في سيكولوجيا الأبداع والتفرد وفضاء الحرية الشخصية


 
(لوحة للفنان مطيع الجميلي)

في سيكولوجيا الأبداع والتفرد وفضاء الحرية الشخصية
” من لا يتفوق على معلمه يكن تلميذا تافها ”
ليوناردو دافنشي

التفرد والإبداع والبحث عن الشهرة جزء من ميكانيزم نفسي لتأكيد الذات عبر خصوصية الشخصية وعطائها الشديد التميز,وهي آلية إنسانية فطرية تكسب الشخصية حدودا خاصة بها,وبنفس الوقت تتواصل مع الذات المجتمعية من خلال عطائها المتنوع الفريد والمفيد وذو الأصول الاجتماعية ضمن دائرة التنوع الهائلة في مختلف القدرات والنتاجات العلمية والأدبية والسياسية وغيرها,وهي أشبه بدائرة مغلقة ذات طابع تكاملي تجد في التفرد الشخصي مفتاح لتنوعها وتكاملها وديمومتها,وهي بنفس الوقت اقرب جدا إلى المشاريع الاقتصادية التنافسية للوحدات الجغرافية في البلد الواحد أو على نطاق البلد كله,فالتنوع هنا يضمن الكفاءة الاقتصادية للنظام السياسي عبر تنوعه الشديد بمشروعات مميزة ذات جودة عالية لا مكان فيها لرداءة النوع,حيث تنقرض فيه الوحدات الاقتصادية ذات الصبغة غير المنافسة,إلا إن الفرق الأساسي والجوهري هو أن العطاء الإنساني الذي يميز حالات الابتكار والخلق والإبداع هي حالات عقلية فردية محضة لا تقوى اكبر المشاريع الاقتصادية والربحية على منافستها,لأن محتوى هذه العطاءات وسعتها الإنسانية هو جوهر وسبب وقوف الإنسانية عبر تاريخها الطويل وهو السر في تحسين أدائها في مختلف ميادين الحياة العلمية والأدبية والاقتصادية والسياسية والتكنولوجية وغيرها من مجالات الحياة,تجسدها انجازات كوكبة من العلماء والفلاسفة الأفذاذ والشعراء المبدعين والفنانين النخب والسياسيين الندرة وغيرهم من ذوي القدرات الخاصة !!!!.

أن الابتكار والخلق والإبداع باعتبارهما عملية عقلية تتمحور حول الفكر والتفكير الشديد متداخلة مع العمليات العقلية الراقية الأخرى التي تشمل الذاكرة والانتباه والخيال واللغة والتي تعمل سوية مع الفكر بدون انقطاع,والتفكير هنا في جوهره عملية فسيولوجية مخية تمارسها الفشرة الدماغية على شكل موازنة بين الانطباعات الآتية من البيئة المحيطة الجغرافية والاجتماعية عبر أعضاء الحس بالاستناد إلى اللغة والمعرفة,وإصدار الأحكام عليها واستنباط نتائج ايجابية أو سلبية منها,وهي أرقى أشكال النشاط المخي المنتج عند الإنسان أذا اقترن بالخيال السليم والانتباه المركز وينفرد به الإنسان لأنه يستلزم بيئة اجتماعية ابرز مقوماتها اللغة والمعرفة وهما خاصتان لصيقتان بالإنسان,كما يستدعي أيضا قشرة دماغية بلغت أرقى درجات تطورها ينفرد بها الإنسان دون غيره في سلم التطور البيولوجي.معنى هذا أن للفكر ركنين متلاحمين ومختلفين في آن واحد:هما الركن الفسيولوجي المخي أو الجسمي الفطري والركن الاجتماعي البيئي الثقافي المكتسب.

