التصميم الكرافيكي مجالا ثقافيا

 

مع التنوع الذي يحصل في تطبيقات التصميم الكرافيكي وملامسته المباشرة مع تطلعات الناس في مختلف مشاربهم ومذاهبهم ، فإن الحديث عن ثقافة التصميم بات امرا مسلما به ،لاسيما وان تنوع التطبيقات عبرت حواجز اللغة وجغرافيا الارض وانصهرت ضمن تقاليد وثقافات الامم والشعوب ،والاهم صار ثقافة سلوكية تعمل بها الناس ،وكما يقول(يوهان ليدغرين):ان الثقافة موضوع ساخن داخل مجتمع التصميم. لقد كان لفترة من الوقت. هناك عدد لا يحصى من المقالات، المدونات، والكتب، وورش العمل حول تطوير ممارسات التصميم الصحي على سبيل المثال بوصفه مجالا لتثقيف الناس ارشاديا، وتوضيح المكونات التي تشكل ثقافة التصميم الصحي.

في حين أن العديد من هذه المواد ذات الصلة، ذكية، ومفيدة، فهي تركز في المقام الأول على الأعمال الداخلية لفريق التصميم، هذا هو نصف المعادلة. النصف الآخر هو بيع التصميم،وترويجه، فضلا عن ذلك إن دمج ممارسة التصميم بشكل ناجح ستكون أسهل بكثير إذا كان الجميع يهتمون بالتصميم، ولكن ليس الجميع يفعل ذلك، وسيكون من الأسهل بكثير إذا كان التصميم مسؤولية الجميع، لكنه غالبا لا، وتأتي عملية دمج الممارسات التصميمية بانشغالات المجتمع كنوع عملياتي يتوخى منه العمل معا لتعزيز البعد الثقافي ونشر السلوكيات التي تجعل من المتلقي عنصرا مشتركا في العملية التصميمية عموما، فضلا عن التحلي بمنظومة ثقافية شاملة،

اذن كيف تقوم ثقافة التصميم ؟ ان أبسط تعريف للثقافة ينطلق من المنظومة السلوكية قدمت من قبل ( كريس مكغوف ) ،هي (ببساطة الخط الفاصل بين السلوكيات التي يمكن تحملها وتلك التي ليست كذلك)، أنها إطار مفيد، يمكننا نقلها إلى التصميم من خلال تعريف السلوكيات التي نطمح إليها،فضلا عن ذلك دعم نتائج الأعمال التي نحتاجها وتحديد تلك التي تتداخل مع النتيجة المرجوة،ونحن نريد مقارنة هذه الصورة الطموحة للثقافة مع حالتنا الراهنة، والسلوكيات التي نتحملها، ورسم خريطة للفروقات ،كما يمكننا استخدام العلوم السلوكية لتصميم المسار ، وتعرف ما إذا كانت الثقافة هي مجموعة من السلوكيات التي تنتج عن القرارات المتخذة من قبل الأفراد، ومن ثم تتأثر عملية صنع القرار ببيئتها،وهنا نقترح أربعة مداخل رئيسة متاحة يمكن استعمالها لأيجاد بيئة من شأنها دفع الثقافة نحو الافضل:

– الهيكل التنظيمي ، ويمثل التسلسل الهرمي والفرق وحجم الفريق، وخطوط التقارير، وتوزيع القوى العاملة عن بعد ،البرامج ووسائل الراحة، وكل شيء بدءً من الطعام المجاني في المطبخ، حتى

الاستراتيجيات، والاجتماعات التقنية المتكررة، والأدوات والنظم الرقمية والميكانيكية التي تدعم عملنا – العمليات،ويمثله الفضاء الرقمي / الفيزيائي وهو مجال سلس حيث نعمل، كذلك الاتصال، والتعاون، وايجاد مجالات مجاورة، والوعي، والفرص.

– تعرف ما لم تحدد لمعرفة، كل من هذه المواد هي جزء من البيئة التي تؤثر في خيارات السلوك الذي نقوم بهه، وسوف يكون التدخل حاضرا مع البيئة اللازمة لإنشاء السلوكيات المطلوبة،والبيئة هنا ليست مجرد مكان العمل المادي / الرقمي، لكن أيضا البرامج، والتكنولوجيا، والهيكل التنظيمي، وكلها تعمل مع أدمغتنا كما الشفرة للدفع نحو اتخاذ القرار.

– الاستراتيجية السلوكية لمكان العمل، وتمثل نمط التعامل مع المكان ،كذلك الاليات المتبعة في تنظيم العمل والتعامل مع الادوات،وبهذا الصدد يقول (بي دون نورمان) في مقاله عن الثقافة وتصميم المنتج:

عندما ازور بلد ما، أود التوجه إلى المتاجر كي أتمكن من تجربة الاختلافات الثقافية الواسعة في أشياء مثل تجهيزات المطابخ وأدوات المائدة وأدوات للحِرَف والبستنة، اليوم، وأنا نادرا ما افعل هذا بعد الآن ،لأن جميع المخازن تبدو هي نفسها. قد تكون طباخات الأرز قد نشأت في اليابان والصين، ولكن اليوم يمكن العثور عليها في مخازن أجهزة الطبخ في جميع أنحاء العالم. الإيطالية، الألمانية والأمريكية الأجهزة للبيع في آسيا. الأجهزة الآسيوية هي للبيع في إيطاليا وألمانيا وأمريكا. بلد التصميم والتصنيع لم يعد شيئا مهما،كذلك مجموعة التلفزيون، والسيارات، والهاتف المحمول، والكاميرا أو الثلاجة تبدو هي نفسها سواء صنعت في آسيا وأمريكا الشمالية، أو أوروبا،وهذا شيء واقعي ،يؤكد من جهة ثقافة العولمة التي ضربت باطنابها ارجاء العالم ، كذلك وحدة الثقافة التصميمية على مستوى العالم ، ويستمر في حديثه قائلا: قبل بضعة عقود، اعتقدت أن الاختلافات الثقافية أساسية، وعلاوة على ذلك، كانت مثيرة للاهتمام، اليوم، ارى أن الاختلافات الثقافية لا تزال أساسية ومثيرة ،لكنها موجودة أساسا في الحكم التفاعلي الاجتماعي، وأنواع الأطعمة التي تؤكل والأفضليات الأسلوبية، اذ تم تصميم المنتجات الحديثة لدعم أنشطة معينة، بحيث يكون النشاط نفسه هو الذي يتحكم في كيفية تصميمها واستعمالها ، وهنا تحدد الثقافة الأنشطة التقليدية بشكل كبير، لكن الممارسات المكتبية الحديثة والتصنيع والاتصالات والحسابات المالية والنقل تهيمن عليها التكنولوجيا المستعملة لإنجازها أو في حالات الحسابات المالية بمعايير عالمية تهدف إلى إجراء المعاملات والمحاسبة ضمن نمط محدد، ونتيجة لذلك، يتم تحديد العديد من أنشطتنا من خلال التقنيات التي نستخدمها، مثل السيارات، والكمبيوتر، والهاتف المحمول، القطار أو الطائرة، أو من خلال الحاجة إلى التفاعل بسلاسة مع البلدان والثقافات الأخرى في جميع أنحاء العالم، وبمجرد أن تحدد التكنولوجيا النشاط، يتبدد تأثير الثقافة.

لهذه الملاحظات آثار مهمة على تصميم المنتجات الحديثة مدفوعة بالتكنولوجيا، والتي بدورها تعزز النشاط، من جهة خرى يتحدث المصممين كثيرا عن تصميم محوره الإنسان ، وهو امر مهم لان التصميم موجه لاحتياجاته ، حسنا، هذا لا يعمل عندما يكون الهدف ملايين من الناس في جميع أنحاء العالم، أجهزة الكمبيوتر والبرمجيات والهواتف والتطبيقات والسيارات وأدوات المطبخ والأدوات المنزلية المعدة للاستهلاك من قبل الملايين، اذ لا يمكن أن يطبق التصميم الذي يركز على الإنسان، ما الذي يعنيه اكتشاف الاحتياجات الدقيقة لملايين الناس؟ انه يعني ايلاء الرغبات جميعها في تصميم محدد.

ان التكنولوجيا تعزز النشاط، في المقابل، يعزز النشاط التصميم. عندما يكون التصميم مناسبا للتكنولوجيا، ويلاقي قبولا من الناس ، بغض النظر عن الثقافة،كما ان النظر في الآلات الموسيقية مثال جيد، لكن هناك العديد من الناس تجد صعوبة في تعلمها ، مثل الكمان الذي يتطلب جهدا واستعدادا كبيرا لتعلم العزف عليه،وهنا نخلص الى القول بان التصميم في اطاره العام ،او الخاص يشكل اليوم مجالا توعويا وسلوكا ثقافيا يتماهى مع انواع الثقافات والابعاد الحوارية ،بل يمكن ان نقول انه مساق سلس للمثاقفة وتبادل المعطيات والبيانات التي يتعامل معها انسان اليوم .

لا تعليقات

اترك رد