الجنوب المهمّش – ثروات منهوبة و إرادة مسلوبة


 

يتسم المجال العالمي بتباين قوي في النمو بين دول الشمال ودول الجنوب اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. وتعتبر الجمهورية التونسية مثالا صارخا لهذه الظاهرة، إذ تتميز بتفاوت كبير بين قسميها الشمالي والجنوبي

يشكو الجنوب التونسي حالة “التهميش”، ويجمع نفر غير قليل هناك على أن تلك الحالة ليست جديدة بل تمتد من أيام الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة مرورا بخلفه المخلوع زين العابدين بن علي، وصولا إلى الوقت الراهن، فالأسباب متعددة والنتيجة واحدة.

تعاني مدن الجنوب التونسي من تهميش واضح مقارنة بمدن الوسط والساحل، علما بأن فيها كميات من النفط والغاز و الفسفاط والثروات الطبيعية الأخرى. فما أسباب هذا التهميش، هل هو عقاب سياسي أم له أسباب أخرى؟

إن تهميش مناطق الجنوب ليس جديدا، فقد عانت منه منذ عهد الحبيب بورقيبة، حيث حسبت سياسيا بالولاء للمناضل في الحركة الوطنية صالح بن يوسف الخصم السياسي لبورقيبة.

و تواصل التهميش لمناطق الجنوب في عهد المخلوع زين العابدين بن علي، حيث حسبت من المناطق المؤيدة للإسلاميين فنالت أشد العقاب من التهميش وغياب التنمية رغم ما تزخر به من ثروات طبيعية حباها بها الله.

لقد ظلت مهمشة طيلة عقود منذ ما يسمى بالاستقلال وحتى يومنا الحاضر، ولم تتركز فيها مشاريع تنموية جدية وتشكو من بطالة شبابها,

إن جنوب تونس تاريخيا لم ينل حظه في التنمية رغم الدور الكبير الذي قام به أبناؤه في مقاومة الاستعمار والحركة الوطنية.

و تعود أسباب ذلك، إلى أنه في عهد بورقيبة كان التعاطف مع صالح بن يوسف أساسا في مدن الجنوب التونسي، إلى جانب أن المحاولة الانقلابية الأولى التي قادها صالح الرايكي كان جزء من قياداتها من الجنوب، أما في عهد بن علي فقد بقي الجنوب مهمشا ولم ينل حظه من التنمية.و لم يتم الاهتمام بالجهات الداخلية عموما والجنوب خاصة، ولم تكن هناك إرادة لبعث مشاريع تنموية حقيقية للمواطن الجنوبي.

و تجدر الإشارة إلى أن ظاهرة التهريب باعتبارها أحد أسباب ومظاهر التهميش، مرتبطة بأجهزة المخابرات والأمن، وكان بن علي يستفيد من هؤلاء المهربين -وخاصة الرؤوس الكبيرة- مما أخر كثيرا قضايا التنمية وبقي الجنوب مهمشا.

بعد الثورة بقي الوضع كما هو باعتبار أن كافة الحكومات التي تعاقبت على الحكم لم تول التنمية الاقتصادية أهمية كبرى، كما مرت الحدود التونسية الليبية بمحطات أثرت سلبا حتى على مشاريع تم إقرارها في الجنوب.

يمكن أن نعتبر أن التهميش بما يحيل إليه من تفقير وعدم وجود مشاريع تنموية حقيقية هو سمات مشتركة في كثير من المناطق التونسية التي لم تكن في غالبيتها محظوظة و تنامت فيها البطالة.

و يمكن القول إن الهوة ما زالت قائمة بين مناطق التهميش التاريخي التي كانت سباقة في الانتفاضة ضد نظام بن علي والمناطق الممتدة على طول الشريط الساحلي، بما في ذلك تونس العاصمة التي تعتبر أكثر حظوة في المجال الذي يستخدم في التسويق الإعلامي والسياحي. وأبرز ما تجلت فيه الهوة السحيقة هو حجم البطالة المرتفع للغاية في المناطق المهمشة تاريخيا.

لو تأملنا الثروات المنجمية و البترولية و الطاقية نجد أن أغلبهاـ إن لم تكن كلهاـ تقع في الجنوب التونسي:

– خمس ولايات من الجنوب فقط تستطيع ضخ 100 مليون دينار يوميا لخزينة الدولة وهي قفصة توزر، تطاوين، قبلي ، ومدنين من موارد الطاقة.

-منطقة كمبوت بأقصى الجنوب توجد به اكبر الحقول النفطية في تونس
-بار بن ترتار الثلاثة للنفط إما أغلق بعضها أو نهبت بطريقة أو بأخرى
-عقود النفط توقعها وداد بوشماوي و إخوتها نيابة عن الدولة و في السفارة الهولندية في تحدي صارخ للسيادة الوطنية. -معظم العدادات معطلة عمدا حتى لا نعرف حقيقة انتاجنا من النفط يوميا
-ولاية تطاوين التي تنتج معظم حاجيات تونس من النفط تبلغ نسبة الفقر فيها 38.3 %. ولاية قفصة التي تنتج معظم حاجيات تونس من الفسفاط الفقر تبلغ نسبة الفقر فيها 30.9 %. ولاية قابس التي يوفر المعمل الكيميائي بها 12 مليارا يوميا تبلغ نسبة الفقر بها 28.9 %.

ثلاث ولايات يرتكز عليها الإنتاج الوطني و توفر للدولة ألاف المليارات لكنها تعتبر الأكثر فقرا بين بقية الولايات حسب تقديرات كتاب حقائق العالم الذي تصدره وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، تونس لديها إحتياطي مؤكد من النفط الخام يقدر ب425

مليون برميل في1 يناير .2014 يقع أساسا في خليج قابس وفي أقصى جنوب ولاية تطاوين أي في أقصى الجنوب التونسي. في2011 ، تنتج تونس حوالي 000 70 برميل نفط في اليوم،[5] والذي يمثل تراجعا ب42% عن الإنتاج بين 1982 و9841 الذي وصل إلى 000 120 برميل في اليوم. الإنتاج الوطني أين أغلبيته (%73) تأتي فقط من ستة حقول نفطية وهي آدم وعشتارت وديدون والبرمة وميسكار وواد الزار، لا يكفي لتغطية الحاجة الوطنية من الاستهلاك الداخلي المقدر في 2011 ب000 93 برميل نفط في اليوم.[5] في2005، حقل آدم الذي يقع في برج الخضراء في أقصى الجنوب والذي تديره شركة المؤسسة العامة الإيطالية للبترول(AGIP) أصبح أهم حقل نفطي في البلاد بإنتاج يقدر ب000 18 برميل نفط في اليوم. من جهة أخرى هذا القطاع تهيمن عليه المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية التي أسست في 1972 بهدف إدارة الإنتاج والتنقيب عن النفط وكذلك عن الغاز الطبيعي لحساب الدولة. تبحث عن جلب رؤوس الأموال الأجنبية، وهو الأمر الذي قاد الحكومة لإصلاح القوانين المتعلقة بالمحروقات فيأغسطس.2000 محطة تكرير النفط الوحيدة في البلاد تقع في بنزرت في شمال البلاد، وتدار من قبل الشركة التونسية لصناعات التكرير. تملك قدرة إنتاج تقدر ب000 34 برميل في اليوم، وبالتالي، يجب على الدولة تصدير البترول الخام وإستيراد البترول المكرر. في26 مايو2007 ، شركة قطر للبترول فازت بطلب عروض دولي لبناء واستغلال أول محطة تكرير نفط خاصة بالبلاد التي ستدخل في العمل في الميناء البترولي في الصخيرة. ستكون لديها القدرة في إنتاج 000 120 برميل يوميا.

تحتل تونس المرتبة الخامسة عالميّاً في إنتاج مادة الفسفاط. فقد بلغ الإنتاج السنوي، حسب معطيات نشرتها” شركة فسفاط قفصة “التي تحتكر إنتاج هذه المادة في تونس و بالتحديد في مدن الحوض المنجمي:المتلوي،المظيلة،الرديف و أم العرائس، 3 ملايين و700 ألف طن خلال العام 2014.

هذا ويتمّ تصدير 80% من الفسفاط التونسي إلى أكثر من عشرين دولة في حين يجري تصنيع الحاجات المحليّة من هذه المادّة في المجمّع الكيميائي بقابس الذي يعتبر أكبر قطب صناعي للكيمياويات في البلاد.

لافت في تونس حجم البطالة التي تطال أصحاب الشهادات العليا من الجنسين. ففي حين يبلغ المعدّل الوطني لهذا المؤشّر 15.2% حسب بيانات البنك المركزي التونسي لسنة 2014، فإنّ نسبة بطالة خرّيجي الجامعات تتضاعف لتصل على سبيل المثال إلى 40% في ولايات الجنوب حسب المسح الوطني الأخير لسنة 2013.

رغم إن الفصل 133 من الدستور يؤكد على انه “يمكن تخصيص نسبة من المداخيل المتأتية من استغلال الثروات الطبيعية للنهوض بالتنمية الجهوية”. و منذ مدة قصيرة طالب أهالي الجنوب بتمكينهم من الشغل في مناجم الفسفاط و حقول البترول و لازالت بعض الاعتصامات في جهات الجنوب :تطاوين و قفصة و لإخماد هذه الاعتصامات و احتوائها قدم رئيس الجمهورية التونسية السيد الباجي قائد السبسي أكد فيه على ضرورة فك هذه الاعتصامات و لو تطلب ذلك استعمال القوة مع المعتصمين إذ أعلن رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي صباح يوم الأربعاء 10 ماي 2017 أن الجيش الوطني سيتدخل لحماية منابع الإنتاج في الدولة .وأشار السبسي في خطابه الذي توجه به للشعب التونسي من قصر المؤتمرات أنه يساند حق المواطن في التظاهر في نطاق القانون.

وأضاف السبسي أن إنتاج تونس المتمثل أساسا في الفسفاط والغاز والبترول هي ملك للشعب التونسي وليست ملكا لجهة واحدة.
إن تدخل الجيش و”عسكرة مناطق الحوض المنجمي والمناطق البترولية” قرار خطير سيكون له تبعات وانعكاسات قد تقود البلاد إلى منعرج خطير.
فأين هي الدولة التي جنت آلاف المليارات من الجنوب التونسي ولم تولي العناية الكافية بهذه الولايات؟
وأين ذهبت اعتمادات النفط والغاز و الفسفاط ؟ وهل تفكر الدولة في مراجعة عقود الخضوع و الإذعان أو عقود ما يسمّى بالاستعمار “المقنّع” ؟
و هل سيتمكن الجيش التونسي من حماية منابع الإنتاج بتونس؟

لا تعليقات

اترك رد