأة في المغرب.

وهكذا اصدرت الوزارة الوصية دوريتين هامتين:
– الدورية الوزارية عدد 60 بتاريخ 25/10/2010 بخصوص استفادة النساء السلاليات من التعويضات المادية الناتجة عن العمليات العقارية (الكراء و التفويت).

– الدورية الوزارية عدد 17 بتاريخ 30 مارس 2012 الخاصة بإعطاء حق الإنتفاع للنساء السلاليات في الأراضي الجماعية.
وقد لوحظ بعد ذلك بان مجلس الوصاية بدأ يرفض كل لائحة توزيع سواء لمدخرات او عائدات هذه الجماعات او تقسيم ارث هالك قيد حياته ، وتعتبره لاغيا اذا لم يتضمن حقوق النساء السلاليات التابعات لهذه الجماعات …. هذا وبالإضافة إلى ذلك ومن أجل تشجيعهن لولوج سوق الشغل والنهوض باوضاعهن المادية والمعنوية بإنجاز مشاريع تنموية، تم التوقيع مع وزارة الفلاحة على اتفاقية من أجل دعم بنات و أبناء ذوي الحقوق قصد استغلال عقاراتهم في إطار الفلاحة التضامنية و الإستفادة من المساعدات و الدعم المقدمين في إطار مخطط المغرب الأخضر. وبذلك تكون هذه القرارات التي اتخذت قفزة جادة تتجلى من خلال منحهن مكانة متساوية مع أشقائهن الرجال، تنزيل صريح لمضامين دستور المملكة الذي ينص في تصديره حظر ومكافحة كل أشكال التمييز و خاصة الفصل التاسع عشر منه الذي يدعوللمساواة بين الرجال و النساء في كل الحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.

لكن رغم ذلك لازالت العديد من الجماعات السلالية متمسكة برفضها لهذا المجهود المبذول نظرا لتقاليدهم واعرافهم مشيرين في ان واحد الى استحالة هذه الاستفاذة لصعوبة اعادة لوائح ذوي الحقوق ، بشان اعادة توزبع حق الانتفاع على الاراضي القديمة والتي يستغلها الابناء بعد وفاة ابائهم … اما بخصوص التوزيعات الجديدة لحقوق الانتفاع على اراضي جماعية جديدة فهي متوقفة ، نظرا للسياسة التي تنهجها الوصاية بشان تدبير استغلال هذه الاملاك والتي طورتها بشكل كبير جدا خاصة في السنوات الاخيرة ايمانا منها باهمية هذا الوعاء العقاري الهام في تطوير سبل عيش الجماعات السلالية وضبط استغلال هذه الاراضي بشكل مقنن ومعقلن …
لكن مع ذلك لابد للوزارة الوصية من اعادة النظر في مجموعة من النقط التي يمكن اعتبارها مشاكل تعيق بشكل واضح التدبير السليم لهذه الثروات التي تفوق مساحتها اكثر من 16 مليون هكتار وهي موضوع الجزء الثالث والاخير باذن الله نتمنى صادقين ان تصل الى المسؤولين والقائمين على شان الجماعات السلالية بالمغرب .

لا تعليقات

اترك رد