ومن هنا فأن الابتكار من حيث هو عملية ذهنية منظورا أليها من زاوية تركيز الانتباه لفترة طويلة من الزمن في موضوع معين بالاستناد إلى الإلمام الواسع العميق به,هو نشاط عصبي تقوم به خلايا القشرة الدماغية التي بلغت إثارتها حدها الأقصى.معنى هذا من الناحية السلبية نشوء عملية عزل مخي تستدعي في لحظات تركيز الانتباه إقصاء الانطباعات الذهنية والمؤثرات البيئية الأخرى لكي تنتشر تلك الإثارة فيها.وعندما تقترن أو تتلقح أو تلتقي الارتباطات العصبية في المنطقة النشطة من القشرة المخية فان ذلك يعني ميلاد الفكرة الجديدة أو المبتكرة.غير أن هذا الاقتران السعيد المؤقت أو الخلق” الذي يتم أعقاب دراسة عميقة مستفيضة تستغرق سنين طويلة “يحدث بشكل مفاجئي عند نضجه بين المراكز المخية الحسية المنتشرة في جميع أرجاء القشرة المخية باستثناء مقدمتها كما يحدث أيضا بين المراكز اللغوية الموجودة في القسم الأمامي الأعلى من القشرة المخية الأمر الذي يؤدي إلى اقتناص فكرة طرية أو صورة شعرية رائعة قبل أن تفر من الذهن ,فيتم انبثاقها في حقل الفن بما فيه الشعر في حالة حدوث الاقتران العصبي بين المراكز المخية الحسية وفي حقل العلم في حالة حدوثه بين المراكز المخية اللغوية.ويبلغ الصراع المخي أعلى مراتبه في الحالتين بين الخلايا المخية النشطة وبين الخلايا التي مازالت باهتة النور.وتظهر في مجرى هذا الصراع صفات مخية جديدة يجوز أن نسميها ” مخاض الإبداع ” الذي يتصف به العباقرة,وهو حالة خاصة من الصراع المرير الحاسم الذي يحصل بين المجاري المخية التي تحمل الفكرة الجديدة لقذفها إلى خارج المخ وبين المجاري المخية التي تحاول الاحتفاظ بها على نسق الصراع الذي يحدث بين عوامل دفع الجنين الى خارج الرحم وبين عوامل الاحتفاظ به.

أن هذه الآراء تستند في غالبيتها إلى معطيات العالم الروسي ايفان بافلوف(1849 ـ 1936 ) الطبيب وعالم الفيزيولوجيا وعالم النفس,والمؤسس للدراسات التجريبية الموضوعية للنشاط العصبي الأعلى عند الحيوان والإنسان,ويفيدنا في مجال موضوعنا ما تعرض له بافلوف حول طبيعة نشأة العمليات العقلية الراقية لدى الإنسان وعمليتي الإثارة والكف التي يمارسها الدماغ في سياق نشاطه اليومي المتواصل في البحث والتنقيب.وقد أكدت نظرية بافلوف الكثير من الحقائق العلمية وأسست اتجاها سيكولوجيا علميا ينبذ المفهوم الخرافي والأسطوري في تفسير الظواهر النفسية,يجد دلالته في المضامين الآتية :

1ـ أن العمليات النفسية صورة لفعالية الدماغ ووظيفة من وظائفه الأساسية والدماغ هو أرقى أشكال المادة,وينبني على هذه المسلمة انه لا يمكن أدراك العمليات النفسية بصورة علمية بعيدا عن أدراك العمليات التي تتأصل في البنية الدماغية,فالفعل السيكولوجي فعل يتأصل ويحفر مجاريه في القشرة الدماغية الموطن الحقيقي لارتباطات مشاعرنا وأحاسيسنا وانفعالاتنا.

2 ـ الشعور انعكاس للمادة وصورة حية من صور العالم الموضوعي الخارجي والعمليات النفسية برمتها مرهونة باشراطات هذا العالم الذي يتحول إلى صورة دماغية لحائية مرنة ذات طابع اشراطي,وبالتالي فان إدراك الفعل النفسي مرهون بظروفه الخارجية والداخلية وبصورة أكثر تحديدا أن الفعل النفسي نتاج تفاعل بين الوسط الخارجي بمثيراته المختلفة مع الوسط الداخلي الذي يجسده الدماغ بشكل عام والقشرة المخية بشكل خاص.

