الزواج … أعراس أم إفلاس


 

الزواج ذلك الرباط المقدس بين الرجل المرأة، سامي سمو تكريم الإنسان وجعله خليفة في الأرض ومشرَفا باعمارها، و هو تلك العلاقة المبنية على النقاء والطُهر، والتي تهدف الى بناء أسرة جديدة، فلم يقتصر وقـّـار هذه الرابطة على الدين والشرائع السماوية ولكنها تُعد بنفس ذلك الوقار حتى عند المجتمعات التي لم تعرف سنن الأنبياء والرسالات السماوية التي جعلت هذه العلاقة من الواجبات و الفروض الدينية، ولها نفس المركز عند المؤمن بالله وغيرهم من البشر على حد السواء وعلى اختلاف مشاربهم.

والإسلام بجـّــل هذه العلاقة وجعل الزواج نصف الدين، فقد جعله إعمار للأرض و جعل كثرة النسل مفخرة أمة الإسلام أمام الأمم، كما جعل الزواج مقرونا بالباءة ملتصقا بالشباب في حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج……والباءة تنُم عن قوامة الرجل في توفير حاجيات العيش من سكن ومأكل وغيرها من الأمور التي تعتبر نوعا ما متوفرة في زماننا لوفرة الخير بالنسبة لزمان حياة الرسول عليه الصلاة والسلام أين بلغ مهر المرأة خاتم حديد في رواية أخرى نظرا للعوز و الفقر، وليست باءة اليوم.

فاليوم أصبح الزواج يعد عبئا على الرجل والمرأة على حد السواء بعد أن كان في بلادنا من زمن ليس ببعيد لا يكلف شيئا أو قليلا مما لا يحسب له، حين كان الزواج سترا للمرأة و الرجل، وليس تفاخرا كما أصبح الآن بل امتد الغلاء والتفاخر

ليصبح الزواج شيئا ممقوتا عند البعض ، ومجرد التفكير فيه يعد من قبيل الخوض في الممنوع، فقد تغيرت باءته من ميسر بسيط الى معسر بالملايين صعب المنال على متوسط الدخل ،فما بال الفقير الذي لا يستطيع حتى على تأمين المهر ناهيك عن تكاليف العرس من كراء قاعة حفلات بالملايين وتأمين وليمة تليق بالمعازيم، وتأمين سكن فردي وغيرها مما أصبح يعد من الضروريات وعند اكتمال الفرح يصبح العريسان في عداد المرهونين للديون بعدما اختفت مساعدة الأهل و الخلان التي كانت سنة محمودة تنقص من تكاليف الزواج واستبدلت بهدايا لا تغني و لا تسمن من جوع، بل ظهرت وكالات للزواج تضاهي الغرب لجعل الزواج أكثر صعوبة وليس تسهيلا كما يزعمون، فهم بهذا التقليد يزجون الزواج في مرحلة جديدة أكثر صعوبة وتعقيدا لتجعل من تنظيمهم أمرا ضروريا، في حين أننا في حاجة الى التفكير في الزواج بنظرة بسيطة لا تتخللها صعوبة، ولكن يكفي فيه توفر النية والقبول وروح المسؤولية، وإزاحة تلك المفاخر الكذابة، كما أصبح للزواج معارض حتى يفكر البعض في أن الزواج يمكن أن يكون له في القريب تنزيلات على الزيجات لينتظرها البعض، كما نشهده في معارض السيارات.

هذا التحرر في الفكر و الغلاء الذي صاحبه، زاد من معاناة الشباب و أدخل الجنسين في عنوسة مزمنة تكاد تهوي بالمجتمع، فقد أصبح حلم الشباب الزواج من أجنبية ليس لها اعتبارات عائلية و هواجس المجتمع الذي يجرها في قيتو العادات و تقليد بنات عمها أو أقرانها.

أما النساء من شاباتنا فقد شُلَّ تفكيرهن مع علمهن بما يلاقي الشباب من صعوبات في الزواج، حتى و إن أثار بعضهن الابتعاد عن بعض المتطلبات أو ربما المشاركة فيها ،في سبيل التخفيف على الزوج المستقبلي، لكن ذلك لم يزحزح من تفاقم العنوسة فقد بلغت في الجزائر حسب المركز الوطني للإحصاء حوالي 11 مليون عانس منهن 5 ملايين فوق سن الخامسة و الثلاثين، أرقام لا تبشر بالخير رغم سعي الجمعيات الخيرية إلى تقليص ذلك بتنظيم زيجات جماعية لصالح الطبقات الفقيرة، لكن هاجس البطالة وقلة المداخيل للشباب الذكور من بين أسباب العزوف ونفر التفكير في بناء أسرة قد تفرض تكاليف و ارتباطات مستقبلية مستحيلة التحقيق، زيادة على قوانين وضعية تحارب تعدد الزوجات لمن تيسر له الأمر، وتجعل صعوبات كبيرة في طريقه وهو قد ينقص نوعا من شبح العنوسة كما يقول البعض الآخر، خاصة أن الرضا هو أحد أركان الزواج وللنساء الحرية في اتخاذ مثل هذا القرار، دون تقنين الأمر.

الحلول قليلة في هذه الآونة لحصر وتوقيف مّد هذا الشبح الذي يفتك بالأسرة الجزائرية والعربية على حد السواء، زيادة إلى تفشي ظواهر أخرى وليدة هذه العنوسة، فالعزوف عن الزواج يدخل المجتمع في أفات اجتماعية أخرى كالزنا وغيره ، ولكن تبقى الحلول في يد أصحاب الشأن سواء كان الأهل أو الشباب المقبل على الزواج في توقيف هذا المـّـــد، بإنقاص المهور وتخفيف متطلبات الزواج الى الحد الذي يمكن للشباب تخطي حاجز الخوف من الارتباط وبناء أسرة تكون بدايتها يسر.

هاجس الغلاء و التفاخر ومنه الإرتباط و التفكير في بناء أسرة ،رفع معدل سن الزواج عند المرأة الى حدود الثلاثين سنة، وهذا المعدل يزداد يوميا ليولّد عنوسة عند السواد الأعظم من الشابات، ويفرز إفلاسا ماديا لمن تزوج وربما إفلاسا أخلاقيا لمن اختار العزوف عن الزواج.

لا تعليقات

اترك رد