أزمة حرية الرأي اسلاميا وحلم مارتن لوثر كنج

 

الأزمة التى نحملها في مجتمعاتنا العربية اليوم ليست أزمة افكار ومعتقدات بقدر ماهي ازمة حوار، ازمة غياب الرأي الآخر وقبول المختلف على علاته وآرائه حتى لو كانت مخالفة للعقل الجمعي..فالتاريخ القديم والحديث حافل بآراء مخالفة كالمعتزلة وابن رشد واخوان الصفا وفلاسفة المسلمين الأوائل وصولا الي العصر الحديث مع طه حسين وحامد نصر ابو زيد وفرج فودة وغيرهم الكثير. ولكن أمام هذه الافكار لاصلاح الدين وتنقية التراث الاسلامي، غاب عن الساحة الفكرية الاسلامية نقاشها او تفنيدها او مراجعتها، بل تم قمعها وتكفير قائليها وهدر دماء الكثير منهم. حتى اصبحت فتاوي القتل في عصرنا الحديث مؤشر على انسداد الثقافة والفكر العربي في تفكيك الثوابت الدوغمائية ومواجهة الرأي بالرأي.

في لقائي على قناة الجزيرة لم آت بشيء جديد بقدر ما تم تأويل كلامي واقتطاع اجزاء من المقابلة وكل ذلك من اجل منع حرية الرأي والتعبير في قضية من كبرى قضايا تاريخنا وواقعنا ومستقبلنا وهي قضية الدين وضرورة اصلاحه وتجديد رؤيته لكي يكون متوافقا مع العصر الحديث بما يحويه من مبادئ وقيم انسانية تحفظ الانسان وبنفس الوقت تحافظ على المعتقدات الدينية من التشدد والشطط. فالدين الاسلامي تحديدا، وبفعل تجار الدين وتيارات الاسلام السياسي تحول الي سياسة مدمرة للتعايش وقبول المختلف وذلك حتي تصبح المؤسسات الدينية ورجال الدين هما المسيطران على الانسان والمجتمع.

اليوم، وأمام الهجمة الضارية على مفهوم نقد الدين، علينا ان نفهم مسيرة النقد الممارس على الاديان والمعتقدات حتى ندرك قيمة النقد. فقد اتخذ النقد اشكالا مختلفة خلال مسيرة التاريخ البشري، منه ما كان صالحا بل ومطلوبا وضروريا للتقدم وعدم الجمود كما حدث مع الديانتين المسيحية واليهودية، ومنه ما كان مخربا ومدمرا للانسان والمجتمع وهو المرفوض اخلاقيا وقانونيا، ولكن مفهوم النقد ايضا يختلف من مجتمع لآخر ومن وعي الي وعي آخر، ففي بعض الدول تعتبر السخرية

من الاديان امرا طبيعيا وكوميديا ولا يثير اي حساسية وهذا بسبب وصول الشعب الي درجة عالية من احترام حرية الرأي ومن اعتبار الكلمة تبقي كلمة طالما لا تدعو الي العنف والكراهية والايذاء الجسدي، بينما في مجتمعاتنا فنحن مازالت تحكمنا علاقات انتاج ضعيفة فكريا وثقافيا في معرفة وتفسير معني حرية الرأي وحدود الدين والمعتقد.

إن سوء تطبيق الدين عند العامة بغياب القانون والدولة يجعل من الحدود التى تمارسها وتطبقها التيارات المتطرفة بعيدة عن الروح الانسانية في التعاطف مع الانسان واحترام آدميته وكرامته..فلماذا نكون نحن اشد قسوة على الناس بينما الأديان في جوانبها المختلفة أكدت على الرحمة والتعاطف والاجتهاد لصالح الانسان والمجتمع.

