قراءة أدبية في ديوان ‘ الورد يبكي والرصاص يبتسم


 

قراءة أدبية في ديوان ‘ الورد يبكي والرصاص يبتسم
للشاعرة العراقية الدكتورة سجال الركابي

( القراءة فازت بالمرتبة الثالثة في مسابقة اتحاد الادباء الدولي ( الثقافية الأدبية النسوية بامريكا )

(يتمدد نهري دجلة والفرات في رحم الحيا
وكان أثرهما عظيما في على مدى التاريخ
ولهما تجلياتهما وأثرهما الحضارة الإنسانية
البارزة في الفنون والآداب والحضارة)

(وصف فاق الجمال لبلاد الرافدين لمقدمة الديوان للشاعر والناقد العراقي : ناصر ناظم القريشي)
لو حكينا عن حضارة امتدت من فجر التاريخ ، نصبت في قلب العالم وكانت لتاريخ حكاية لم تنتهي بعد تركت بصمة فكرية وعلمية لم تمحوها الحروب رغم الألم الذي يتربص بعراق بين النهرين بقية شامخة عبر العصور وحدائق بابل شاهدةٌ على أقوى حضارة عرفها الانسان عبر العصور ، وما تركته في قلب هذا العصر البغيض ، .؟

حكاية( الورد يبكي والرصاص يضحك) كتبت بأنامل من حرير، رسمتها على مشارف النذور بين اليقظة والسبات ، في عصر أصبحت فيه الورود تحاكي الرصاص ، وهي تتناثر بين أفراح العذارى وهن يبحثن عن فرح ما بين القبور ، فكرة تنطلق من قضية أساسية ، أن الوطن هو الحياة والحياةهي الحب لهذا الوطن…كلاهما لا ينفصلان عن الآخر ، حيث يرى المتلقي لقصائدها أنها كتبتها بلغة شفيفة يشوبهاالحزن أحياناً والصوفية الروح أحياناً رغم الحرية المطلقة في التعبير عن الروح والذات التي تسكن الشاعرة وتنطلق من منطلق حرية الفكر الذي يخدم العقل … حيث نجد عند وقوع الوجود في وجه الحقيقة يستيقظ الابداع الفعلي نتيجة الرغبة المتدفقة من الدواخل لتلد الاستجابة على سطع تناغم الحرف فيلد التمرد على صفحات القصيدة ..

تلكم هي أشعار الشاعرة الكبيرة الدكتورة سيجال الركابي من العراقة، و نحن نقرأ ديوانها ( الورد يبكي والرصاص يضحك ) وهي التي تعيش بين بلدين مختلفين بعيدين بفارق قرن من الزمن .. العراق وبريطانيا ..؟ و وتعود لتغريدةُالروح أحيانا بين ضفاف نهرين تربعت على عرشهما الحضارة التي لا تمت رغم أن الرصاص أختلط بالزهور والزغاريد بالبكاء ، رغم أن شارع المتنبي مزال ينبض بالحياة ، حياة فكرية أدبية مدت يدها إلى عنان السماء عبر ممرات القوافي التي انتشرت بين الروابي منسية من جفاء السنين ..