3 ـ أن المادة أولية والشعور لاحق وثانوي وهذا يعني أن الأفكار والإحساسات تنبع من العالم الخارجي المادي الموجودة بصورة مستقلة عن الوعي,وهذه الفكرة تنطوي على مضامين بالغة الأهمية في تفسير في مجال الصراعات الإيديولوجية الخاصة بالمسألة الأساسية للفلسفة وهي أن المادة سابقة للوعي في الوجود,وفي مجال علم النفس أن الصورة الشعورية تولد في عالم المادة والظروف الخارجية,أي أن ما يولد في الشعور هو صورة منعكسة من صور العالم المادي,وقد ساعد ذلك كثيرا على إخضاع العمليات العقلية والنفسية للدراسة والاختبار, بما فيه ظاهرة الإبداع والخلق في ميادين الحياة المختلفة العلمية والأدبية وغيرها,مما وفر فرصا إنسانية اكبر لفهم هذه الظاهرة وأتساع نطاق شيوعها بين الإفراد.

وفي هذا السياق أشير إلى جهد العلامة الفقيد الدكتور نوري جعفر( 1914 ـ 1991 ) الذي كرس الكثير من أبحاثه ودراساته في فهم ظاهرة الإبداع مستندا إلى معطيات العالم الروسي بافلوف في نطاق فهم آلية النشاط العصبي الأعلى وكيفية نشوء القدرات العقلية المختلفة,وقد اتخذ الفقيد في دراساته عدة اتجاهات في هذا المجال,منها ما يتعلق برعاية المواهب وسبل تطويرها,ومنها ما يخص دراسات ضعف الأداء ألتحصيلي للطلاب وسبل النهوض به,وآخر يتعلق بتحسين العملية التربوية والتعليمية في نطاق النظام التعليمي كله.

وبما يخص ظاهرة الإبداع والخلق والابتكار فأن العلامة نوري جعفر يؤكد أن الابتكار في الأساس التاريخي ومن الناحية التطورية قدرة مكتسبة لدى الإنسان في مغالبة الطبيعة وتسخيرها لمصلحته عن طريق خلق مواد جديدة مادية وفكرية تستمد عناصرها الأولية من البيئة الموضوعية وتستند إلى قدرة الإنسان على الكشف عن علاقاتها أو ارتباطاتها الموضوعية وعن القوانين التي يخضع لها سلوكها وذلك لإشباع حاجاته المادية والثقافية المتطورة.وان أي ضرب من ضروب نشاط الإنسان من الممكن أن يكون خلاق أذا استوفى شروطه الموضوعية,معنى هذا أن ظاهرة الخلق صفة مكتسبة تنشأ بالتدريب أو الممارسة بنتيجة تفاعل إمكانيات الشخص الفسيولوجية المخية الفطرية مع العوامل البيئية المحيطة لا سيما الثقافية منها في موضوع تخصصه .إي أن الجانب المبتكر يحصل في كل عمل ذهني يقوم به الإنسان بنتيجة الممارسة الناجمة عن التفاعل بين الفرد بمقوماته الفسلجية المخية وإمكانياته الاجتماعية الثقافية.