لقد كانت نتيجة انتكاسة عصر النهضة العربية وفشل مشاريع التحديث ومحاربة التيارات العلمانية هو التخبط الحكومي في القوانين والتحالفات مع التيارات الدينية والقبلية التى هيمنت على التعليم والتشريع فانتج ذلك انغلاقا وجمودا وتراجعا في مستوى الحريات بالاضافة الي وصول التيارات الاسلامية الي البرلمانات والبدء في اصدار قوانين تمنع الحريات وتطالب بالشريعة بل واستنساخ تجارب ماضوية غارقة في التشدد والغلو. وهو ما يؤكد على استمرار تراجع جو الحريات الفكرية وهيمنت القوى الدينية على المشهد السياسي والاجتماعي وفشل البرلمانات العربية في مواجهة التشدد الاسلامي ونواب الاسلام السياسي..فالحكومات العربية والاسلامية ترضخ اليوم لدعوات الاحالة الي النيابة وممارسة دور لا يجب ان يكون دورها فالدولة لا دين لها بل يجب ان تكون محايدة ومدافعة عن حرية الكلمة طالما لم تؤدي الي العنف..اما مسألة الاساءة الي مشاعر المسلمين فقد كتبت الكثير حول هذا الموضوع في عدة مقالات وذكرت بان الاساءة الي المشاعر فعل عاطفي وليس جريمة مادية ولا يتوفر فيه القصد الجنائي .
ففي مجتمعاتنا العربية، نحن محكومون منذ قرون طويلة بعلاقات انتاج مهيمنة وقوية ومحاطة بالمقدس والتقاليد، ولم يتم اختراق هذا الجدار لمدة طويلة حتى اصبح قويا له حماته وجنوده وحراسه ممن يتقاضون رواتب عالية ويملؤون مناصب الدولة بالوظائف الوزارية والقيادية..بالاضافة الي سيطرة النمط الاقتصادي الريعي فكما هو معلوم ان غالبية الشعوب تعمل لدى الحكومات بدون اي استقلال اقتصادي مما يجعلنا تابعين بصورة او بأخرى الي نمط الحكم والحكومة..فمكاسبنا حكومية وعلاجنا حكومي وتعليمنا حكومي وحتى موتنا تتكفل به الدولة وهو ما خلق تابعية ضعيفة وهيمنة حكومية، بينما في الدول العلمانية والليبرالية ترتكز الدولة والمجتمع على النمط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الحر الذي يقوم على العمل والانتاج والتفكير ليفرض الفرد شروطه ومتطلباته على الحكومة التى تقوم بدورها على تنفيذ متطلبات الشعب ضمن قانون مدني يفرض واقع الشعب ووعي المرحلة وتطور العمل والعلوم والفنون… فأين نحن في مجتمعاتنا العربية من هذا النمط من العمل والانتاج ونحن لم نصل الي ربع مستوى الدول المتقدمة فمازلنا عالة على انفسنا وعلى حكوماتنا وعلى العالم الغربي… وبالتالي اصبحت علاقاتنا مع العادات والتقاليد والدين هي المسيطرة لكونها علاقات لم تتطور سياسيا واجتماعيا ولم تتعرض للاصلاح والتجديد والتغيير فبقينا اسرى الماضي والموروثات والحكم القبلي الديني الوراثي.. فعملية التحول العلماني عملية لا تتعلق بتطبيق آليات او تنفيذ لبعض القوانين بل هي ثقافة وتعليم وتربية وتعايش يصنعون مع الوقت مجتمعات متحضرة وشعوب واعية لتقوم هي بدورها التاريخي في صنع حاضرها وتأمين مستقبلها؟

عندي حلم كما هو حلم مارتن لوثر كينج بالحرية والعدالة والمساواة..فأنا أنادي منذ فترة طويلة بعقد اول مؤتمر تنويري على مستوى الدول الاسلامية لاصدار اول دستور علماني ينقل مجتمعاتنا من الحالة المريضة الي الحالة الانسانية، ولكن لغياب الدعم والتمويل لم انجح في حشد الجهود…وطبعا ذلك لا يتم بسهولة فالتحولات الكبرى تستلزم منا التضحية والنضال والكفاح فنحن لسنا في مواجهة اعداء واضحين بل خصوم يتلبسون بالمقدسات والفتاوي وحماية الانظمة مما يجعلنا بحاجة اولا الي مشروع تنويري يتم فيه وضع اسس ل:

* مناهج حديثة مدنية.
* الدستور العلماني للدول الاسلامية.
* اعلام فضائي.
* علاقات دولية مع مؤسسات حقوق الانسان والحريات.
* لوبيات ضغط سياسية واجتماعية.
* انشاء مراكز التنوير.
* الشجاعة في الطرح والايمان بمبادئ العلمانية.

وغير ذلك الحل لن يكون مجديا أي محاولة لتجميل القبيح او ترقيع الموجود، والأسوأ سوف يجعلنا الواقع الحالي نعاني أكثر حتى نندثر بفعل عوامل الطبيعة او صراع الأقوياء.

لا تعليقات

اترك رد