ترامپ ، الدين ، الدولة .. في الولايات المتحدة الامريكية !!


 

وقع الرئيس ترامپ في الرابع من هذا الشهر قراراً تنفيذياً يمنح بموجبه رجال الدين والمؤسسات الدينية حق التدخل بالسياسة ، ويمنع هذا الامر الحكومة الفدرالية من اجبار هذه المؤسسات على دفع الضرائب في حال انخراطها بالعمل السياسي . يأتي القرار بالضد من تقليد طويل من “الفصل الكامل” ، وفق البعض ، بين الدين والدولة في الولايات المتحدة تم تكريسه بصيغة جزئية فيما يعرف بوثيقة الحقوق لعام ١٧٩١ ، كما تعزز عام ١٩٥٤ قانونياً بما يعرف في تاريخ التشريع الامريكي بتعديل جونسون الذي يقضي بحرمان الهيئات الدينية غير الربحية من الاعفاء الضريبي في حال ممارستها نشاطاً سياسياً بعد ان اتضح ان هنالك مؤسسات دينية تُمارس بصفتها الدينية نشاطا سياسياً كما سنفصل لاحقاً .

بادئ ذي بدء اود الإشارة الى ان هنالك فهماً ملتبساً على نطاق واسع لعبارات مثل ” العلاقة بين الدين والدولة ” او “تدخل الدين او شخصياته وهيئاته بصفتهم الدينية بالسياسة ” ، والسبب يعود ببساطة الى غنى وتنوع التجارب الخاصة بهذا الموضوع حول العالم ولمختلف الحضارات وعلى مدى التاريخ . الأسئلة المهمة بهذا الصدد هي : هل نعني بالعلاقة بين الدين والدولة ان تكون الدولة ذات دين تستحوذ عليه او يستحوذ عليها ؟ او نعني بذلك ان الدين يلعب دوراً في الحياة السياسية ويستخدم اداةً فيها ، على مستويات عدة ، رسمياً او شعبياً ؟ ، كما لايفوتنا ان نشير الى ان مفهوم السلطة الدينية يتفاوت بين دين وآخر ، وعصر وآخر ، واجتهاد وآخر في ذات الدين . في الاسلام لاتوجد سلطة على العقيدة والايمان كما لاتوجد مؤسسة مختصة بذلك من حيث المبدأ ( لا اكراه في الدين ، قد تبين الرشد من الغي ) ومع ذلك نجد ان مؤسسات دينية عملاقة قد نشأت خلال القرون الخمسة الاخيرة في قلب العالم الاسلامي وأطرافه على حد سواء وأصبحت تحاسب الناس على إيمانهم وأنماطه بل وتفرض العقاب بشأنه ! في المسيحية يختلف الامر جوهرياً ، فالإنسان روح وجسد وتخضع الروح للكنيسة فيما يخضع الجسد للسلطان ، والايمان الصحيح تحدد مضمونه الكنيسة التي تمتلك من حيث المبداً السلطة الدينية في ذلك . يمكن القول اذن ان منشأ المشكلة يختلف في نقطة البداية .

الصعوبة الاخرى تتعدى قضية المفاهيم الى دراسة التطبيق ، وتحديداً كيف يمكن تصور شكل وحدود العلمانية في بلد يكرسها دستورياً في الوقت الذي يوصف شعبه بانه الأكثر تديناً في العالم ؟ ماهي التداعيات العملية الناجمة عن وضع ملتبس كهذا خاصة اذا ما علمنا ان بعض القيم العلمانية التي يفاخر بها الأمريكان نابعة من قلب التدين ؟ كما ان مفاهيم عديدة في الإدراك الامريكي العام Common Sense مستمدة من تصورات دينية : الحرية وحقوق الانسان بالنسبة للامريكان هبة من الله ، اي ان مايعتبره جان جاك روسو حقاً طبيعياً يعتبره الامريكي جزءاً من التدين ، وعندها فان أمامنا باب لانعرف متى يمكن ان يفتح على قضايا تتعدى الحقوق ؟! رغم ذلك فاننا سنناقش القضية في الولايات المتحدة من جانبيها العمليين : ماهو مستوى التدين الرسمي ؟ وما هو حجم تدخل الرموز والشخصيات والعقيدة الدينية في الحياة السياسية الامريكية ؟ ولابد هنا من التذكير ان نصوص الدساتير كما نصوص الأديان تخضع في قرائتها للظروف الاجتماعية – السياسية في اي بلد وهي ظروف تتطور ، وبالتالي فان تجليات النصوص من خلال التطبيق تتطور هي الاخرى ، تقدماً او تراجعاً ، على منظومة سلم القيم الثقافية العامة للبلد.

الولايات المتحدة دولة معولمة بامتياز ، وتحمل في عمق إدراكها العام قدرة غير اعتيادية على التفاعل مع التطورات العالمية بحكم روح براغماتية ونفعية ، بالمعنى الفلسفي الخالص . إن الانطباع العام الذي كان سائداً حتى وقت قريب بان الأديان وعلى المستوى العالمي اما ان تكون قد انسحبت من الساحة السياسية ، او انها في طريقها لذلك تحت تأثير موجات الحداثة بمفهومها الغربي والتي حملتها موجات العولمة التي اجتاحت العالم منذ انهيار جدار برلين . لكن الأنباء المتداولة منذ أواخر القرن العشرين تعطي الانطباع بعكس ذلك .