واستنادا إلى ذلك فان للإبداع والابتكار درجات بعضها أرقى من بعض نسمي قمتها العبقرية,أي أن العبقرية أرقى درجات الإبداع والعبقري أعلى أشكال المبتكرين,وهناك درجات من الابتكار,فهناك الماهر أو الحاذق أو البارع,وهناك الموهوب أو الألمعي أو اللوذعي أو الجهبذ,وهناك العبقري أو النابغة,أي باختزال شديد أن مستويات الإبداع ثلاث هي : الماهر والموهوب والعبقري,فالماهر لديه القدرة على إعادة الأصل في إطاره العام ولكن بأسلوب قد يفوقه في الروعة,أما الموهوب فيكون ذو خيال خصب بلغ القمة في موضوع التخصص,أما الفرق بينه وبين العبقري هو سعة الابتكار وعمقه وبدرجة أهم أن الفكر العبقري يلعب دورا ايجابيا فريدا في مجال تخصصه بالنسبة لتاريخ العلم والأدب والنظريات الاجتماعية,ويلوح أن الموهوب والعبقري يتمتعان بمزايا فسيولوجية مخية نادرة لا تزال قيد البحث العلمي,الأمر الذي يلقي بضلاله عودة النظريات السيكولوجية والغربية منها بشكل خاص والتي ترى في العبقرية والموهبة بأنها ذات أصول وراثية مشروطة بسعة المعرفة والاطلاع في ميدان التخصص,وينطبق هذا الاستنتاج على كوكبة من العلماء العباقرة أمثال باستور وداروين واينشتاين وارخميدس وإديسون وجون ديوي وكارل ماركس وغيرهم من الفلاسفة والعلماء, والفنانين العظام أمثال دافنشي وبيكاسو,والشعراء أمثال المتنبي وأبو العلاء المعري وغيرهم.

ومن هنا نستطيع القول أن اغلب الكتاب والباحثين في الصحافة الالكترونية والورقية وفي أروقة الجامعات ومؤسسات البحث العلمي يقتربون بشكل كبير من درجة المهرة في الابتكار ويضيقون عند درجة الموهبة ويندرون جدا أو ينعدمون في درجة العبقرية,إلا أن الشرط اللازم لكل درجات الإبداع والابتكار هو الاستفاضة بموضوع الاختصاص مقرونا بتركيز الانتباه الذي يستغرق وقتا طويلا,ونشير هنا إلى أن أفضل النتاجات العلمية والأدبية ما وقع بعد سن الأربعين لصاحبه,أي بعد تراكم معرفي لا بأس به مصحوبا بحالة تحول نوعي في الفكر الذي يساوي الابتكار أو الإبداع.

ومن الجدير بالذكر هنا أن الكثير من الدراسات التي تستند إلى الآليات الدماغية في تفسير ظاهرة الإبداع أهملت دراسة البعد الذاتي للشخص المبدع,أي المميزات الشخصية للمبدعين أو مراحل العملية الإبداعية, وركزت فقط على ميكانيزم تفسير الإبداع من الناحية الدماغية وحصره ضمن دائرة التفسير السيكودماغي,مما أعطى بعدا وحيد الجانب لفهم ظاهرة الإبداع يغفل ما يدور في شخص المبدع في لحظات مخاض الإبداع,وهي لحظات هامة وضرورية لفهم سيكولوجيا الإبداع وأن جرت على أسس دماغية باعتبار أن الدماغ هو مركز الفعاليات النفسية والشخصية,إلا أن إماطة اللثام عنها يسهل استخدامها كمحكات للتعرف والكشف عن المبدعين,ومن ثم إعطاء تصور ذو مسحة تكاملية لأبعاد الظاهرة . وبالإمكان هنا الإشارة إلى ابرز مميزات الشخصية المبدعة التي يجمع عليها الكثير من علماء النفس:

1 ـ الحساسية للمشكلات :
وتعني أن الشخص المبدع حساس بمشاكل وحاجات ومشاعر الآخرين فهو يعي الأخطاء ونواحي النقص ويحس بالمشكلات إحساسا مرهفا,ولا شك أن الأشخاص الذين تزداد أحاسيسهم لأدراك أوجه القصور بالمشكلات في المواقف العقلية والاجتماعية تزداد فرصهم لخوض غمار البحث والاكتشاف والتأليف المفيد,وقد أثبتت الدراسات أن العلماء والأدباء والفنانين هم أكثر الناس إحساسا مرهفا.