وأنا أتصفح ديوانها الجميل استوقفتني قصائد للحب وقصائد للحزن وقصائد للزمن البغيض ، رغم الفرح الذي كان هناك ينبع بين القوافي … تقول الشاعرة سيجال الركابي في قصيدتها ( الف لا ) تنادي بكاء طفل ، في ليلة مقمرة تربع على جباه المتعبين، وتهلل للصامدين هناك على جبهة الموت …
( الــــف لا )
انا ليلى
اناغي بكاء طفل ٍ
يبتسم المهد
اسري فيجنّ الشوق في الغناء ِ
الماء ، يزداد نقاء
على جباه المتعبين .. تزهو قبلة
تورق اغفاءة يأس
انَدّي شفاه ً عطشى
برقراق صبر ٍ
بمحبتي تنضج السنابل
فيكتمل البدر رغيفا ً
ويترنح العنب والتمر ، والتين
ثملاً في شفاه العاشقين
ابارك صخرة الجبل
فتمطر شقائق
والاشجار الباسقات
منّــاً وحلوى
اتفيأ قليلاً
عند شجرة امي وابي
واقرأ تعويذة ً للمشاحيف
ابارك المبتهلين
اهلل للصامدين
امّكم انا .. وبنتكم
عاشقتكم .. ومعشوقتكم
ليـــــلى
مريدتكم وحاميتكم
ردائي المزركش
يقي من برد ٍ وجوع ٍ وخوف
جدائلي تصرخ
ان ، الف لا للمقص
ولقوافل المسوخ …
تجسّدت شاعرية الشاعرة في هذه القصيدة التي تحاكي فيها اوجاع الوطن ، وتعبّر عن جراح ابناءه بلسان المرأة الشاعرة العميقة الجذور في تربة الوطن والتي تشبّثت رغم الجراح بأصالتها وعنفوانها ، وابراز دورها كأمرأة ، وام ٍّ معطاء وعاشقة ومعشوقة .. اذ وظّفت القصيدة بكلّ دقة وعمق بدءً من العنوان الصارخ الرافض ( الف لا ) وهي حالة رفضٍ وشموخ ومقاومة حتى النهاية امام قوافل المسوخ … ليلى ، ترميز ُ ل ليلى العراق ، رمز الانوثة والحب والعطاء والتي طالما تغنّى بها الشعراء ..
أعتمدت الشاعرة مفردات الترميز والاشارة العميقة الدلالة في مفردات قصيدتها من الناحية الفنية والبناء اللغوي للقصيدة حيث امطرت مشاعر الحب ّ وعمق شعورها وحسّها الوطني بمختلف تنوعه وتشكله الديموغرافي والطبوغرافي والبيئي من شماله لجنوبه كما في اشاراتها ( ارض السنابل .. ارض العنب والتمر والتين .. صخرة الجبل .. مشاحيف الاهوار ) لتبارك للصامدين في بلد الجراح والصمود وتمثّل المرأة كآلهة الشمس رمز حضارة العراق ، وهو ترميزُ للمرأة العراقية عبر التاريخ كما في قولها ( امّكم انا .. بنتكم .. عاشقتكم ومعشوقتكم .. ليلى مريدتكم ، وحاميتكم …. ) فهي بقلبها وحبها وتعويذاتها تعشق الجميع وتحمي الجميع بأيمانها ودعائها وحسها العميق وتستنهض الهمم في رائعة قولها ..( الف لا .. للمقص ) وهو ترميز ان الحرّة لن يمسها الاذى ولن تطال يد المسخ من عنفوانها وعزّتها وكبريائها وشرفها .. وستبقى جدائلها وضفائرها رمز الاباْء والشموخ ..ولم تنس جذورها المتأصلة بتربتها ومياهها في قولها
اتفيأ قليلاً ..
عند شجرة امي وأبي
اما من حيث البناء الادبي واللغوي فقد ارتكزت على توظيف المفردات البديعية لفظاً ومعنى ً ومضمونا وترميزا ً بدقة وعناية وعمق بلاغي نظما ً واسلوبا ً