في بلد اثر بلد تتزايد المؤشرات وتتوالى الوقائع التي تؤكد ان الدين قد اصبح اما موضوعاً لسياسات الدول او انه صار عاملاً مهماً في رسم حياتها السياسية . كان مالوفاً ان نسمع مثل هذه الأنباء من أفغانستان والهند وايران والعراق وفلسطين المحتلة ويوغوسلافيا السابقة وارلندا ، وصار مالوفاً منذ بعض الوقت ان تتبنى حركات اليمين الشعبوي الاوروپي ما تسميه الهوية المسيحية او المسيحية – اليهودية ( صيغة مبتكرة دون اساس تاريخي ) لاوروپا ، المفاجئ بالنسبة للبعض ان تصل هذه العدوى الى الولايات المتحدة الامريكية رغم ان ذلك ليس مفاجئاً للباحثين .

صدرت في عام ١٧٩١ عن الكونغرس وثيقة الحقوق المدنية والتي تضمنت التعديلات الدستورية العشرة الاولى الملحقة بالدستور الامريكي غير القابل للتعديل ، ولذلك تم اللجوء الى إصدار تعديلات منفصلة لاحقة به .

اهم هذه التعديلات هو الاول والذي نص على انه ” يُحظر على الكونغرس تشريع اي قانون يؤدي الى دعم ممارسة اي دين ، او تشريع اي قانون يؤدي الى منع ممارسة اي دين ؛ او تشريع اي قانون يؤدي الى تعطيل حرية الكلام او النشر الصحفي او حق الناس في اقامة تجمعات سلمية او إرسالهم عرائض الى الحكومة تطالبها برفع الظلم ” .

جاءت هذه التعديلات مستوحاة من التجارب المريرة للحروب الدينية في اوروپا التي استمرت مئات السنين وأوقعت خسائر هائلة بالأرواح والممتلكات ، اضافة الى المرارة التي خلفتها ١٥٠ سنة من الحكم الديني البريطاني . لقد انشأ هذا التعديل ماوصفه توماس جفرسون ، احد الآباء المؤسسين ، بالحائط الصلد بين الكنيسة والدولة .

شكل هذا التعديل ايضاً احد مصادر الفخر الكامن داخل الإدراك الشعبي الامريكي العام لانه يتيح المجال لاي فرد ان يمارس طقوسه الدينية وحريته في الاعتقاد دون اي تدخل من آية سلطة . وينبغي الاعتراف بان ذلك قد جعل من الولايات المتحدة قلعة الحرية الدينية دون منازع على مستوى العالم .

الامر الاخر الذي يتعين الانتباه له هو حرية الدولة ازاء الدين والذي تضمنته العبارة التي تمنع انشاء او تبني دين رسمي . في مختلف أنحاء العالم ، ومنه بريطانيا مثلاً ، تتم المفاخرة بالنصوص الدستورية والقوانين التي تضمن الحريات الدينية رغم انها لاتحرر الدولة من الدين ، والفرق بين الامرين انه في الولايات المتحدة لم تعد هنالك حاجة من الأساس لمناقشة الأمور المتصلة بالصلاة او التعليم الديني في المدارس العمومية او الزام المؤسسات الرسمية بالمراسم الدينية او المناقشة في القضايا الاجتماعية مثل الإجهاض على أسس دينية ؛ كما مثل هذا النص سداً يحول بين دين الأغلبية والتغوّل على أديان الأقليات .

في هذه المرحلة من المناقشة ينبغي اذن التمييز بين أمرين : الاول يتعلق بحرية الاعتقاد الديني وممارسة الشعائر الدينية والثاني يتعلق بمنع الدولة من صناعة او تبني دين بما في ذلك دين مدني على نمط العلمانية الاصولية او مايسمى في الادبيات الأكاديمية ” الانسانية العلمانية Secular Humanism ” التي تتضمن مغادرة الدولة حيادها فيما يتعلق بقضايا العقيدة والايمان الديني باتجاه معاداة الدين ( تركيا اتاتورك والعلمانية الاصولية في فرنسا بعد الثورة الفرنسية وبعض نماذج المدارس العلمانية المعاصرةالتي تتبنى الالحاد مقابل الدين فتحولت العلمانية الى ايديولوجيا بذاتها تحت مسمى الدين المدني ) .

