سرقة المتقاعد


 

قال لي احد المبدعين الكبار انه عاد بعد سقوط النظام ليراجع دائرة التقاعد وكان يتوقع ان يجد من يعرفه فهو من المشاهير لكنه فوجيء بوجود مدير لايفقه شيئا في الثقافة..لم يزعجه الامر فليس كل الشعب يقرأ ويتابع الاصدارات الثقافية لكنه توقع منه على الأقل تعاملا افضل فقد عامله بلامبالاة واستخفاف واكتشف المبدع الكبير فجأة انه لايعدو كونه رجلا متقاعدا في نظره ولابد أن تسري عليه المعاملة غير اللائقة التي يتلقاها اغلب المتقاعدين مالم تكن لهم ظهور قوية تسندهم ..

في مايخص صاحبنا المبدع الكبير فقد تخلى عن راتبه التقاعدي واشترى كرامته لكن الانسان لكي يحيا حياة كريمة يحتاج الى المال خاصة بعد تقاعده لذا لايسع كل المتقاعدين التخلي عن رواتبهم فيحتملوا كل الظروف المرهقة والمعاملة السيئة من أجل الحصول عليه..

بعد سنوات ، صار على المتقاعد العراقي أن يقدم وثيقة الحياة ليثبت مرتين في العام انه على قيد الحياة لكي يستلم راتبه التقاعدي تجنبا للتزوير، وهكذا تحتم على بعض الوكلاء جلب ذويهم المسنين والمقعدين ليمضوا نهارا كاملا في مقاعدهم المتحركة أمام المصارف ولايجدوا من يعبأ بانتظارهم وبحاجة بعضهم الى الراحة والتنظيف المستمر لملابسهم ، أما حين يحل يوم استلام الراتب التقاعدي فهناك من كان ينتظرنهارا كاملا ثم يعود خالي الوفاض حين يعتذر موظفو المصرف بوجود نقص في الميزانية أو خلو الخزينة من المال ويضربون موعدا آخر للمتقاعدين من الشيوخ والعجائز ليخوضوا رحلة مرهقة جديدة ..
في اغلب الدول المتحضرة ، يحصل المتقاعد على راتبه بدون أن يبارح منزله ، وقد يسحب كل المبلغ أو قسم منه تاركا الباقي في حسابه المصرفي أي بعهدة الدولة بينما يخشى المتقاعد العراقي على راتبه من البقاء في عهدة المصارف الحكومية او شركات الكي كارد فالسرقة واردة جدا وبأساليب مختلفة ..وآخرانواعها ماحدث مؤخرا ،

فقد فوجيء المتقاعد العراقي انه لن يستلم راتبه كاملا وعليه ان يسحب قسما منه ويستلم الباقي في اليوم التالي ، وهكذا يستلم راتبه على اربع دفعات وحين سأل المتقاعد المغلوب على أمره ، قيل له انها التعليمات والغرض من ذلك هو حماية راتب المتقاعد من السرقة فقد يترصده السارقون حين يخرج من المصرف ليسرقوا راتبه ، ورغم اعتراض المتقاعدين على هذه الفتوى الغريبة وتعهدهم بحماية انفسهم ورواتبهم الا ان التعليمات واضحة فبطاقة الكي كارد مبرمجة الكترونيا ولايمكن له أن يسحب بها الى قسم من الراتب ..وبعد البحث والتمحيص ، تبين ان العملية برمتها هي عملية نصب كبرى يقوم بها المصرف ليأخذ نسبة من المال لقاء كل سحبة وكذا الحال مع شركات الصيرفة وكلما زادت السحبات كلما زادت النسبة !!!

بهذه الطريقة تحمي الدولة أموال المواطن ، فلا يكفي ان تستغله في جميع تفاصيل حياته بدءا من سرقة صوته الانتخابي وأمنه وأمانه وضمانه الاجتماعي وأحلامه حتى بلغ الحال بها أن تترك المتقاعد ضحية لجشع المصارف والشركات ..

وبعد شكاوى المتقاعدين التي يفرضها تعب سني العمر والاحساس بضياع مجهودهم خلالها وهم يجدون لاثبات بقاءهم على قيد الحياة والتي كانت ذريعتها حمايتهم من التزوير ،يواصل المتقاعدون بوجوههم المتغضنة وشعيراتهم البيض وظهورهم المحنية الشكوى من تقسيم رواتبهم الى دفعات ، لكن الذريعة حاضرة ايضا وهي حمايتهم ..من السرقة !!

لا تعليقات

اترك رد