المخصصات الدستورية للتعليم ومدي التزام الدولة بها


 

تجاهل مشروع الموازنة العامة للعام المالي 2016ـ17 الاستحقاقات الدستورية المتعلقة بتخصيص حد أدنى للإنفاق على التعليم والصحة. هذا ما يؤكده تحليل البيانات التي جاءت في الوثائق التي قدمتها الحكومة إلى مجلس النواب للعام المالي 2016ـ 2017 .ويقدر حجم الموارد اللازمة لتطبيق تلك المواد ما بين 61 مليار جنيه و96 مليار جنيه، بحسب طريقة الحساب.

وجاءت تلك الفجوة ا لكبيرة نتيجة لاستمرار لسياسات تراكمت عقودًا، أدت إلى نقص كبير في المخصصات التي توجهها الحكومات المتعاقبة إلى قطاعي التعليم والصحة. وكان دستور 2014 قد تدارك هذا العوار التنموي بإلزام الحكومة بحد أدنى من الإنفاق على التعليم والصحة والبحث العلمي وقد رصد صندوق النقد الدولي هذا النقص في التمويل، من خلال مقارنة نسب الإنفاق على التعليم والصحة في مصر إذن كانت تلك هي نقطة البدء قبل إقرار الدستور. فكيف استجابت الحكومة إذن للمتطلبات الدستورية؟ بادئ ذي بدء، تجاهلت الحكومات على مدى الموازنتين السابقتين الاستحقاق الدستوري ) و لكن يختلف هذا العام عن سابقيه بأنه الموعد النهائي الذي فرضه الدستور لزيادة تلك المخصصات. وعليه، فإن أي إخلال بالحد الأدنى الذي ينص عليه الدستور للإنفاق الحكومي، سوف يعني أن الموازنة غير دستورية )

أن مشروع الموازنة للعام المالي 2016ـ2017 غير مطابق للاستحقاق الدستوري مخصصات للتعليم والتعليم العالي تبلغ 104 مليار جنيه، أي بالكاد %4 من الناتج الإجمالي المتوقع في نفس العام المالي بدلًا من ٦ ٪وفقًا للاستحقاق الدستوري. وهنا، يثور السؤال حول التزام دستوري آخر مرتبط بالتعليم ويستحق في العام المالي 2016ـ17 ،وهو مد سن التعليم الإلزامي حتى إتمام هذه المرحلة،بحسب المادة 238 .فلم تعلن الحكومة عن حجم تكلفته ولا كيفية تنفيذه. لم تخصص الدولة إلا ما يقل عن ثلثي الحد الأدنى الذي حدده الدستور )%4 للتعليم+ ٪2 للتعليم العالي(.- هناك تقدير آخر قام به صندوق النقد الدولي في عام 2014 ،وهو يقل عن القيمة المقترحة بحسب بيانات مشروع الموازنة المقدم إلى مجلس النواب. حيث تحتج الحكومة بوجود بنود إنفاق على الصحة والتعليم غير مرئية لا تندرج ضمن قطاعي التعليم والصحة في الموازنة .وقام صندوق النقد الدولي بتقدير تلك النفقات للعام 2014-2013 بحيث »كان إجمالي الإنفاق على البنود الثلاثة، التعليم والصحة العامة والبحث العلمي قد بلغ بالترتيب %3.5% ،4.2 و%1.0 من الناتج المحلي الإجمالي ما يجعل الفجوة حتى عام 2017-2016 يبلغ 2.2 في المائة من الناتج المحلي«.

وهكذا، تقدر تلك النسبة في العام المالي القادم بما يوازي 2.61 مليار جنيه أخير جاء مشروع الموازنة للعام المالي 2017-2016 ، بشكله الحالي، مخالفًا للدستور ولحقوق الإنسان في الصحة والتعليم. وعليه فيجب: ضرورة رفع مخصصات التعليم والصحة، بقيمة تقدر بـ 61 مليار جنيه، كحد أدنى..إلزام الحكومة بعمل دراسة مقارنة عن المعدلات العالمية للإنفاق على الصحة وعلى التعليم والبحث العلمي، لتحديد النسب التي سوف تستهدف مصر الوصول إليها..إلزام الحكومة بوضع خطة متوسطة الأجل )خمس- سبع سنوات(، لرفع معدلات الإنفاق الحكومي على الصحة وعلى التعليم والبحث العلمي، بحيث يصل إلى المعدلات العالمية، مع توضيح مصادر التمويل، لتصدر بقانون من مجلس النواب، لضمان عدم التراجع في التنفيذ. المادة 19: »التعليم حق لكل مواطن، هدفه بناء الشخصية المصرية، والحفاظ على الهوية الوطنية، وتأصيل المنهج العلمي في التفكير، وتنمية المواهب وتشجيع الابتكار، وترسيخ القيم الحضارية والروحية، وإرساء مفاهيم المواطنة والتسامح وعدم التمييز، وتلتزم الدولة بمراعاة أهدافه في مناهج التعليم ووسائله، وتوفيره وفقًا لمعايير الجودة العالمية. والتعليم إلزامي حتى نهاية المرحلة الثانوية أو ما يعادلها، وتكفل الدولة مجانيته بمراحله المختلفة في مؤسسات الدولة التعليمية، وفقًا للقانون. وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم لا تقل عن %4 من الناتج القومي الإجمالي، تتصاعد تدريجيّا حتى تتفق مع المعدلات العالمية. وتشرف الدولة عليه لضمان التزام جميع المدارس والمعاهد العامة والخاصة بالسياسات التعليمية لها«..

المادة 238: تضمن الدولة تنفيذ التزامها بتخصيص الحد الأدنى لمعدلات الإنفاق الحكومي على التعليم، والتعليم العالي، والصحة، والبحث العلمي المقررة في هذا الدستور تدريجيّا اعتبارًا من تاريخ العمل به، على أن تلتزم به كامل في موازنة الدولة للسنة المالية 2017/2016 . وتلتزم الدولة بمد التعليم الإلزامي حتى تمام المرحلة الثانوية بطريقة تدريجية تكتمل في العام الدراسي 2017/2016. حيث أن نصوص الدستور المصري لسنة 2014 قد أوردت النص على التزام الدولة بتخصيص نسب من الإنفاق الحكومي لا تقل عن %3 من الناتج القومي الإجمالي للصحة )المادة 18.)
وتخصيص نسبة لا تقل عن %4 من الناتج القومي تخصص للتعليم )المادة 19)
وتخصيص نسبة لا تقل عن %2 من الناتج القومي تخصص للتعليم الجامعي )المادة 21)
وتخصيص نسبة لا تقل عن %1 من الناتج القومي تخصص للبحث العلمي.

ثم جاء النص في المادة 238 من الدستور موضح كيفية تنفيذ ذلك، بقولها:
تضمن الدولة تنفيذ التزامها بتخصيص الحد الأدنى لمعدلات الإنفاق الحكومي على التعليم، والتعليم العالي، والصحة ، والبحث العلمي المقررة في الدستور تدريجيّا اعتبارًا من تاريخ العمل به، على أن تلتزم به كامل في موازنة الدولة للسنة المالية 2016 /2017. وبشكل أساسي ومبدئي تشكل هذه النصوص الدستورية أساسًا أو التزامًا على عاتق الدولة، لا يجوز لأي سلطة أن تتحلل منه، أو تحيد عنه وذلك لكون صياغة النص الدستوري واضحة بإلزامها للسلطات حين صياغتها أو إعدادها لبنود الموازنة العامة للدولة أن تحقق هذه المبادئ على الأقل، وهو اللفظ الوارد في كل نص دستوري، بما يعني ويؤكد حتمية حدوث ذلك الرقم إن لم يكن ما يزيد عليه. – ولا تعد هذه النسب هي الحدود القصوى التي يجب على الدولة تحقيقها، حيث أوردت كافة النصوص سالفة البيان التزامًا أكثر تقدمًا بقولها في كل نص » تتصاعد تدريجيّا حتى تتفق مع المعدلات العالمية«، ومن زاوية أكثر إلزامًا ووفقًا للنسب الواردة بهذه النصوص، فإنها جميعًا قد جاءت بعد لفظ لا تقل عن…، وهذا الأمر هو ما ي فسر بأن الرقم الوارد بالنص الدستوري رقم ملزم كحد أدنى في كل مجال، يجوز زيادته في الموازنة، و لكن لا يجوز النزول عنه إطلاق ذا إلا في حالة وحيدة وهي تغيير النص الدستوري. – ومن زاوية ثانية فإن الموازنة العامة للدولة تصدر بقانون، وهذه المعايير أو الحدود المتعلقة بمجموعة الحقوق »الصحة – التعليم – والبحث العلمي« واردة بصلب الدستور وبصياغات واضحة ومحددة، وبالتالي فلا يجوز للقانون أن يتجاوز أو يخالف المبادئ أو القيم أو النصوص الدستورية بأي حال من الأحوال، وإلا أصبح قانونًا غير دستوري.

كما أن هذه الحدود أو النسب الواردة بالنصوص الدستورية لم ترد في عبارات غير واضحة أو تحتمل التأويل أو التفسير على أكثر من معنى قد تجيز مخالفتها تحت مظنة الفهم الملتبس، أو التفسير المختلف. وبشكل عام وأساسي فإن مبادئ دولة القانون تعني علو مبدأ سيادة القانون، وهو ما يعني احترام الدولة للقانون قبل الأفراد، وخضوعها بجميع سلطاتها للقانون في جميع تصرفاتها مشروع الموازنة مخالف للدستور الإنفاق الحكومي على التعليم والصحة وكيفية زيادته | ويقصد بالقانون هنا المعنى العام وهو ما يعني احترام أي قاعدة قانونية سواء كانت دستورًا أو قانونًا أو لائحة،

و لكن ولما كانت القواعد محل النظر قد وردت في نصوص دستورية فهي بالتالي الأعلى قيمة وفقًا لمبدأ تدرج القاعدة القانونية وسمو الدساتير على ما عداها من قواعد قانونية،وهذا المبدأ قد أقرته كتب الشراح القانونيين تحت مسمى »تدرج القاعدة القانونية« وقد أكدته كذلك المحكمة الدستورية العليا في العديد من أحكامها، وهذا المبدأ يعني أن القاعدة القانونية الأدنى يجب عليها احترام أي قاعدة قانونية أعلى منها في المرتبة، ويعلو جميع القواعد القانونية مبادئ الدستور، بحسبها الأعلى قيمة ومرتبة، وبالتالي وجب على جميع القواعد القانونية احترامها والنزول على ما ورد فيها.

وكل ما تقدم يعد حديثًا فقط عن الشكل العام أو طريقة الإصدار التي يجب أن تكون عليها قوانين الموازنة العامة، ولم تتطرق الورقة إلى قيمة الحقوق الواردة بالنصوص الدستورية ومدى أهميتها للمجتمع المصري جميعه، فلا وجود لمجتمع سليم معافى دون حق في الصحة يكفل لجميع المواطنين سبل علاجهم، وهو الأمر الذي يتسق وباقي الحقوق الواردة.

وعند مقارنة مشروع موازنة قطاع التعليم للعام 2017/2016، مع ميزانية الدولة للعام 2016/2015، سنجد أن مخصصات باب الأجور كنسبة من مخصصات قطاع التعليم انخفضت بنسبة 1٫74% للأول و3٫86% للباب الثاني وهو باب شراء السلع والخدمات، بينما ارتفع الباب السادس وهو الأصول غير المالية (الاستثمارات) بنسبة حوالي 19٫48%، وبناء على ما سبق فإن البيان المالي للعام الجديد يوضح اهتمام السياسة المالية للحكومة برفع نسبة الاستثمار والتي تعنى السعي بشكل أساسي فى بناء المنشآت التعليمية مثل المدارس والجامعات على حساب خفض أجور المعلمين والمدرسين وخفض السلع والخدمات المتمثلة فى بنود عديدة منها الكتب والتغذية المدرسية والصيانة.

وهكذا أرى أن نظرة الدولة المصرية لملف التعليم ستظل تائهة ومحدودة لعدم واقعية سياساتها التنفيذية والمالية وعجزها عن الارتباط بالواقع الصعب الذي تواجهه المنظومة التعليمية فى مصر، ولجنة التعليم بالبرلمان المصرى عليها مهام وأعباء كثيرة تجاه هذا الشأن، كما أننى لاحظت عدم شمولية الموازنة لعدة محاور مهمة فى التعليم مثل المناهج التعليمية الجيدة والمعلم الجيد والمتدرب، وأهمها المعلم الذى يعتبر استثمار مباشر ورئيسى ومؤثر على المنظومة التعليمية ويجب على الدولة أن تستثمر فيه من خلال توفير الأمان الوظيفى له ورفع أجره بشكل لائق ودعمه عن طريق تأهيله علمياً وعملياً وتربوياً بدلاً عن النظر إليه كعبء يجب التخلص منه وهى نظرة خاطئة تحتاج لإعادة نظر.

لا تعليقات

اترك رد