تم الالتزام الحكومي الصارم على المستوى الفدرالي في الولايات المتحدة ( مع استثناءات نفصلها لاحقاً ) رغم انه لم يكن على ذات المستوى في الولايات بعد دخول وثيقة الحقوق حيّز النفاذ في الخامس عشر من كانون الاول / ديسمبر عام ١٧٩١ وصدقت عليه العديد من الولايات لكن ولايات اخرى ظلت تحتفظ لأنواع مختلفة من المذاهب الدينية المسيحية بمكانتها الرسمية باعتبارها ديانة الولاية الرسمية . في ماساشوستس ظلت الكنيسة الرسمية للولاية هي الكنيسة الأبرشية ( كنيسة ذات حكم ذاتي لكل أبرشية ) حتى عام ١٨٣٣ ، وفي ڤرجينيا ظلت الكنيسة الأسقفية هي الرسمية حتى ألغيت في وقت لاحق ، اما في پنسلڤانيا فقد اعتبرالايمان بالجنة والنار شرطاً للمواطنة فيها ….الخ .

بشكل عام ظلت الوثيقة منوطة بكل ولاية رغم المصادقة عليها وذلك في إطار التعديل العاشر الذي نص على ان ” جميع السلطات غير المنوطة بدستور الولايات المتحدة والتي هي غير محظورة على الولايات المنفردة تستطيع الولايات بنفسها الاحتفاظ بحق التمتع بها او يحتفظ الشعب بنفسه بحق التمتع بها ” ، غير ان ذلك انتهى عام ١٩٤٠ حين صدر قانون يعتبر وثيقة الحقوق ملزمة للولايات بذات درجة إلزامها للهيئات الفدرالية ، ولكن في وقت لاحق في عام ١٩٤٧ أصدرت المحكمة العليا قراراً يقضي بدستورية قيام الحكومة بدفع تكاليف نقل الطلاب الى المدارس الدينية ، بينما أكدت ذات المحكمة حظر الصلاة في المدارس العامة ؛ مواقف متباينة تعكس تطوراً في المفهوم حسب الظروف .

من المهم ملاحظة انه خلال حوالي مائتي عام من سريان مفعول وثيقة الحقوق كانت هنالك اجتهادات متنوعة لشمول التعبير الخاص بمنع الهيئات الحكومية من تبني او اعتماد دين خلال ممارسة واجباتها اليومية . في حالات معينة تم استخدام السلطة الحكومية لدعم المجموعات الدينية الضعيفة او لتبني مواقف معلنة بتأييد موقف ديني ومعارضة موقف غير ديني . من ذلك على سبيل المثال قول أيزنهاور المشهور انه ” ليس معنياً باي اله يؤمن به المواطن مادام يؤمن بأحد الآلهة ” . لقد اعتبر الحقوقيون ان ذلك يشكل خرقاً للدستور بذات القدر الذي يمثله موقف معادٍ للدين يمكن ان تتبناه المؤسسة الرسمية . هنالك ممارسات اخرى تتضمن تدخلاً في الشؤون الدينية ، منعاً او تشجيعاً ، وان كانت تتم تحت مبدا تحقيق المصالح العامة مثل عدم السماح للاهل من حرمان اطفالهم من تلقي انواع معينة من العناية الطبية لاسباب دينية ، ومن ذلك تقديم الحكومة معونات لبعض المؤسسات الدينية لممارسة نشاطات ذات طبيعة غير دينية مثل تقديم المساعدات المالية للمراكز الطبية الكنسية وتمويل بعض نشاطاتها في مجال معالجة اثار الكوارث والازمات ؛ ومثل هذه النشاطات تقع في مصلحة الحكومة وبذات القدر في مصلحة المؤسسات الدينية .

هنالك ايضاً بعض الممارسات الحكومية ذات الطابع الديني مثل اعتماد عبارة ” نثق بالله ” التي توشح بها العملات الحكومية والصلوات التي تؤدى في بعض المؤسسات الرسمية مثل المناسبات الرئاسية وبداية كل يوم عمل في إطار الكونغرس ، اضافة للعطلات الرسمية للبلاد التي يغلب فيها الطابع المسيحي ؛ لايعتبر البعض وانا منهم ان هذه من الممارسات التي تخرق الدستور بسبب طبيعتها الرمزية فضلاً عن كونها تتم في مؤسسات تضم بالغين . لقد ظلت بعض المناقشات ذات الطابع الحقوقي قائمة بشأن اعاقة تمتع بعض الأفراد بما يسمى الحق في ممارسة الشعائر الدينية ، لكنها لم تفلح في تأسيس استثناءات على مبدأ فصل الدين عن الدولة ، من ذلك رفض المحاكم الدعاوى الخاصة بمطالبة بعض الأفراد السماح لهم بعدم العمل في العطل الدينية ولم تعتبر ذلك اعاقة للممارسة الحرة للطقوس او العقيدة الدينية .

يلاحظ الباحثون منذ بعض الوقت ان هنالك تزايداً في تداخل الدين بالسياسة في الولايات المتحدة وفي أنحاء عديدة من العالم خلال العقدين ونصف الماضيين ، واستدعت هذه التوجهات مزيداً من النداءات لمقاومتها والانتباه لإخطارها المُحتملة على مستقبل السلم الاجتماعي وحتى الدولي . تشكل الأديان حين تتغول على الأداء السياسي المدني عامل اثارة مؤكد للعنف وتغييب معايير المنطق والحوار السلمي . في هذا الاطار ينبغي ملاحظة ان هنالك فرق واضح بين هيمنة الدولة على الدين من جهة ، وتدخل الدين في الشأن السياسي من جهة اخرى . هذان مساران مختلفان تماماً . من مظاهر المسار الثاني منع ترشح شخصيات دينية للانتخابات الخاصة بإشغال مناصب رسمية في المؤسسات التشريعية او التنفيذية او القضائية ، هذا الباب ، ان لم يحكم اغلاقه وبقي موارباً دون اقفالٍ نصيّة حاسمة ، قد يفتح اكثر في ظروف مناسبة . انه غير محكم الاغلاق بنصوص قاطعة في الحالة الامريكية لعدم الحاجة اليها في الماضي باعتبار ان الإدراك العام يتكفل بالضمانة .

فيما يتعلق بالولايات المتحدة الامريكية فليس من النادر ان نشاهد شخصيات ذات صبغة دينية تشارك في الحياة السياسية الامريكية ، ويعود ذلك الى غياب الضوابط القانونية النصيّة بهذا الخصوص . في نص التعديل الاول لايوجد شيئ بهذا الخصوص ، والنص الوحيد هو الوارد في النص الأصلي لدستور عام ١٧٨٧ الذي نص على عدم وجوب اجراء فحص الأهلية الدينية للمرشحين للوظائف العامة ، وهذا يصح ايضاً على مفهوم العكس اي عدم لزوم فحص أهلية عدم التدين . ان الضابط العملي الوحيد هو الميل العام لدى الجمهور الامريكي حتى وقت ليس بالبعيد لعدم زج الدين في السياسة ، وبشكل عام فان المزاج العام الذي ولّده التعديل الاول لعب دوره في تعزيز هذا التوجه لدى الرأي العام .

من الناحية العملية – القانونية فان الضابط الوحيد الذي يمكن ان يشكل عنصراً حارساً لمبدأ عدم تدخل الدين في السياسة هو موضوع الاعفاء الضريبي . بموجب قانون امريكي والمسمى تعديل السناتور ليندون جونسون الصادر عام ١٩٥٤ فانه يحظر على المنظمات المعفية من الضرائب ، بما في ذلك الكنائس والمنظمات غير الربحية الضغط على المسؤولين المنتخبين ، او القيام بحملات انتخابية باسم اي حزب سياسي ، اودعم او معارضة المرشحين للمناصب ، وتنص المادة ٥٠١ من قانون الضرائب على منح اعفاء ضريبي للمنظمات غير الربحية طالما انها لاتقوم بالمشاركة او التدخل ، بما في ذلك نشر او توزيع البيانات ، في اي حملة سياسية ، نيابة عن او معارضة لاي مرشح لمنصب الرئاسة . لكن لم تشهد الحياة السياسية الامريكية تطبيقات كثيرة لهذا القانون ولعل اشهر تطبيقاته هو رفع الاعفاء عن الاتحاد المسيحي بزعامة القس پات روبرتسون المثير للجدل ، وهو رفع تم بعد تردد واخذ ورد طويلين .

خلال حملة ترامپ الانتخابية اطلق وعوده بالعمل على إلغاء تعديل جونسون وهو امر اثار استغراب الكثيرين خاصة في بلد يعتبر الرائد في مسالة الفصل بين الدين والدولة حتى ان المزاج الامريكي العام قد استقر لوقت طويل على الحفاظ على هذا الفصل الى الحد الذي لم ينتبه فيه احد الى عدم وجود ضوابط قانونية كثيرة او حاسمة بهذا الشأن . فلماذا لجأ ترامپ الى إصدار أمره التنفيذي موضوع بحثنا ؟! والغريب في الامر ان ترامپ قد استخدم ذات الحقوق الواردة في التعديل الاول لتبرير هذا الوعد . لقد اعتبر ان تعديل جونسون يشكل اخلالاً بحرية التعبير ، واعتبر ايضاً ان الكنائس والمؤسسات الدينية تتمتع بذات الحق الذي يتمتع به سائر مواطني الولايات المتحدة في الحق في التعبير عن رايها في الأمور السياسية وغيرها من الشؤون العامة مثل مسالة الإجهاض والزواج المثلي وتغيير الجنس مما يوفر سلاحاً معنوياً اضافياً في أيدي معارضي الاتجاهات اللبرالية في البلاد . لقد ذكر في تصريحاته التي قدم بها أمره التنفيذي بان الحكومة الفدرالية ” مارست البلطجة بحق ذوي المعتقدات الدينية والمؤسسات الدينية لمدة طويلة ، وحان الوقت لانهاء الامر ” ، كما أضاف ” ان الحكومة الفدرالية قد استخدمت قوة الدولة لوقت طويل كسلاح ضد اصحاب العقيدة لدرجة من التسلط وصلت حد حد عقاب الأمريكيين لإتباعهم عقائد دينية ” .

