أنشودة الحياة – الجُّزء الرابع (نصّ مفتوح) – 70


 
(لوحة للفنان صبري يوسف

إهداء: إلى الشّعراء جان دمّو، سركون بولص، الأب يوسف سعيد،
مؤيِّد الرَّاوي، صلاح فائق، وفاضل العزاوي!

70 

كم مرّةً حمّلتُ صموئيل عناقيدَ السَّلامِ
هل قرأتَ نصّي، “السَّلامُ أعمق من البحارِ”؟!
هل توغّلْتَ ولو قليلاً
في ضفافِ السَّلامِ ـ سلامي؟!

لم أنسَ عندما قال لي يوماً صامو
طلبْتُ من سركون أنْ يقرأَ نصَّكَ
“الإنسان ـ الأرض، جنون الصًّولجان”،
فيما كنتُ أُعِدُّ تفاصيل بسمةَ المساءِ
قرأ سركون أوجاعَ الحرفِ
بحثاً عن رعونةِ أصحابِ الصَّولجانِ
هادئٌ في غورِ العبورِ
طويلُ الصَّبرِ
حاملاً فوقَ جبينهِ مفتاحَ السَّخاءِ
يا لهُ من نَفَسٍ طويل!

ضحكَ صموئيل قائلاً
هذا يا سركون القسم الأول
من اهتياجِ الشِّعرِ عندَ صبري
ردّاً على جنونِ الصَّولجانِ
ضحكَ سركون،
الله يستر يا صامو من القسمِ الثَّاني!

سركون آهٍ يا سركون
لو تعلم كم كنتُ أتوقُ إلى لململتِكَ
بينَ لواعجَ غربتي
أضمُّ نقاءَ الشِّعرِ

كم كنتُ أتمنّى
أن يصطحبَكَ يوماً صامو
إلى سماءِ ستوكهولم
محقِّقاً لي مفاجأةَ المفاجآتِ
فلَمْ يفعلْهَا

معذورٌ يا صديقي
غائصٌ في حبِّكَ
وفي نشرِ الجَّمالِ في كيكا
غائصٌ في امتطاءِ البحرِ والسَّماءِ!

ألومُ نفسي ملامةَ الملاماتِ
لماذا تلكَّأتَ يا صبري
ولم تبحثْ عن وسيلةٍ للعبورِ
إلى أبهى قلاعِ الشِّعرِ
إلى سركون وهو ينثرُ حنينَهُ
فوقَ مجامرِ القلبِ؟!

ينثرُ حرفَهُ للنوارسِ المهاجرة
ماشياً على ضفافِ غربةِ الرُّوحِ
زارعاً في وجنةِ الضُّحى
بريقَ الشِّعرِ

آهٍ .. رحلْتَ دونَ أن أسمعَ صوتَكَ المندّى
ببهجةِ القصائدِ
رحلْتَ دون أن أعانقَكَ عناقاً عميقاً

يا قلبي
أخائنٌ أنا في حقِّ القصيدةِ
أم أنّني تائهٌ في صدِّ لظى الغدرِ
غدرُ هذا الزَّمان
غدرٌ مضرَّجٌ بدمغةِ الدِّماءِ
معفَّرٌ بكلِّ أنواعِ الهزائمِ
وحدُهُ الشِّعرُ يطهِّرنُا من طيشِ الطُّغاةِ
من تفاقمِ رعونةِ الصَّولجانِ!

سركون بولص
صديقُ القلوبِ المكلومة
صديقُ الثَّكالى
صديقُ الغربةِ
صديقُ صموئيل شمعون
صديقان مجنّحان نحوَ مزارِ الأدبِ
مبرعمان من شريعةِ حمورابي
من انبعاثِ آشور
من طراوةِ الصِّلصالِ
من أصفى ما في عذوبةِ الماءِ!

سركون بولص قصيدةٌ مندلقةٌ
من ليالٍ مرصرصةٍ بالبكاءِ
ريشةُ فنّان مذهّبة بكنوزِ البحرِ
كم مِنَ التَّواصلِ معَ وهجِ الإبداعِ
نهضَ حسن نجمي
من أحلامٍ معتّقة بالشِّعرِ
مسافات الكونِ غير قادرة
على صدِّ حنينِ القصيدةِ

نهضَ موجِّهاً أحلامَهُ نحوَ “مدينة أين”
نحوَ سان فرانسيسكو
حيثُ سركون بولص
يزرعُ بهاءَ القصيدة
فوقَ جفونِ المدائن!
كتبَ سركون مراراً فوقَ وجنةِ المدائنِ
كتبَ ما تبقّى من فرارِ الحلمِ
ما تناهى إلى مسامعه
من طنينِ حنينِ الأمِّ
في طبلةِ الأذنِ!

عاشَ مسكوناً بهواجس الشِّعرِ
شاعراً ممهوراً بحبَّاتِ القمحِ
إنساناً مهفهفاً بنكهةِ النَّدى
نامَ بينَ أحلامِ المدائنِ
بحثاً عَنْ مدينتِهِ المستنبتة بأزاهير الشِّعرِ
يقرأُ أسرارَ المدينةِ
مركَّزاً على حبقِ الشِّعرِ المعرِّشِ
في روحِ المدينةِ
غائصاً بشغفٍ عميقٍ
في فضاءِ الشُّعراءِ
“وَالْتْ وَيْتمانْ”،
“روبر فرُوسْتْ”،
“إزْرَا بَاوْند”،
“تي. إسْ. إيلْيُوتْ”.
مراراً قرأَ سركون
روايات “غيرترودْ ستَايْن”
فضاءاتٌ مفتوحة
على آفاقِ القصيدة
همسَ حسن نجمي لسركون
كلَّما عانقَ بريقَ الحصادِ
يا حاملَ الفانوس في وهادِ الجِّبالِ
بحثاً عن جذورِ الشِّعرِ
يا صديقَ القطا والحجلِ البرّي
يا صديقَ الإخضرارِ
يا حاملَ شعلة الشِّعرِ

كَمْ مِنَ النَّبيذِ المسكّر
حتَّى تبرعَمَتْ خدودُ القصائد
…… …… … …!

شارك
المقال السابقحروف مزجتها حالًا لَا تقال
المقال التالىإليكِ مولاتي بلا خجل

أديب وتشكيلي سوري، محرّر مجلة السَّلام الدولية، أصدر أكثر من 40 كتابٍ ما بين دواوين شعرية، ومجاميع قصصية، وثلاث روايات، وحوارات ودراسات أدبية ونصوص أدبية ومقالات حول مواضيع عديدة، كما رسم أكثر من 300 لوحة فنية وأقام خمس معارض فردية والعديد من المعارض الجماعية في ستوكهوم، مقيم في السويد ـ ستوكهول....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد