حارس السينما الفلسطينية … بشار إبراهيم


 

رحل عن عالمنا منذ عدة أسابيع الناقد والباحث السينمائي الكبير “بشار إبراهيم” الفلسطيني الأصل والسوري المولد والعربي الهوية ، الذي وافته المنية في الإمارات العربية ، حيث كان يقيم … رحل أحد علامات الثقافة السينمائية العربية ، تاركا لنا كتابات وكتب ، شكلت في مجموعها رصيدا ثقافيا من نوع رفيع المستوي وثمين المحتوي ، لينهل منه كل من يعمل في مجال السينما بشكل عام ، والنقد السينمائي بشكل خاص.

ويشاء القدر أن يرحل “بشار إبراهيم” يوم الثلاثين من مارس (أذار) هذا العام (2017) ، حيث يصادف الذكري الحادية والأربعين لـ “يوم الأرض” الذي يمثل وقفة الصمود والتحدي لشعبنا الفلسطيني ضد ممارسات قوات الاحتلال الصهيوني واغتصابها للأراضي … رحل “بشار” في هذه الذكري وكأنه يعبر عن حزنه الدفين وهمه الجوانيبطريقته البطولية المعهودة ، وليصبح هذا اليوم من الآن فصاعدا ، ذكري لحدثين كبيرين: يوم الأرض ، ويوم رحيل “بشار”.

وفي زمن قياسي وملفت للنظر تفاعلت المخرجة الفلسطينية “امتياز المغربي” مع حدث رحيل “بشار إبراهيم” وعبرت عن الموقف سينمائيا ؛ بالصوت والصورة ، في فيلم تحملت هي كل إمكانات خروجه إلي النور ، بدافع الوطنية المتأصلة داخلها ، وبحماس شديد لتوثيق جزء من مسيرة “بشار إبراهيم” … وظني أن “امتياز” نجحت في تحقيق فيلمها بشكل يليق بقيمة “بشار” وقامته في عالم السينما ، جاء الفيلم علي مستندا علي الكثير من شهادات من عرفوه بشكل شخصي أو من خلال كتبه وكتاباته ، التي ستظل مرجعا معتبرا لكل السينمائيين في عالمنا العربي ومصدرا موثقا يمكن الارتكان إليه … قدم “بشار” للمكتبة العربية العديد من الكتب السينمائية التي تجعله جديرا بلقب “حارس السينما الفلسطينية” … بل لنقول “حارس السينما العربية” ، قدم “بشار”: “السينما الفلسطينية في القرن العشرين” ، “فلسطين في السينما العربية” ، “ثلاث علامات في السينما الفلسطينية” (حول: ميشيل خليفي ، إيليا سليمان ، رشيد مشهراوي) ، “سينما القطاع الخاص في سوريا” ، “ألوان السينما السورية” ، وكتاب “رؤي ومواقف في السينما السورية” … وغيرها من المؤلفات.


فيلم “حارس السينما الفلسطينية … بشار إبراهيم” للمخرجة “امتياز المغربي” لاتزيد مدة عرضه علي الشاشة عن عشرين دقيقة تقريبا ، إلا أنه في خلال هذا الزمن القليل ، استطاعت “المغربي” أن تبحر بنا في عالم “بشار” والاقتراب من أهم محطات مسيرته السينمائية ، كما جاء علي لسان كوكبة مختارة ممن عرفوه بشكل مباشر أو غير مباشر … تلك الشهادات التي جاءت في لحظة صدق من أصحابها ، والتي عبرت عن قيمة هذا الناقد العربي الكبير ، الذي دخل عالم الكتابة عام 1955 من خلال “القصة القصيرة” ، ثم تحول تماما للكتابة في مجال النقد السينمائي عام 1995 ، والتي لم تقتصر علي كتابة المقالات ، بل تعدت لتأليف الكتب العامرة بالمعلومات الموثقة ، والتي تعد من أهم المراجع والمصادر في الثقافة السينمائية.

حفل فيلم “امتياز المغربي” بالعديد من اللقاءات التي أجريت حول “بشار إبراهيم” وعالمه ،وكانت المفاجأة أن نجحت “امتياز” في اقناع “ليلي” إبنة “بشار” الشابة لتدلي بدلوها في هذه المناسبة الحزينة رغم ما تعتصرها من ألم … وكان لكاتب هذه السطور عظيم الشرف للمشاركة في هذه اللقاءات. حفل الفيلم أيضا بالكثير من المشاهد واللقطات الأرشيفية للراحل الكبير ، التي تعكس جهده الملحوظ في مشاركته في العديد من المهرجانات والفاعليات السينمائية هنا وهناك. ومن وجهة نظرنا أن المخرجة “امتياز المغربي” وفقت لحد كبير في اختيار عنصر الغناء لتختمم به فيلمها من خلال أغنية عبرت بحق عن شخصية “بشار إبراهيم” وموقفه في الحياة عموما … جاءت الكلمات علي لسان المطربة الفلسطينية “سناء موسي” بصوتها الطربي الرخيم ، حيث تقول: هايما ودعيني قبل ماروح … ماتدري بعثراتي وين أروح … ما صبر صبري لا يوسف ولا نوح … ولا أيوب هم من ابتلي ، إلي أخر تلك الكلمات الأثيرة التي تعبر عن الحالة الدرامية للفيلم.

تحية من القلب لروح الناقد الراحل الكبير “بشار إبراهيم” ، صاحب مقولة “السينما الفلسطينية نحتت من حجر” ، والذي دعي في أخر كتاباته إلي تبني منهج “الكتابة بالفيديو” حيث يقول: “الكتابة بالفيديو ستساهم في توفير حل عملي لأشكالية عدم جدوي الكتابة والنفور من القراءة حتي من جانب النخب المتعلمة والمثقفة” … ويبقي أن نحيي المخرجة الفلسطينية الشابة “امتياز المغربي” ونهنئها علي العرض الدولي الأول لهذا الفيلم في مهرجان “مالمو / السويد” (مايو 2017) ، وعلي طلب عرضه في عدة مهرجانات عربية ودولية قادمة … لا نقول وداعا “بشار إبراهيم” … لكن إلي اللقاء.

لا تعليقات

اترك رد