الإرهاب الخبيث و الإرهاب الحميد


 

لا أبحث عن تعريف للإرهاب فهو بيننا يخرج من جيوبنا و يأكل بملاعقنا و يكتب بأصابعنا ، كل قول أو عمل يستهدف حرية الإنسان و كرامته و ماله مهما كان مصدره هو إرهاب ، كل تصريح لمسؤول رسمي أو قائد فصيل مسلح أو رجل دين أو سياسي يدعو للكراهية هو إرهاب ، و دعوني أتمادى ، حتى عرقلة معاملة مواطن في دائرة رسمية إرهاب لكننا لم نكتف بما لدينا فطورنا أجيالاً منه في مختبراتنا و جعلنا منه صناعة و اقتصاداً و فكراً و إعلاماً و لم نكن في كل سعينا و اجتهادنا أكثر من إمعات أو أصداء لأصوات أعدائنا عرفنا ذلك أم جهلناه ، إعترفنا به أم أنكرناه

الإرهاب الخبيث لا يحتاج لتعريف ، الجميع يعرف ظروف نشأته و كيف و لماذا سمح له بالتمدد تحديداً في الأماكن التي أصبح و أضحى و أمسى فيها . أما الإرهاب الحميد فهو الإرهاب المسكوت عنه حيناً و المبارك أحيانا ً، يظهر بشكل خطب و فتاوى تتلوها أعمال إنتقامية ضد أشخاص و مجاميع يقول المنتقمون و ليس القضاء العادل على فرض وجوده أنهم إرهابيون .

ربما ينتمون لحي أو عشيرة إحتل الإرهاب ديارها و هذه تهمة كافية تقتضي الإنتقام ، أساليبه لا تقل عن أساليب الإرهاب الخبيث بشيء بل على العكس تقتضي ابتكار طرق لم تتفتق عقلية الأول عن مثلها لإثبات شجاعة المنتقم و إقدامه و غيرته على ضحاياه و إصراره على أن يكون العقاب أشد من الذنب إرضاء لحمية العشيرة ، الشيء الوحيد المتبقي من الجاهلية الأولى بعد إلغاء أرث الشعر و الكرم و الفروسية الذي كنا نفتخر به ذات يوم
ألإرهاب الحميد لا يستدعي استئصاله و بتر الجزء المصاب به لأنه حميد ، و رغم أن حجمه لا يقل عن حجم شقيقه الخبيث إلا أن الموقف الرسمي يصنفه بأنه تصرفات فردية و يدلي مسؤولون طوال اليوم بتصريحات بهذا الإتجاه لكن المحاكم لم تشهد تقديم عنصر واحد من هؤلاء الأفراد رغم أن أبطاله يؤدون واجباتهم مكشوفي الوجوه و بعضهم ” نجوم ” يوتيوب ورغم أن ضحاياه آلاف يفترض أنهم أبرياء بنظر القانون لأنهم قضوا قبل أن يمثلوا أمام القضاء ليثبت إدانتهم و لو أدانتهم محكمة مكتملة العناصر ( إدعاء عام و شهود و دفاع إلخ ) فهناك عقوبات نص عليها القانون ليس من بينها حرق الأحياء أو الهرس تحت جنزير دبابة ، عادةُ انتزاع الإعتراف بالقوة أصبحت موضة قديمة و سئم القضاة من تقديم متهمين يقرأون إفاداتهم بورقة مكتوبة مسبقاً فتركوا الأمر لأولي الأمر يعالجوه خارج المحاكم

مقاطع الحرق و الذبح و تقطيع أوصال الأحياء التي نتداولها و نهديها لأحبائنا ليستمتعوا بها هم ايضاً لن تكون في نهاية الطريق في خدمة ما نسميه ” الحرب على الإرهاب ” كما نتوهم بل هي تدريب على سادية لم تعتد عليها الشخصية العربية الحالمة و المحلقة في سماوات صحارينا الصافية منذ امرئ القيس حتى نزار قباني ، تدريب لأجل إنتاج جمهور الإرهاب ” الحميد ” الذي يقف في الكفة الأخرى ليستوي الميزان بين طرفي الإرهاب

الإرهاب الحميد هو نفاية الإرهاب الخبيث ، أو العكس لا فرق ، و مع ذلك فالحميد له جمهور واسع يروج لمقاطع أبطاله بدافع الفخر مثلما كان يروج بالامس لمقاطع خصمه بدعوى فضح وحشيتة و بهذا خدم نموذجي الإرهاب في آن واحد ، الجميع روج مقاطع الجميع إما بنية فضح أساليب خصومهم أو للفخر بحمية الإنتقام ، لكن في المحصلة لم يفعل هذا الجمهور شيئاً سوى ترويج إعلام الإرهاب . مَن صوّر مقاطع داعش و من له مصلحة بترويجها لنقدم له هذه الخدمة الإعلامية المجانية ؟ مؤسسات إعلامية أمريكية إعترفت بدورها في صناعة إعلام داعش و هو امر واضح بدليل التقنية العالية التي صورت به أما مهمة الترويج لهذا الإعلام فلم تكن صعبة ، لم يكن على التنظيم إلا أن يصور المقطع و ينشره و نحن نتكفل بالباقي بدعوى فضح جرائمه دون ان نسأل أنفسنا : إذا كان هذا المقطع يضر بالتنظيم فلماذا نشره و لماذا صوره اصلاً صورة أخرى . أن يصادر أبو بكر البغدادي دور و أملاك مسيحيي الموصل و يفرض عليهم الجزية فهذا إرهاب خبيث نتفق أنا و انت و كل الشرفاء في العالم عليه و ان تدعو شخصية دينية رسمية مرموقة لقتل المسيحيين و الصابئة إذا لم يدخلوا الإسلام ، على مذهبه طبعاً ، أو يدفعوا الجزية فهذا تطبيق لشريعة الله و امتثال لأوامره . عمامة هذا تختلف عن عمامة ذاك .
تعددت الأساليب و الإرهاب واحد و هو واضح كالشمس لا يحجبه عن أعيننا غير العصبية متى ما انتزعناها وضح كل شيء

شارك
المقال السابقالقيود
المقال التالىالإمبريالية، الحرب والعرب
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد