ما الّذي يريده السوريون لمستقبلهم ؟


 

?What Do Syrians Want Their Future to Be
A Survey of Refugees in Turkey
By : Kristin Fabbe , Chad Hazlett and Tolga Sinmazdimir
Foreign Affairs – Monday , May 1 , 2017

من المفارقات الملفتة للنظر اننا دخلنا السنة السابعة من أطول حرب أهلية في التاريخ المعاصر ، وأكثرها كلفة بكل المقاييس النسبية والمطلقة ، ورغم ذلك مازلنا نسمع متحدثين لاحصر لهم باسم الشعب السوري وَذَا الشعب صامت ولا احد قد كلّف نفسه التواضع والنزول الى الناس المعنيين مباشرة لسؤالهم عما يتطلعون اليه في مستقبل بلادهم .

في جنيف واستانة وسوشي وموسكو وواشنطن .. الخ ، تعقد مؤتمرات ومباحثات وتبرم اتفاقات وصاحب القضية الأصيل وهو الشعب السوري غائب لا احد يعرف على وجه اليقين مالذي يريده لمستقبله . كل الذين تحدثوا باسم هذا الشعب سواء من طرف الحكومة او مناوئيها كذبوا حتى لو صدقت نواياهم تحت اي مسمى كانوا .

من عادتي ان اكتب تقديماً لمقالات زاويتي الأسبوعية ” كتبوا .. فقرأنا ” ، لكن القلم توقف وتوقفت معه يدي عن الكتابة . اعرف ان اي شيء سأكتبه عن ماساة الشعب السوري سيكون كذباً حتى لوكان كل مافيه صدقاً وموثقاً . ماساة الشعب السوري ودماؤه التي تسيل تكذب كل الكلام وكل التبريرات . يكذب كل من يقول انه يمثله او يتحدث باسمه . لذا سأقدم نصاً معبراً عن نفسه دون رأي مني او تدخل واترك للقارئ ان يخرج منه بما يريد .

النص الذي أقدمه من المحاولات القليلة التي اجريت في اوساط اللاجئين السوريين للتعرف على مايرونه مناسباً لمستقبلهم ومستقبل بلادهم ؛ هو خلاصة استطلاع للراي اجري في اوساط اللاجئين في تركيا حيث ثوجد الكتلة الأكبر من هؤلاء اللاجئين مما يعطيه قدراً وافراً من المصداقية قدر تعلق الامر بهؤلاء اللاجئين ، لان هؤلاء قدموا في معظمهم من مناطق توصف بانها معارضة للنظام وربما تكون للاجئي البلدان الاخرى وجهات نظر مختلفة رغم أهمية ووزن كتلة لاجئي تركيا . سأعمل على تقصي آية استطلاعات اجريت في بلدان اخرى لتقديمها .

مهدوا التقرير هم كريستين فيب استاذة مساعدة في جامعة هارڤرد وتشاد هازليت أستاذ مساعد في جامعة كاليفورنيا ( لوس انجيليس ) وتولغا سينمازديمير أستاذ مساعد في الجامعات التركية والأمريكية ، وهم بالتالي مجموعة مؤهلة بما يكفي لإجراء استطلاع موثوق وفق معاييرعلمية .

لنتابع ماورد في التقرير ……..

دخلت الحرب الأهلية السورية عامها السابع ومن غير المرجح ان نرى نهاية لها ، ولم تسفر محادثات جنيف عن اي تقدم بهذا الاتجاه . خلال المباحثات تشير مختلف الأطراف الى الشعب السوري باعتباره المرجعية النهائية التي تستطيع تقرير الطريق الذي يتعين على بلد مزقته الحرب المضي فيه . وعن مستقبل الرئيس بشار الأسد اجاب وزير الخارجية الامريكي تيلرسون مؤخراً ان ذلك سيقرره الشعب السوري ، وفي ذات الاتجاه صدرت التصريحات عن النظام ، وحذت ذات الحذو كل من ايران وروسيا وتركيا اضافة للجماعات المعارضة .

ورغم هذا الاجماع على دور الشعب السوري في وضع نهاية للصراع المسلح فان أحداً لم يقدم اي دليل على مايريده الشعب السوري فعلاً . من اجل ملأ جزء من هذا الفراغ فقد تم قبل عام تقريباً تنظيم استطلاع للراي شمل عينة من ١١٢٠ مواطن سوري في تركيا التي تأوي حوالى ثلاثة ملايين لاجئ سوري .

هذا الاستطلاع جرى خلال صيف وخريف عام ٢٠١٦ وفي اربعة اقاليم تركية وهي : غازي عينتاب ، هاتاي { الاسكندرون } سانلورفا وهي اقاليم تجاور الاراضي السورية ، اضافة الى اسطنبول وهي تأوي حوالى نصف مليون لاجئ سوري ، وهي اعلى نسبة استضافة لهم مقارنة بالأقاليم الاخرى . هذه الأقاليم الاربعة تأوي حوالى نصف اجمالي عدد اللاجئين السوريين في تركيا .

تم اجراء هذا الاستطلاع في احياء حضرية ذات تركيز سكاني سوري عالي وتم اختيار الشوارع لأغراضه بشكل عشوائي ، كما تم اختيار من شملهم الاستطلاع بشكل عشوائي ايضاً . من شملهم الاستطلاع يمثلون خليطاً عمرياً ومهنياً وعرقياً ولغوياً وطائفياً وهم كذلك من حيث مناطق القدوم وأصولها . كما كان هنالك تنوع فيما يخص أوقات مغادرتهم لسوريا وما يتعلق بتجاربهم الخاصة ازاء الحرب . لقد شكلت النساء ٤٠٪‏ من العينة التي شملها الاستطلاع .

رحبت الغالبية الساحقة من العينة (٩٠٪‏ ) بالعودة الى سوريا بعد انتهاء الحرب ولذلك فان العينة تعتبر انعكاساً لوجهة نظر فئة من السكان تعتبر نفسها جزءاً من مستقبل البلاد .
ان اهم النتائج التي تم التوصل اليها هي التالية :

ان الغالبية ممن تم استطلاع ارائهم لم يبدوا اهتماماً بالهجرة الى اوروپا وبالتالي فهم ليسوا معنيين بالحديث عن كل مايتصل بالسياسات الاوروپية الخاصة بالهجرة او الاتفاق الخاص بها بين تركيا والاتحاد الوروپي . لقد اجاب ٩٠٪‏ من المُستطلعة ارائهم عن خيارهم الاول حول المكان الذي يرغبون العيش فيه خلال السنوات الخمس القادمة بانه وطنهم سوريا فيما أعرب ٦٪‏ منهم فقط عن الرغبة بالعيش في اوروپا . اما بالنسبة للخيار الثاني فان ٨٥٪‏ منهم أعربوا عن رغبتهم بالبقاء في تركيا و ٩٪‏ فقط اختاروا اوروپا .

النتائج أعلاه تعني ان هؤلاء الذين لم يغادروا تركيا باتجاه اوروپا خلال موجة الهجرة الجماعية الكثيفة التي تمت خلال عامي ٢٠١٥-٢٠١٦؟لاتتوفر لديهم النية للتوجه الى اوروپا . لقد أعربت نسبة كبيرة من افراد العينة عن رغبتهم في تعلم اللغة التركية مرجحين بقائهم في تركيا ان لم تتوفر لديهم الفرصة للعودة الى وطنهم سوريا . هذه النتيجة تدعو الى ضرورة تبني سياسات وخطط عمل من اجل ادماج السوريين في الاقتصاد والمجتمع في تركيا . بالرغم من الجهد الكبير الذي تبذله الحكومة التركية والبلديات والمنظمات غير الحكومية فان هنالك حاجة الى مزيد من مشاريع الإدماج واسع النطاق مثل التعليم بالنسبة للأطفال وتعليم اللغة التركية والادماج في سوق العمل .

ان أقلية مهمة من افراد العينة لايشعرون بأنهم مُمَثلين من جانب اي من أطراف الصراع في سوريا . ان نسبة ٦٠٪‏ من العينة قدموا من مناطق مجاورة لمدينة حلب وهي مناطق تعتبر من المناطق المعارضة للنظام ولذلك كان من المتوقع ان يتبنوا وجهات نظر مؤيدة للمعارضة . ولكن حين تم استطلاع رأيهم بشان اي طرف يشعرون انه الاقرب لتمثيل مصالحهم ( تم اعطائهم الاختيار بين جماعات المعارضة ، الجيش السوري الحر ، حكومة الأسد او لا احد ) وقع اختيار ٦٨٪‏ منهم على جماعات المعارضة فيما أعرب ٢٨٪‏ اختيارهم لا احد . نصف الواحد بالمائة فقط من العينة أعربوا عن تأييدهم للاسد . من الواضح اذن ان نسبة مهمة من العينة لاتشعر انها تتمتع بالتمثيل من جانب اي من الأطراف المتصارعة .من المهم إذاً ان يتم اشراك ممثلين عن المجتمع المدني السوري في آية مباحثات بشان السلام في البلاد .

منذ الجولة الثالثة للمباحثات في جنيڤ وممثل الامم المتحدة ستيڤان ديمستورا يقوم بإجراء اتصالات ببعض الجماعات مثل المجلس الاستشاري للمرأة وهيئة دعم المجتمع المدني وهيئة الخبراء . اضافة لمثل هذه الاستشارات فانه يتعين ، وفقاً لما تشير اليه نتائج الاستطلاع ، فان قطاعاً مهماً من المدنيين السوريين بحاجة الى صوت يمثلهم خلال المباحثات طالما ان الجماعات السياسية او المسلحة لاتمثلهم . ينبغي اختيار شخصيات من المجتمع المدني والمؤسسات الدينية والمجالس المحلية يتم اختيارها من جانب مختلف أطراف النزاع ، من داخل وخارج سوريا ، ليكون لهم صوت حقيقي في المباحثات .
لقد نجم عن الحرب الأهلية الكثير من المعاناة الانسانية . ان اجمالي الخسائر في الأرواح يتراوح بين ٣٠٠ – ٥٠٠ الف إنسان . هنالك حوالى ١١ مليون تَرَكُوا مساكنهم بسبب الحرب . ان ثلث افراد العينة افادوا بانه قد وقعت إصابات بين قتلى وجرحى في مناطق سكناهم وان أفراداً من عوائل ١٧٪‏ من افراد العينة قد جرحوا او قتلوا . ان مناطق سكن ٤٠٪‏ من افراد العينة قد تعرضت للقصف بالبراميل المتفجرة من قبل قوات الأسد وهو شكل من العنف المفرط الذي ينزل على الناس بشكل عشوائي . لذلك فان نسبة النصف من افراد العينة يَرَوْن ان الأسد يمثل تهديداً لامنهم في سوريا المستقبل . ان ٨٠٪‏ من افراد العينة يعتقدون بوجوب تنحي الأسد عن السلطة . وهذه وجهة نظر مفهومة طالما ان افراد العينة قد قدموا من مناطق معارضة وهي وجهة نظر تختلف عن تلك التي عبرت عنها عينات موالية للنظام مثل تلك التي في لبنان .

لقد أعرب أغلب افراد العينة عن رغبتهم في معاقبة كل من ارتكب اعمال عنف من جميع الأطراف . لقد ارادت نسبة كبيرة منهم ان تتم معاقبة افراد النظام الذين ارتكبوا مثل هذه الاعمال . لقد منح افراد العينة الخيار في تقرير نوع العقوبة التي يرونها مناسبة ، فأعربت نسبة ٢٠٪‏ منهم عن رايها بإيقاع عقوبة الإعدام بحق من قتلوا المدنيين واعربت نسبة ٥٠٪‏ منهم عن رايها بإيقاع هذه العقوبة بأعضاء تنظيم الدولة الذين قتلوا مدنيين كما أعربت نسبة ٤٠٪‏ منهم عن رايها بإيقاع عقوبة الإعدام بحق افراد المعارضة الذين قاموا بقتل مدنيين رغم انهم قادمون من مناطق محسوبة على المعارضة . بشكل عام فان الاتجاه الغالب هو إيقاع عقوبة ما بحق كل من ارتكب اعمال القتل ضد المدنيين بغض النظر عن الجهة التي ينتمون اليها . لذلك فانه سيكون من الملائم أخذ هذه المشاعر بنظر الاعتبار لدى اجراء آية اعادة دمج او مصالحة او إنفاذ للعدالة في مرحلة مابعد الحرب .

ان السوريين الذين تم التحدث اليهم في إطار هذه العينة أعربوا عن أملهم في ان تخرج بلادهم منها سالمة وذلك من خلال ازاحة النظام ، وليس من خلال تقسيمها او فرض النظام الفدرالي فيها . لقد ادى الصراع الدائر الى ارتفاع بعض الأصوات الداعية لتقسيم البلاد او تحويل البلاد الى النظام الفدرالي . لقد اقترح الوزير السابق الامريكي جون كيري تقسيم البلاد باعتبار ذلك ( الخطة ب ) في حال اخفاق مباحثات السلام ، في ذات الوقت اقترح المفاوضون الروس الفدرالية كحل محتمل . لم يكن هذا هو موقف السوريين الذين تحدثنا معهم وقد أيد ٤٪‏ منهم فقط النظام الفدرالي كحل للازمة وأقل من ١٪‏ ايدوا التقسيم .

ان الغالبية الساحقة من السوريين الذين التقيناهم وتحدثنا معهم أرادوا الحفاظ على وطنهم موحداً وهم يريدون اخضاع المسؤولين عما الت اليه الأمور للمحاسبة . ان حلاً للصراع قابل للاستمرار يتطلب أمرين : حل سياسي يحظى بقبول السكان من المدنيين واجراءات للمحاسبة تلبي تطلعهم لاحلال العدالة . لا شك ان اتفاقات أولية بين الفصائل المسلحة كخطوة اولى نحو احلال السلام امر ضروري ولكن من المهم فرض تطلعات السكان المدنيين على طاولة المفاوضات وانه يتوجب اتاحة الفرصة امام هؤلاء السكان للتعبير عن انفسهم ولابد من منحهم دوراً قوياً في المفاوضات اذا ما اريد للنتائج المرجوة ان تلبي متطلباتهم وتؤمن سلاماً قابلاً للاستمرار .

لا تعليقات

اترك رد