(حلم دِعـــة ٍ )
ما كان الحلم سوى
ســقف دعــة ٍ
تحت فىء نديٍّ
وجدران حنان
ايتها النخلة السامقة
اكانت امنية ضالّة .. ؟؟
فلِم َ تساقط الدمع نديّاً ..؟
وسال الدم زكيّأ ..؟
هو جلجامش ، اهدانا عشبة الخلود ..!! ؟
فأينعت على ضفاف الانهار
البغض ثعبان
الروح غزال
سألملم اطفالي
في آمرلي ، وسنجـــار
من مدن المتعبين
وقرى البرتقال
من غزّة الزيتون
من ياسمين الشام
من الشعاب .. من التراب
من الفزع .. من الغضب
اسقيهم ابجدية ، بمنقار الحمام
حيّ على الإباء
حيّ على السلام والانسان
من حنّاء ، عطش كربلاء
وعطرُ جوريّ ٍ اغتالته الغيلان
ستزهر شمسنا .. حقول فـــرح …!!!
اعتمدت الشاعرة في بناءها الفني لهذه القصيدة الرؤى البعيدة الشاملة في اشطر قصيدتها التي اتسمت بوجدانية عميقة متضمنة مفردات ترميزية فنية وتاريخية متخذة من رمز العنفوان ( النخلة السامقة ) وهي رمز الرخاء والنماء وترميز اشاراتي للمرأة .. والانثى ، تحلم ان يعود الوطن السابق لسابق عهده من الامان والسلام .. فالحلم لا يعدو ان يكون سقفاً ا
آمنا ً وسكنا ً ومستقرا ً .. مشيرة ببعد رؤاها في ملحمة جلجامش ورحلة بحثه عن الخلود ، وهي اشارة غالية العمق للنضال والصبر والمطاولة من اجل البقاء رغم كل شيء .. مسترسلة في ذكر اوجاع الشعوب في بقاع الارض والعراق الجريح في تساؤلات عميقة الشجن مستخدمة اداة الاستفهام في قولها ..
أيتها النخلة السامقة ..
أ كانت امنية ضالة ..؟؟
فلِمَ تساقط الدمع نديّا ً..؟؟
وسال الدم زكيّا ً ؟؟
هو جلجامش .. اهدانا عشبة الخلود ..؟؟؟
ثم تسترسل في قصيدتها الغزيرة العميقة الشجن بتصوير ٍ مشهدي ٍّ عميق ذاكرة بتوصيفها مفردات ومفاصل الجرح ..
سألملم اطفالي
في آمرلي , وســنجار
من مدن المتعبين
وقرى البرتقال
من غزّة الزيتون
من ياسمين الشام
من الشعاب ، من التراب
من الفزع ، من الغضب
وهي تشير الى الفرقة والتمزق في ( البغض ثعبان ) ينفث سمومه في ارجاء الارض وبين ابناء المجتمع .. وتشير لنقيضه الموحي بالحياة والجمال والحب والعذوبة والبراءة في ( والروح غزال ) .. ورمز السلام الذي يسقيهم ويعلمهم لغة الحب والسلام في قولها ( اسقيهم ابجدية بمنقار الحمام ) ثم تستثير الجمع ( ان حيّ على الإباء .. حيّ على السلام ) وتذكرِّهم برسالة غاية العمق في الايثار من اجل الحرية والوقوف بوجه الظلام والظلال والظلم في قفلة قصيدتها …
من حنّاء عطش كربلاء
وعطر جوريٍّ ، اغتالته الغيلان
ستزهر شمسنا .. حقول فـــرح
………………………..
( كريستال )
حين الليل يراقص النهار
وتشاكس الحيرة القرار
على نغم السنطور
حول قافية الكلام
نعم ، ولا تدور
الضحكة .. البكاء
التبتّل .. الاغـــواء
الجفوة .. الوصـــال
وردة في قارورة كريستال
مزركشة بفولاذ
سأبعثرك .. بأنامل الرقّــــــة
في قصيدة كريستال وهي قصيدة وجدانية عاطفية ارتكزت على المناجاة والشكوى والحس الوجداني الرهيف والادبي الرصين العميق تحاكي الشاعرة روح المرأة وعمق مشاعرها وخلجاتها … تحاكي الانا فيها والآخر بلمسة ادبية شاعرية عذبة البوح ، معتمدة في بناءها الفني واللفظي على الثنائيات اللفظية (الضحكة ، والبكاء .. التبتّل ، الاغواء … الجفوة ، الوصال ) متضادات ومفارقات عميقة تعيشها المرأة حسّاً ومشاعر جيّاشة تكمن بغزارة في صدر المرأة واعماقها .. لتجعل من المرأة ترميزا واشارة لفظية بديعية متمثلة في ( وردة في قارورة كريستال ) لكنها تبقى سجينة اطرٍ وقيود ٍ في مفاهيم المجتمع ، كما يتضح في قولها ( مزركشة بفولاذ ) وهي اشارة غاية الابداع والعمق والترميز الى قيود اوغلت فيها وفي ذاتها المكبّلة لكنها وبحسّ المرأة التي يجهل الكثير كنهها وعميق كبريائها وانوثتها ومكمن قوتها تقفل ما ابتدأته بقولها ( سأبعثرك .. بأنامل الرقّة ) ..
نجد ان الشاعرة تدرك بحسّها الشاعري والانساني والانثوي العميق قيمة المرأة ومكانتها ووضوح صورتها في المجتمع لتتدارك ذلك في قصيدتها ( انا وانت َ ) التي اراها عطفا على قصيدة ( كريستال ) لتبين ان للمرأة مكانة تحفظ هيبتها وكرامتها ووجودها وبكل كيانها الطبيعي فهي تقول في قصيدة ( انا ، وانت َ ) ..
لســت آالهــــة ً
ولا جـــــارية ٍ ..
شـــاطر ، ومشـــــطور ..
في حقل مــدّ ٍ وجـــزر ٍ
انــــا ، وانـــــت َ ..
نصف المجتمع .. الانا والاخر .. فلسفة عميقة وجدلية اجتماعية اخذت حيزا كبيرا ، تنظيرا وواقعا مفروضا .. ببضع كلمات في قصيدتها ، بيّنت الشاعرة عمق هذا التواصل والوجود واصل الخلق والخليقفة وان الحياة بينهما تبقى بين مد وجزر في ظل ربيع وخضرة وديمومة الحياة على الارض … ذلك هو انا ، وانت .. وتلك هي معادلة الحياة التي لا تقبل الا المشاركة والحب والود على قدم المساواة ، القائمة على تقبّل وفهم الانا ، والاخـــــــــر …..!!

لا تعليقات

اترك رد