الاقتصاد السري المصري


 

إن ظاهرة الاقتصاد السري إن كانت ليست جديدة لكنها تزايدت بعد الثورة مستغلة ضعف الرقابة وحالة الاضطرابات التي عاشتها مصر، حيث تزايدت مصانع بير السلم والأسواق العشوائية بجانب بيع معظم السلع المهربة ومجهولة المصدر من خلال هذه الأسواق. والحقيقة أن المتهم في هذا الملف ليس من يعملون بهذا الاقتصاد، ولكنها الحكومة ومسئوليها المستفيدين من وجود الأنشطة الاقتصادية غير المقننة، كونها بابًا واسعًا للرشاوى والفساد كما هو الحال في مخالفات البناء والتعدي على الأراضي والتهريب، بالإضافة إلى التعقيدات البيروقراطية التي تضعها الحكومة أمام أصحاب هذه الأعمال مما يجعلهم لا يقدمون على تقنين أوضاعهم .

يعتبر الاقتصاد الخفي من الظواهر القديمة فى كافة المجتمعات الإنسانية ، فجرائم السرقة والنصب والاحتيال والابتزاز وغيرها من الجرائم ذات الدوافع الاقتصادية قديمة قدم الإنسان نفسه على هذه الأرض. كذلك يمكن افتراض أن جرائم التهرب الضريبي والتحايل على القوانين والإجراءات الحكومية قد بدأت فعليا مع إدخال نظم الضرائب والإجراءات المنظمة لممارسة الأنشطة الاقتصادية المختلفة فى المجتمعات المختلفة. إلا أنه مع ذلك فان الاهتمام بهذه الظاهرة لم يبدأ إلا منذ أعوام قليلة مضت.

الاقتصاد السري ليس عربيا فقط حيث يمكن أن نراه في دول أوروبية وآسيوية كثيرة، حجم هذا الاقتصاد يقدر بـ 30% في المتوسط من حجم الاقتصادات العربية غير النسبية، هو مثلا يقدر بـ 40% من حجم الاقتصاد السوري وفي الجزائر اعترفت الحكومة أن سبعمائة من الأسواق المعلنة غير الرسمية ظهرت خلال فترة التسعينيات لبيع كل شيء من قطع غيار السيارات المقلدة إلى الذهب لتسيطر على 40% من اقتصاد الجزائر. محاولات الحكومات العربية فشلت حتى الآن في تنظيم الاقتصاد السري فهي في جانب مهم تعتبره مصدرا لتحصيل الضرائب لسد عجز موازناتها بينما يرى أصحابه أن أعمالهم في مأمن طالما هي بعيدة عن يد أنظمة الضرائب بل ويؤكدون أن نشاطهم يزدهر في أوقات الكساد وضعف القوة الشرائية ويكفى القول إن إجراءات الترخيص تحتاج 22 موافقة كي تبدأ نشاطًا. إن الاقتصاد غير الرسمي يقدر بحوالي 2.8 تريليون جنيه ويضم حوالي 18 مليون منشأة منها 40 ألف مصنع يقدر حجم أعمالها بما يتراوح من 1.2 تريليون جنيه 1.5 تريليون جنيه بما يوازي 65% إلى 70% من حجم الاقتصاد الرسمي .

أخفقت الحكومة المصرية في إيجاد آلية للقضاء على ظاهرة الاقتصاد السري وهو تعبير عن أنشطة مشروعة ولكنها غير مسجلة رسميا والأرباح المتولدة عنه لا تدخل في ناتج الاقتصاد القومي ومن ذلك المشروعات الحرفية غير المرخصة والباعة الجائلون، وفي مصر يساهم الاقتصاد السري في توفير فرص عمل لنحو ستة ملايين مواطن ويزدهر وقت الكساد حيث تضعف القوة الشرائية.

أن الاهتمام بالمنظومة الرسمية جزء منه تنظيم حركة تجارة التجزئة، فلا يمكن لمصر أن تتعامل حتى الآن بنظام «كراتين الفلوس» البعيدة تماما عن أي بنوك أو رقابة الدولة، ويجب عمل نظام جديد فى تجارة التجزئة، وهو نظام مطبق فى كل دول العالم يقوم على وضع قرص مدمج فى ماكينة الكاشير فى كل محل لا يتم فتحه إلا من خلال مأمور الضرائب، ويسجل عليه كل المعاملات التجارية والفواتير الصادرة عن المحل.

أن عدد العاملين في هذا القطاع يقترب من 8 إلى 10 ملايين تمثل نحو 40% من حجم الاقتصاد غير الرسمي على الأرصفة ما يطلق عليهم (باعة جائلين) بنحو 3 ملايين بائع وقد انخفض معدل نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة لأقل من 10% . أن الاقتصاد غير الرسمي في مصر أكبر مستخدم للعمالة، فبينما يوظف القطاع الخاص القانوني 6.8 مليون شخص والقطاع العام يوظف 5.9 مليون يوظف القطاع غير الرسمي 9.6 مليون وبالنسبة للعقارات كان 92% من المصريين يحتفظون بممتلكاتهم دون سند ملكية قانوني ولا تسجيل.

أن الاقتصاد غير الرسمي يحتاج إلى آليات عديدة لضمه للاقتصاد الرسمي من أجل أن يمثل فائدة كبيرة للدولة خاصة إذا قام هذا القطاع بسداد الضرائب والتأمينات وغيرها من المستحقات التي تحصلها الدولة من الاقتصاد الرسمي. الاقتصاد السري هو اقتصاد موازٍ لاقتصاد الدولة

وأن عدم قيام أصحاب هذه المنشآت بدفع الضرائب والتأمينات يؤثر بشكل أو بآخر على الشركات التي تلتزم بالقوانين والتشريعات وتعمل تحت مظلة رسمية حيث تنافس منتجات مصانع بير السلم وغيرها من المنشآت فى الأسواق جنبًا إلى جنب مع الشركات الكبرى .

أنّ الشركات الكبرى تتحمل مزيدًا من الأعباء من إيجارات وفواتير مياه وكهرباء في حين تظل المنشآت الموجودة في الاقتصاد غير الرسمي بعيدًا عن دفع أي رسوم بما يهدّد الكثير من الشركات الملتزمة بسداد مستحقات الدولة. أدى إلغاء الغرامات المقدرة بحوالي 50 ألف جنيه على المصانع التي تعمل تحت بئر السلم في عهد الدكتور يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى انتشار ظاهرة الاقتصاد السرى رغم حسن نواياه للتصالح مع هؤلاء ومساعدتهم على الانضمام إلى الاقتصاد الرسمي.

ان الحل الأمثل لمواجهة تلك الظاهرة يتمثل فى العمل على الاستماع لشكاوى العاملين فى القطاع غير الرسمي ووضع خطة عمل لمعالجة تلك المشكلات، وسرعة اتخاذ قرارات لتيسير إصدار التراخيص، وتجنب المواجهات الأمنية، باعتبارها تلك الورش تمثل قيمة فى الاقتصاد، وتفتتح بيوت أسر وشباب كثيرين، ويجب الحفاظ عليها، والعمل على دمجها فى الاقتصاد الرسمي، أن ضم قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى وزارة الصناعة سيسهم فى حل الأزمة، خاصة إذا تبنت الوزارة والحكومة مشروعا قوميا لتوفيق أوضاع تلك المناطق، بدلا من إنشاء مناطق جديدة. أصبحت هذه النشاطات التجارية غير الهيكلة تشكل منافسة غير مشروعة للتجارة المنظمة خاصة التقليدية منها بل أن التجارة المنظمة أصبحت تواجه العديد من المشاكل المرتبطة بنشاطها متمثلة حسب جمعيات التجار في ارتفاع ثقل الضرائب وتنامي ظاهرة الباعة المتجولين واتساع نشاط المساحات التجارية داخل الأحياء السكنية، وتفيد الإحصاءات أن رقم معاملات الوحدات الإنتاجية بالقطاع غير الهيكل تقدر بحوالي 166 مليار درهم ويبلغ حجم المبيعات في قطاع التجارة والتوزيع حوالي 77%، ويستقطب هذا القطاع غير الهيكل عددا هاما من العاملين هم في الغالب أشخاصا يشتغلون لحسابهم الخاص بغياب أي تصريح بحجم النشاط التجاري ولا بنوعيته لدى مصالح الضرائب. وبالإضافة إلى المصانع السرية هناك عمليات التهريب التي تجري على الحدود المغربية حيث يتم تهريب مئات أصناف المنتجات والبضائع من الجزائر ومليئة الخاضعة للسيطرة الإسبانية مما يضاعف حجم الاقتصاد الموازي، وقد دفع حجم التجارة المهربة داخل المغرب عشرات المصانع إلى إغلاق أبوابها. لا يجد هؤلاء بدا من العمل في هذه الأسواق، نشاط يرى الاقتصاديون أنه سلاح ذو حدين يضرب بنجاعة الاقتصاد الهيكل لكنه في الوقت نفسه يوفر لقمة العيش لآلاف المواطنين.

ويؤدى نمو العبئ الضريبي سواء أكان ذلك بالنسبة للضرائب المباشرة أو الضرائب غير المباشرة إلى رفع نسبة الضرائب إلى الناتج القومي. وهو ما يدفع إما إلى محاولة تجنب الضرائب أو التهرب من دفع الضرائب. ويؤدى ارتفاع العبئ الضريبي إلى تحويل بعض الأنشطة إلى الاقتصاد الخفي ، حيث تصبح هذه الأنشطة غير مسجلة وبالتالي لا تدفع ضرائب. ويتوقع أن تؤدى كل أشكال الضرائب إلى تحول المشروعات نحو الاقتصاد الخفي ، إلا أن أهمية ودرجة تأثير نوع معين من الضرائب تختلف من دولة إلى أخرى. على سبيل المثال فان نمو الاقتصاد الخفي فى الولايات المتحدة يعزى إلى الضرائب على الدخل. بينما يعزى نمو الاقتصاد الخفي فى أوروبا إلى ارتفاع اشتراكات التأمينات الاجتماعية والضرائب على القيمة المضافة. أما إذا ما أخذنا الدول النامية فى الاعتبار فان الضرائب المرتفعة على التجارة الخارجية لهذه الدول يمكن إدخالها أيضا فى قائمة العوامل المسئولة عن تحول المشروعات نحو الاقتصاد الخفي.

لا تعليقات

اترك رد