2 ـ الأصالة:
أن الشخص المبدع ذو تفكير أصيل أي انه لا يكرر أفكار المحيطين به, لأن صاحب التفكير الأصيل هو الذي ينفر من اجترار و تكرار أفكار الآخرين وحلولهم التقليدية للمشكلة.

3 ـ المرونة:
أي التكيف السريع مع التطورات والمواقف الجديدة,فالمرونة هنا عكس التصلب العقلي( تبني أنماط فكرية محددة) فالشخص المبدع ينبغي أن يكون على درجة عالية من المرونة العقلية يتمكن من تغيير حالته العقلية لكي تتناسب مع تعقد الموقف الإبداعي,والمرونة هنا نوعان :
ـ مرونة تلقائية: وهي قدرة الشخص على أن يعطي تلقائيا عدة إجابات لا تنتمي إلى فئة واحدة, هذا النوع نجده عند الشعراء والأدباء والفنانين.
ـ مرونة تكيفيه: وتتعلق بالسلوك الناجح لمواجهة موقف, أو مشكلة معينة, وإذا لم يظهر هذا السلوك بفشل الشخص في حل المشكل أو مواجهة الموقف.

4 ـ الطلاقة :
وهي القدرة على أنتاج اكبر عدد ممكن من الأفكار الإبداعية.وتقاس هذه القدرة بحساب عدد الأفكار التي يقدمها الفرد عن موضوع معين في وحدة زمنية ثابتة,والشخص المبدع على درجة عالية من سيولة الأفكار وسهولة توليدها.
5 ـ أدراك التفاصيل:
وتتضمن هذه القدرة الإبداعية تقديم تفصيلات متعددة لأشياء محدودة وتوسيع فكرة ملخصة أو تفصيل موضوع غامض.
6 ـ المحافظة على الاتجاه :
وهو قدرة استمرار الفرد على التفكير في المشكلة لفترة زمنية طويلة حتى يتم الوصول إلى حلول جديدة, وتشمل إشكال مواصلة اتجاه التفكير الإبداعي : المواصلة الزمنية,والمواصلة الذهنية ,المواصلة الخيالية والمواصلة المنطقية.

أما بالنسبة لمراحل العملية الإبداعية فيمكن الحديث هنا عن أربعة مراحل تجري في شخص المبدع وهي بالشكل الآتي:

1 ـ مرحلة التهيؤ والإعداد:
وهي المرحلة التي تبحث خلالها المشكلة من مختلف جوانبها,وهي مرحلة بزوغ الفكر وإنبات البذرة الأساسية للإبداع,وفيها ينفتح فكر المبدع على البدايات الأولى لعمله,ويتجه إلى تنمية فكرته الإبداعية باحثا عن المعلومات التي لها علاقة بفكرته غير أن أفكاره في هذه المرحلة تبدو غير متناسقة,أي جمع كافة المعلومات حول المشكلة.

2 ـ مرحلة الكمون أو الاختمار:
في هذه المرحلة تكون الفكرة الأصلية آخذة بالتخمر,ويكون المبدع خلالها منشغلا بتفحص الفكرة الأصلية,وفي هذه المرحلة يعاني المبدع أقصى درجات القلق والتوتر خلال عملية الخلق الإبداعي بكاملها وقد يؤدي به هذا إلى شعور بعدم الاستقرار,لكن مع ذلك تنتهي هذه المرحلة بأن تصبح الفكرة الأصلية محددة الإطار واضحة المعنى.