خلال السنوات الاخيرة ارتفعت في بعض دوائر الحزب الجمهوري والعديد من الاوساط الكنيسة المحافظة أصوات تطالب بإلغاء تعديل جونسون الذي يخنق على حد تعبيرهم الحق في حرية التعبير وان هذا التعديل يحمل بذلك صفة قمعية ويُكرَّس تغوّل الحكومة الفدرالية ، كما يشيرون الى ان اعتماد القانون تم خلال فترة هيمنت فيها السلطة التنفيذية على الحياة السياسية في البلاد وانها كانت فترة من تدني الاخلاقيات السياسية بشكل عام ، كما يشيرون الى ظروف اعتماد هذا التعديل والذي جاء تلبية لرغبة السناتور – المرشح عن ولاية تكساس ليندون جونسون بمنع المؤسسات الدينية من المشاركة في حملة خصمه انذاك المرشح دادلي دوروتي والذي حظي كما يبدو بدعم عدد من المؤسسات الدينية المحافظة ، وبالتالي فقد جاء التعديل حسب رأيهم ثمرة معركة سياسية داخل الحزب الديمقراطي وان هذا التعديل لايسري على التنظيمات المماثلة من الناحية العامة مثل النقابات التي تتمتع بالاعفاءات الضريبية وفي ذات الوقت تُمارس نشاطات سياسية وتقدم تبرعاتها للمرشحين وللأحزاب السياسية وخاصة الحزب الديمقراطي .

ماهي ابعاد وتداعيات هذا الامر التنفيذي ؟ هل سيكون قراراً عابراً من اندفاعات ترامپ ، ام انه يمثل توجهاً متأصلاً له سوابقه ولواحقه ؟ لاشك ان توجهات ترامب ستلعب دوراً كبيراً بهذا الصدد ولكن هنالك جذور مؤسسية كذلك .

لقد اصر الرئيس ترامپ على تعديل قواعد الپروتوكول الخاص بالتنصيب ليزيد نكهة دينية معينة فيها . لقد بدا يوم التنصيب بحضور قداس خاص في كنيسة سانت جون حيث ألقى القسيس ” روبرت جفريس ” كلمة قال فيها ” ان الرب ليس ضد بناء الأسوار ” . هذا القس مثير للجدل في كل نشاطاته وهو يهاجم المسلمين والكاثوليك بلا هوادة ؛ لقد وصف الاسلام مرةً بانه دين شرير وان المسلمين يعبدون إلهاً زائفاً يدعو للاعتداء الجنسي على الاطفال . استدعى ترامپ الدين باستمرار في خطاب التنصيب وقال ان على الأمريكيين الايخافوا لان الرب يحميهم كما استشهد بأية من الإنجيل . لقد جرت العادة ، وفق پروتوكول التنصيب ، بأن يتم استدعاء اثنين من القيادات الدينية للقيام بالدعاء بشكل عام ، ولكن ترامپ دعى ستة من رجال الدين ، اربعة من الإنجيليين وكاثوليكي ويهودي . لقد تساقطت امطار خفيفة خلال الحفل فعلق القس غراهام الذي كان حاضرا بانها مباركة الرب لترامپ ، وهذا القس ذاته كان قد علق حول فوز ترامپ بانه ثمرة تدخل الرب لايقاف اجندة إلحادية تهدف للسيطرة على امريكا .

تغيير بسيط في الأسماء والأزياء وسنرى مشهداً من المشاهد المألوفة في قندهار !!

من المؤكد ان افكارنا لن تشطح باتجاه توقع ولادة ” طالبان امريكية ” ، لكن الفرق ان طالبان ظاهرة محاصرة ومرفوضة في ركن منزوٍ في كهوف بلد صغير وضعيف ، لكن ثلماً صغيراً في علمانية الولايات المتحدة سيشكل تسونامي فكري وسياسي على المستويين المحلي والعالمي ، خاصة اذا ماتبين ان هذا التطور ليس ظاهرة عرضية او مؤقتة او مرهونة برئيس وادارته ، مهما بدت التراجعات في علمانية الدولة جنينيةً وفي اولى بواكيرها .

في تقديري المتواضع ان القرار يمثل تطوراً له اسبابه الموضوعية ، منها ماهو ذاتي يخص المجتمع الامريكي ومنها ماهو انعكاس لتيار عالمي عام ساهمت الولايات المتحدة ، على مستويات عدة ، في توفير بيئته وجهزته بالزاد الفكري اللازم ، إعلامياً وأكاديمياً وسياسياً .. هل ينبغي ان ننسى ان التبشير بمستقبل ترسمه الخرائط الدينية كانت بالأساس تنظيراً امريكياً شهد ذروته في نظرية الپروفيسور صاموئيل هانتنغتون حول صراع الحضارات ؟ من المهم ملاحظة ان هذا المفكر العبقري ذو الاتجاه اليميني المحافظ ومؤسس احدى اهم الدوريات السياسية اليمينية المحافظة مجلة (Foreign Policy ) قد نشر اولى أطروحاته حول نظريته في مجلة ذات توجه ” يساري معتدل ” وهي ( Foreign Affairs ) وهو امر له دلالته التي تتجاوز التفسير بان الاخيرة تقبل كل منتج ذو قيمة عالية في ميدان تخصصها ، وانما تعني ان هذا النمط من التنظير له شعبيته في اغلب الاوساط الامريكية . هل ننسى التوظيف الامريكي الشامل للدين في مواجهة المعسكر الاشتراكي في معارك نيابة كبرى ، عسكرية وسياسية ، في أفغانستان وفي شرق اوروپا ؟ الم تترجم قصة انهيار النظام الشيوعي في پولونيا على انها معركة الكاثوليكية ضد الالحاد الشيوعي وصارت سابقة تبعتها تداعيات عالمية واوروپية حاسمة .

