حروف مزجتها حالًا لَا تقال


 

يكتب نفسَه ويكتبنا”،يشرحُ جراحَ الرّوح عن بواطن علل أخطأها بُصَراءُ،يرتُق بالحرف رُوحا وبالكَلامِ يأسو الكِلامَ.
تَمضي فيه تُسلِمك العتباتُإليكَ، وتوغل في النّصّ فيُمِضّك الحاضرُ أو تُشجيك الذّكرى ولكنّ معنى سريّا لا ينفكّ يعطفك إليه، يمدّك بأسباب الحياة وبأوار العزم تُجاهد ذاتَك والكونَ، وأنت ” ترقب الشّمسَ تولد في قلب البحر” وفي “مدرسة في الأفق البعيد” تنشر أشعّتها في وجوه أطفال أحبّوا معلّمهم الّذي رقص وإيّاهم على جسر أفينيون “Sur le pont d’Avignon” يوقّع بالهارمونيكا الأنغام والأحلام ترتفع بهم فوق أثوابهم الخلِقة…

…وأنت تقرأ لهفتها على تعلّم الكتابة “حتّى تكتب وجعها على الأوراق” إذا عجزت عن البوح عبارةً باللّسان وقد أثقلتها الثّمانون. تُرى هل يشتاق شوقَها حفدتُها الّذين ندرّسهم اليّوم؟ هل يَخفّون إلى الكتابة يُلقون أهواءهم وأدواءهم وقد هاجوا لها؟ وهل عرّفهم الدّرسُ أنّ للكتابةِ رَوْحا يجده من كابدها، وأنّ “حديثَهم إلى آلاتهم الصّغيرة” لا يغنيهم عنها، وعن اقتفاء خطى الحاجّة فاطمة.

… وأنت تقرأ في وجه أحد تلاميذك مخايل النّباهة فتقطع بما سيصير إليه في مراقي العرفان ولعلّك تُهديه قلما تدعوه إلى ألّا يستعمله ” إلّا إذا بلغ من العلم مستوى صاحبه” أو “قطعة نقديّة تدسّها في يده” الطِّفلةِ تشجيعا. وأذكرُ تلميذتي “ريم الغيد” أنشوّف إلى أخبارها وقد كنت دوّنتُ ببطاقة أعدادها ملاحظتي” عزفٌ منفرد على وتر الإبداع”.

… وأنت تقرأ فضول الرّاوي غذّاه ” علاء الدّين ومصباحه السّحريّ” يتذاكر إخوتُه قصّتَه عَارِيَتَهُمْ من مكتبة المدرسة، يريد أن يُخرج ” خادم السّاعة” من مخبئه ” يخدمه ويقوم على شؤونه” “ماذا لو أخرجتُ الخادم من السّاعة؟” وينتهي إليك صدى صوتٍ ” ما الذي يقع لو أنه أخذ اللّقمة بكلتا يديه؟” ويستيقظ فيك همّك التّربويّ البيداغوجيّ؛الفضولُ باب المعرفة الشّارع هل تُذكيه مدارسنافتُعَلّم بالاكتشاف؟اكتشافِ المادّةِ تفاعلاتِها، والأعدادِ والأشكالِ عالمِها، والتّاريخِ عِبَرِه، والجغرافيا روعتِها، والنّصِّ لذّتِه، … اكتشاف الإنسان سرِّه الّذي انكمى؟ ألم يأنِ أن نمنع عن تلاميذنا المتاحَ المبذولَ حتّى يعلموا “أنّه لا خادم للإنسان إلّا نفسه”.

…وتستمرئ “البسيسة” تُعدّها جدّتُك لأبيك زادا لك في رحلتك الجامعيّة مِزاجها ” خوذ البسيسة والتّمر يا مضنوني ألفين عشرينات توّة جوني”كما استمرأ الرّاوي “محمّصة” أمّه. كلتاهما تضنّان بابنيهما عن سؤال العوز ولذع الجوع، وكلتاهما تشدّان أزرهما في طلب العلم يرقيان مراقيه والحياة.

تمضي تقلّب الصّفحات، صفحات يومك أو أمْسِكَ، تعروك مع كلّ صفحة خلجةُ، وتومض آخرَ كلّ أقصوصة فكرة أو تنبعث حيرة وتلك نهاياتُ الأقاصيص ذُراها.تردّك إلى نفسك تجلوها وإلى حياتك تتدبّر تصاريفها، وتتفقّد قيمًا نشأتَ عليها تحاول أن تُنشِّئ عليها أبناءك وتلاميذك: المعرفة والرّجولة والأنفة والوطنيّة، ويجتاحك ألم وتحتار: “السّماء تجزّ خرافها ولا قشّابيّة”؟، عطشٌ وهذا النّبع ولا سُقيا؟ بائسون ولا رِفد؟، عملٌ ولا إتقان…ويهزّك الحنين:” أعد لي معطفي القديم”.

شأن الدكتور رياض جراد في عيادته أن يطبَّ البسمةَ فتزين الثّغر وتعلو المُحيّانذكو بها عزما خفت، ونقوى بها على عنت، وشأنه في مجموعته القصصيّة أن يشرح بمبضعه نفوسا وعقولا فيُري بواضح العبارة ولطيف الإشارة، وبالسّرد يقدّره تقديرا وبالزّمان يُرخيه ويَطويه ويقلّب مساراته،حيواتٍ قد نعيشها ولكن لا نحياها إلّا بذكاء بصيرة ونفاذ قلب ما به تُرتق الرّوح.
وشأني قارئا أن أستمع إلى النّصّ أصغي إلى وجيب أصدائه فيّ، فهذا صوته مازجَتْه أصداؤه، وتلك عباراتٌ منه نصَصتُها إليه أعْلَمْتُها غير أنّي أطلقتها في متنٍ صُغتُه عبارةً عن نفسي فما أبنْتُ موضعها من الأقصوصة وما أبنتُها ذاك أنّي حين أقرأ تمازجني حروفٌ تقالُ فأمزُجُها حالا لا تُقالُ.وإنّي أغريك بهذا النّصّ فيمّم.

وشأني ناقدا أن أشير إلى بعض فُضولٍ وجبَ أن تبرَأ منه الأقصوصةُ فتضيق العبارة وتتّسع الرّؤيا.

لا تعليقات

اترك رد