3 ـ مرحلة الإلهام أو الإشراق:
في هذه المرحلة يثب الحل إلى الذهن مباشرة وبتلقائية تامة مع شعور بالثقة والاطمئنان في أن ما تم الوصول إليه هو الشيء الجديد الذي ينتظره المبدع.ومفهوم الإلهام هنا كما حدده علماء النفس هو عملية عقلية يقوم بها دماغ الإنسان وتحدث بعد تهيئة وإعداد للفكرة ثم اختمارها لتنتظم متغيرات كل الفكرة في إطار واضح ليتكون العمل الإبداعي.وقد يخطأ الكثيرون من الشعراء والفنانين والعلماء حين يظنون أن الإلهام يحدث فجأة,فأنهم يغفلون المعاناة الكبيرة التي يمر بها الشخص المبدع خلال مرحلتي الإعداد والاختمار,وهي قد تطول أياما أو أشهرا أو سنين,وهذا يتفق مع رأي نيوتن عندما سئل كيف توصلت إلى وضع قوانينك الطبيعية فأجاب ” ركزت انتباهي زمنا طويلا فيها “,وكذلك يتفق مع قول ” هنري أيرنج ” الذي يعتبر الإبداع ليس مجرد لمحة حدس انه عادة يتطلب تحليلا دائما لعزل العوامل الهامة من العوامل العارضة,أو ما يعبر عنه بافلوف بالكف والإثارة.

4 ـ مرحلة التحقيق والتنفيذ:
بانتهاء مرحلة الإلهام تكون العملية الإبداعية قد دخلت طورها النهائي حين تصل إلى مرحلة التحقيق والتنفيذ والتعديل,هذه المرحلة تتطلب اهتماما أساسيا من طرف المبدع,ويتوقف ذلك على ما يتصف به من خصائص شخصية وقدرات عقلية,إذ أن القدرة على تغيير الاتجاه العقلي بالمرونة والقدرة على التقويم والحكم والاستنتاج ومواصلة النشاط العقلي من العوامل الأساسية في إيصال العمل الإبداعي إلى نهايته.

أما بالنسبة لحب الظهور أو البحث عن الشهرة في وسط المبدعين بمختلف درجاتهم ومنزلتهم فهي جزء من نزعات الإنسان وطبائعه في الرغبة في إظهار نفسه أمام الغير,وهذه صفة إنسانية طبيعية وغريزية لا يحق لأحد أن ينتقدها أو يتسامى عليها,وهي احد مظاهر التعبير عن الذات أو” الأنانية” الإنسانية,وكما يقول العلامة الدكتور علي الوردي ” إذا قلنا للناس أنبذوا الحسد والأنانية فمعنى ذلك إننا نقول لهم : اتركوا طبيعتكم البشرية وكونوا ملائكة “.قد يختلف الناس بهذه الرغبة من حيث الدرجة حيث تكون واضحة وملحة عند البعض دون البعض الآخر,لكنها طالما بقيت في حدود المعقول من دون أن تدفع بالإنسان إلى أن يدعي أكثر مما لديه فأنها حق إنساني لا شك فيه,وللأنصاف نقول أن الكثير من المبدعين في ميادين الحياة جاءت شهرتهم كتحصيل حاصل بعد عطاء مستديم وسنوات طوال من الجهد والمثابر وان الناس عرفتهم قبل أن يعرفوا بأنفسهم,

لا بل أن البعض عرف بعد مماته وهذا ينطبق على العباقرة كثيرا,والمشكلة تظهر حينما تتحول ظاهرة حب الظهور إلى داء اجتماعي يقتل صاحبه عندما يحاول المرء أن يصف نفسه بما ليس فيها من اجل الشهرة لدواعي خاصة أو للتعويض عن نقص أو نتيجة للإحساس بالحرمان الطويل الأمد كميكانيزم تعويضي وهي تنتشر في أوساط سياسيين أو قيادات اجتماعية مهرة تركوا تنظيماتهم السياسية والاجتماعية بحثا وراء الشهرة والتكريم,وخاصة عندما يشعر بالحيف جراء انتماءه السابق وهي نزعات مضخمة تعتبر ملاذا ومتنفسا لمن يشكو من عقدة نقص بسبب حرمان أو عدم تحقيق غاية أو القصور في بلوغ الهدف !!!!.

لا تعليقات

اترك رد