يوصف الشعب الامريكي بانه اكثر شعوب الارض تديناً وفي ذات الوقت اكثر شعوب الارض تمسكاً بالحريات والممارسات الدينية وحقوق الاعتقاد على وجه الارض . هذا التقدير صحيح جداً وهو تقدير علماء باحثون لهم باعهم في ميادين العلوم الاجتماعية ، وهو يحمل في ذات الوقت بذور نقيضه .

تشير إحصاءات من ثمار بحث علمي جاد الى ان نسبة الأشخاص الذين يمكن وصفهم بالمتدينين في الولايات المتحدة تتعدى ٨٠٪‏ وهي نسبة تساوي حوالى ثلاثة اضعاف امثالهم في بلد مثل السويد ، لكنها ليست بعيدة جداً عن نسبتهم في بلد مثل هولندا ( ٦٣٪‏ ) او البلدان التي يسودها الايمان الكاثوليكي وهي مع هولندا تشهد توجهاً اقل نحو العلمنة الاجتماعية Secularization مقارنة بالبلدان الاخرى في اوروپا التي سادتها موجات الإصلاح الديني ، وليس غريباً ان هذه البلدان هي ذاتها التي تشهد نمواً مضطرداً للتوجهات اليمينية الشعبوية التي تعلن من بين ماتعلن تمسكها بالهوية المسيحية باعتبارها سمة من سمات اوروپا الأصيلة .

ان نمو التوجهات الدينية في المجتمع الامريكي له أسباب عديدة منها ماهو قائم في صلب النظام الاجتماعي والتعليمي . رغم ان القطاع الحكومي في ميدان التعليم هو الذي يحتل الجزء الأكبر ( ٨٩٪‏ ) من قطاع التعليم الابتدائي والثانوي في الولايات المتحدة فان هنالك قطاعاً تعليمياً اهلياً يحتل حوالى ١١٪‏ من الإجمالي العام . هذا التعليم الأهلي تمول نسبته الاساسية الكنائس والجمعيات الدينية المسيحية ونصفه تقريباً يتبع المذهب الكاثوليكي . تتراوح الرسوم المالية للسنة الدراسية الواحدة من ستة الى ثمانية آلاف دولار وتصل في بعض الحالات الى عشرين الف دولار ، ويمكن عندئذ تحديد الشرائح الاجتماعية التي ينتسب اليها طلاب هذه المدارس ، وفي بلد يتزايد فيه الميل الى تركز السلطة والنفوذ السياسي والاخلاقي استناداً الى معايير الثروة يمكن تصور أهمية خريجي مؤسسات التعليم الأهلي في الحياة العامة . من المهم ملاحظة ان دراسة الحالات الفردية لشخصيات فردية تولت مراكز سياسية وعامة في الولايات المتحدة قد لايفيد كثيراً اذ ان هنالك ميل متأصل لتقديم شخصيات تمثل نجاحاً استثنائياً في المباريات السياسية الامريكية ، ولكن القواعد العامة الفاعلة في إطار الطبقة السياسية التي تشكل القلب النابض للحزبين الرئيسيين في البلاد تنتمي بشكل عام الى تلك الشرائح الاجتماعية التي تمتلك رفاهية المورد المادي والوقت والجهد التي يمكن تخصيصها للشؤون العامة في بلد يقل فيه الاهتمام بالسياسة تحت وطأة الانشغال في هموم تأمين متطلبات المعيشة والحياة اليومية . من هنا مبعث تلك النكهة الروحانية الى حد التصوف في الخطاب السياسي الامريكي بشكل عام ، ويمكن من خلال ذلك ايضاً ادراك مدى النشاز الذي مثله خطاب علماني خالص للاعب سياسي كبير مثل بارني ساندرز ، المرشح الذي سعى لتمثيل حزبه في سباق الرئاسة الأخير عن الحزب الديمقراطي ، والذي تمكن من احراز شعبية ساحقة في اوساط القواعد الناخبة ، لكنه ضاع اخيراً في خضم الحلقات الناخبة الوسيطة التي تمثل المصفي النهائي الذي يتعين على اللاعبين المرور من خلاله ؛ لقد افتُضح اخيراً انه كان ضحية تلاعب الآلة الانتخابية لحزبه التي يسودها عادة ابناء الطبقات التي تمتلك الميل والموارد لارسال ابنائها الى مؤسسات التعليم التي ترعاها الكنائس . لقد كان ساندرز سيمثل المكافئ العلماني اليساري الكفوء ، الذي افلح في اكتشاف كُوَّة ينفذ من خلالها الى قلوب قطاع واسع من العامة ، لمواجهة الشعبوي اليميني ترامپ ، وقد كان بكل المقاييس اكثر قدرة على تحديه في ساحه خطابه ذاتها بدلاً من سيدة كهلة ارتبط اسمها حتى اللحظة الاخيرة بقضايا تثير قلق اي مواطن على أمنه الوطني ، فضلاً عن ثبوت مسؤوليتها عن كارثة السفارة الامريكية في ليبيا . لقد فضلتها النخبة التقليدية ، المتدينة عادة ، على ساندرز العلماني الصلب ذو الأصول اليهودية ؛ وهي ذات النخبة التي جعلت اوباما المثقف العلماني يذهب الى الكنيسة وتحت تغطية إعلامية واسعة لأداء الصلاة قبل أدائه قسم المنصب رغم انه مثل وفقاً لبعض الباحثين وقتاً مستقطعاً من هيمنة الپروتستانت البيض على الحياة السياسية الامريكية منذ عهد نيكسون .

يمثل ترامپ بالنسبة للكثيرين توجهاً شعبياً متديناً يعادي الكثير مما انجزته العلمانية في البلاد . لقد دق البعض ناقوس الخطر بالنسبة لما يعتبرونه انتصارات على جبهة الحقوق وخاصة تلك المتعلقة بما تحقق في عهد سلفه اوباما لمن يسمون ” غير الأسوياء جنسياً ” { لم اجد تعبيراً أفضل لترجمة العبارة المُرَمّزة LGBT لان التصنيف أوسع من المثليين جنسياً } والتي اصبحت تتدرج لتصبح من المعايير الدولية في تصنيف الدول وموقفها من قضية الحريات المدنية ، وهي كذلك فعلاً في التقارير السنوية للخارجية الامريكية . لقد التزم الرئيس الجديد بحماية افراد هذه المجموعة من المواطنين وفق نص الميثاق الوطني للحزب الجمهوري ، ولكن المراقبين الملتزمين بالدفاع عن قضيتهم يلاحظون انكفاءاً عن الدور القيادي الذي اضطلعت به الولايات المتحدة بخصوص قضيتهم على المستوى الدولي فضلاً عن حقيقة ان معظم أعضاء الادارة الجديدة يعتبرون من أشد أعداء هذا الصنف من المواطنين وحقوقهم على أسس دينية . لقد عمل نائب الرئيس مايك پنس حين كان حاكماً لولاية انديانا على استصدار قانون يسمى ” قانون استعادة الحرية الدينية ” والذي يتيح انواع متعددة من التمييز ضد افراد هذه الفئة وكعضو في الكونغرس صوت ضد جميع اللوائح الخاصة بحظر النشاطات المعادية للشذوذ الجنسي في قضايا السكن والتشغيل او تلك التي تجرم مثل هذه النشاطات ، وفي عام ٢٠٠٩ صوت پنس ضد لائحة تدعو لادراج المثلية الجنسية كموضوع يحظى برعاية السياسة الخارجية الامريكية . اما وزير الخارجية تيلرسون فقد منع شمول الازواج المثليين بمزايا الزواج في شركة النفط التي كان يرأسها وقد ظلت هذه الشركة الأكثر سلبية ضد قواعد المساواة في معاملة المثليين حتى عام ٢٠١٦ . اما ماتيس وزير الدفاع فقد عارض خلال خدمته كقائد في الجيش الاعلان عن وضعية المثليين اثناء خدمتهم في الجيش ؛ اغلب هذه المواقف كانت تتم على خلفيات دينية علماً ان اغلب وزراء الحكومة الجديدة هم من المعادين للمثلية الجنسية او يتخذون مواقف سلبية معلنة ضدها على خلفية دينية ، وقد رفضت قاضية امريكية توثيق زواج مثلي باعتبارها تطيع امر ربها .

على مستوى الرأي العام ، ورغم ان الماضي يشير الى اعتزاز الأمريكان بمستوى الحرية الدينية في بلادهم ، فان السنوات الاخيرة تشير الى اتجاهات جديدة . تشير استطلاعات الرأي العام التي اجريت في السنوات القليلة الماضية الى ان كثيراً من الأمريكيين لايوافقون على ان تظل حكومتهم خارج هيمنة الدين ، ويصنف الكثيرون منهم الولايات المتحدة بانها دولة مسيحية ويستشهدون بعبارة ” أمة واحدة بأمر الرب ” وهي العبارة الموجودة في نص قسم الولاء للدولة .

يشير استطلاع للراي اجرته أسوشيتدبرس ان ٤٠٪‏ من الأمريكيين يعتقدون ان القادة الدينيين يجب ان يكون لهم رأي في السياسة العامة ، واشار استطلاع اخر لشبكة تلفزيون فوكس نيوز المحافظة الى ان ٧٧٪‏ من الأمريكيين يشعرون بان المحاكم تمادت كثيراٍ في ابعاد الدين عن الحياة العامة ؛ كما أوضح الاستطلاع المذكور ان ٦٦٪‏ يؤيدون عرض مسرحية الوصايا العشرة في المباني الحكومية ، وقد طالبت بعض الجماعات الدينية بعودة الشعائر الدينية الى المدارس رغم ان المحكمة العليا حظرت ذلك منذ اربعة عقود كما أسلفنا .

يمكن ان نرصد في السنوات القليلة الماضية العشرات من الاحداث المرتبطة بمجموعات وأشخاص ، ومنهم رجال دين ذوي صوت مسموع ، تعلو أصواتها ويزداد علواً بمضي الوقت تتعلق بالدفاع عن مواقف وسياسات ذات طبيعة عنصرية – دينية ، وبعضها ليس طارئاً بل له تاريخ ويحتل مساحة واسعة من التأثير في المحيط الاجتماعي . هنالك العشرات من الأسماء التي يمكن ادراجه هنا وهي معروفة لكل متابع للشأن العام في الولايات المتحدة .

هذه التوجهات بشان هذه القضايا تصلح لأخذها كمؤشرات على تراجع النزعة اللبرالية على المستوى العالمي { سنفرد لها مقالة خاصة } وعلى المستوى الوطني الامريكي ، وهنالك روح من التشاؤم تسود الاوساط الأكاديمية والإعلامية الامريكية الرصينة والمتخصصة في العلوم والشؤون السياسية بشأن مستقبل الديمقراطية الامريكية ، وهنالك اسماء لها مكانتها العلمية والاكاديمية سأقدم بعض منتجاتها في الأيام القادمة .

في عالم اليوم وبعد سقوط الأيديولوجيا الشيوعية وتراجع ظلال نسخها المختلفة المتبقية ، يبدو ان الخيار الوحيد البديل عن اللبرالية المفرطة والعلمانية الاصولية هي التوجهات اليمينية المفرطة التي تشكل نزعات التسييس الديني اهم تجلياتها . التجارب الوحيدة التي اثبتت قرة على الصمود بوجه كل ذلك حتى اليوم هي اللبراليات الاجتماعية .

ان خلط الدين بالسياسة ، بالمعنى الذي اشرت اليه في مقدمة المقال ، هو احد أسوأ الاكتشافات التي توصل اليها الجانب المظلم من العقل الإنساني وهو يتعارض مع روح الأديان الأصيلة ومع متطلبات السياسة الرشيدة في ان واحد . لقد قامت الأديان لتمثل صرخة إنسانية مبكرة في وجه الاستعباد حين رفضت الاعتراف بأية عبودية لنظائر في الخلق ؛ ان جميع المؤسسات الدينية التي تضفي نوعاً من جماعية العقيدة والايمان هي مضاد مباشر لروح الأديان ، وان الدين بمعناه العقدي والإيماني هو علاقة لاتخضع للمنطق بين خالق ومؤمن به وأي عملية تدخل لطرف ثالث فيها يبطلها من اساسها ويحولها الى طغيان . كيف يتأتى لمخلوق ان يزعم انه مخول ، كفرد او مؤسسة ، بالحديث باسم الخالق ، والخالق قد أتم الرسالات ولكل دين روايته في ذلك ؟!

اما السياسة فهي تدبير وإدارة المصالح المشتركة للمجموعة البشرية التي ترتضي ان تعيش وفق منظومة محددة نسميها اليوم دولاً . ان تحقيق المصالح والمنافع ، وهي من متطلبات روح جميع الأديان ، هي السبيل الوحيد للسعادة الانسانية وينبغي بالتالي ان تخضع لمتطلبات الواقع بثوابته ومتغيراته ، ولذلك اليوم مؤشرات واضحة : توفير الأساسيات لما يسمح للشخصية الانسانية ان تعبر عن نفسها دون عوائق بالاكتفاء من ضرورات الحياة والاٌمن والحريّة . ان دخول سلطة دينية لتفصل في هذه الأمور او لتمارس نفوذاً فيها هو افساد مؤكد لها لانها لاتملك لا التاهيل ولا التخويل وهي في نهاية المطاف اكثر أشكال الطغيان بشاعة لانها تسلب حرية العقل والروح والجسد .

ان الخطورة في توجه الولايات المتحدة نحو التطرّف او الحكم الخاضع للدين هو تطور خطير لانها البلد الذي يمثل قاطرة العالم في معظم مناحي الحياة المادية والمعنوية ، وتلك حقيقة أحببناها ام كرهناها ؛ وحتى تتغير موازين القوى في العالم وتحل صيغ علاقات جديدة فان الامر هو كذلك ، ولذلك فان اي تطور سلبي بالاتجاه الذي فصلنا فيه آنفاً يعد تطوراً خطيراً على المستوى الدولي وعامل ضغط يعيق التقدم الإنساني العام نحو الحرية .

شارك
المقال السابقالنظام الخالف والخداع السياسي
المقال التالى‎لملمة الفوضى
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد