أغاني الأعراس في تونس:جهة سليانة مثالا – ج4


 

ب – أغاني الأعراس:
إنّ الزواج هو ظاهرة إجتماعية يتضّمن تعاقد يتّجه بمقتضاه شخصين بهدف تكوين أسرة وهو عادة صاحبت الإنسانية منذ نشأتها وتطّورت معها وهي عبارة عن مجموعة من المراسم والطقوس الإحتفالية يتداخل فيها القانوني الشرعي مع العادات والتقاليد إذن فالزواج بانوراما جميلة من العادات والطقوس التي تصحبها في العادة كل مظاهر الطرب والحبور والغناء بداية من ليالي النجمة إلى يوم الزفاف

حنة العروس:
وهي مرحلة تتّم بعد مرحلة الخطوبة وقبل الزواج بليلة أو ليلتين كلّ حسب إختياره وحسب مجتمع البحث تسمى حنة العروس بحنة الشقاء”نسموها حنّة الشقاء على خاطر يلزم بو لعروسة هو إلي يشريلها الحنة وتحنيّ منها باش يمشي الشقاء والتعب إلي عاناتو في دار بوها” ،وحنة العروس عادة تبدأ قبل ثلاثة أيام من موعد الزفاف فبادئي ذي بدأ تذهب العروس مع قريباتها وجيرانها إلى الحمام بالزغاريد والغناء والعزف على آلة الدربوكة وفيما بعد تبدأ الحنّة أي أن تقوم بتخضيب يديها وساقيها بالحنّاء”تحني ثلاثة ليالي كلّ يوم حنة جديدة تتنحى لولا وتركب لوخرى تجاها حناّنة بالذمّة” ،

والعادة المتّبعة في جهة البحث أن تعجن الحنّة في تبسي فخّار”تتخلّط الحنة في تبسي فخار وتتزيّن بالحلوى والسكر طوابع باش تجي مبروكة مسعودة” ،ومن أشهر الأغاني التي كانت تغنى في حنّة العروس نذكر:


“حنّي يا لبنيّة في صحن بـــــــلار
في إيدك يا لبنية إن شاء الله تحمار
حنّي يا لبنية في صحن بـــــــلار
حنّة قابسية جابوها التجّــــــار”
أو:
“حنّو الحناني والمدى ما طال
في يدّك يا بنيّة معصم البــــــلار
ّّّ
جيبو الحنة في صحن أخضر
تحنوا للعروسة وجملة المحضر
ّّّ
جيبوا الحنّة في صحن بلار
تحنوا للعروسة وقد ما في الدار”

أو:
“للحنة مديّ إيدك للحنّة مديّ إــدك أ
للحنّة طفلة صغيرة وفرحانة مدي إيك أ
جيبوا الحنة وهاتو الحنة خلوا لبنيّة تتهنّى”
كذلك:
“الحنّة لحنينة تحمـــــــــــــــــــار
الحنّة لحنينة جابوها التجــــــــار
في إيدك يا لخيّة إنشاء الله تحمار
الحنة لحنينة جابوها لعـــــــــرب
في إيدك يالخيّة والخاتم ذهـــــب
الحنّة جابوها لعبيـــــــــــــــــــــد
في إيدك يا لخيّة والخاتم جديـــــد”

يمكن القول أنّ حنّة العروس أو حنة الشقاء هي سهرات عائلية تقام في بيت والديها إحتفالا بها وبزواجها، وكما أشرنا سابقا بأنّ حنة الشقاء يجب أن يشتريها أبوها وتحنّي بها لكي تترك التعب والمجهودات الجباّرة في بيت والديها وتبدأ حياة أخرى سعيدة مريحة فالبنت كانت هي من تقوم بأعمال المنزل وهي من تساعد أمهّا في تنظيف الصوف والغزل ورحي الحبوب والطبخ والإعتناء بأخوتها….فحنّة الشقاء إذا هي الحّد الفاصل بين بيت والدها وبيت زوجها تحنّي بالحنّة القابسية لأنّ واحاتها مشهورة بإنتاجها وبلغ صيتها كل جهات البلاد.

وبعد الإنتهاء من حنّة الشقاء ويوم “لوحان القمح” أي يوم الوطية سميّ “بلوحان القمح” لأنه يؤتى بكيس من القمح أو الكسكسي ،وشاب آخر يسوق الذبائح وثالث يحمل التوابل وكل ما يلزم على دقّ الطبل والزكرة فيوم “لوحان القمح” هو أولى مراحل العرس السلياني”نقولولو لوحان القمح إلي يسموها تو لوطية نجيبوا فاها العقيرة (كسكسي ،أفحات،زبيب،حمص،ذبايح،وكل ما يخّص ماكلة العروسة)،نجيبوه بالتزمير والوغاريد وبالطبال والزكار” وهذا الموكب يسمّى بالفزعة ،وصولا إلى يوم الطعم،أي يوم الزفاف .

يوم الطعم:(الزفاف)
وهو اليوم الذي تكتمل فيه زينة العروس حيث تزّين بأجمل أنواع الحلّي كالطواقير،لخراس،الحجر،السلاسل،لخلال…وفي العادة تلبس”السورية والذراّية،الملحفة والحولي والبخنوق،وهذه الأغنية الخاصة بليلة الطعم مثال على ذلك:
“حفلت بالديباج والذهب هـــاج
مكحولة لخناج تمشي عوجــــة
ظهرت ما بين الغوالي علوجة

إلي يخزر لفاطمة وصايــــــم
صيامو باطل يمشي يفطــــــر
حفلت بالكنتيل وخواتم ربيل
فازت فوق الخيل بجمايلـــها”

والعريس عادة ما يكون مرفوقا بالعرّاسة الذين يرشدونه إلى كيفية التعامل مع العروس خاصة فيما يخّص الثقافة الجنسية،وعند حلول الليل وقبل صلاة العشاء يأتي العريس لأخذ عروسه،ويجب أن نشير إلى أنّ أغاني الطعم متنوّعة وكثيرة جدا لم نجد صعوبة في تجميعها سوف نذكر منها مايفي بالغرض وسوف ندرج الباقي في الملاحق.

“سوجا لحمام ياو محلا إمباركـــــة
زرقت لوشام بنت العرش الغالــــــي
وكي طلعت تدّهكل تلقى خوها في المحفـل
والعنين شهل ياو بنت العرش الغالي
هاي طلعت تسيس تلقى خوها مع البوليس
في سوق لخميس يربط الناس الحــزارة
هاي طلعت بالسياسة تلقى حمّة مع العرّاسة

بنت العرش الغالي”
وهي أغنيّة تصّور جمال العروس وحشمتها في ليلة زفافها وقد زينت بالوشم وهو صور ورسوم ترسم بمادة الكحل أو الغنج الموجودة في قاع القدور حيث يأخذ آلة حادة كالسكين ويجرح ما تمّ رسمه فيتداخل لون الدم بلون الكحل لنحصل في الأخير على لون أخضر أي الصورة النهائية كما نراها وكان يرسم خمسة ،حوتة على الخدود والجباه والأيادي وذلك لطرد العين الحاسدة.

“يا للّا علاش ناسك رحّالة يا للّة عـــــــــــــــلاش
شاش لعقل لبعضانا هللّة عــــــــــــــــــــــــــــلاش
ونمشوا إل برقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــو°
حسيت جواجيا تحرقو آش حال ثنين ديما يتفرقو
وهذاك حال الرجاّله ها للّة عــــــــــــــــــــــلاش
هاي نمشي لعشيّة مشينا خطـــــــــــــــــــــــــّابا
فكا لبنيّة هذاك بابــــــــــــــــــــــــــــــــاها وهيّ
هوما ليعطونا لبعضانا هاللّة عــــــــــــــــــلاش
هي للّة واشي واشي هي لالي للّـــــــــــــــــــــة

لسمر طوّل ما جاشي ويـــــــــــــــــــــــفرج الله”
هذه الأغنيّة تصوّر حالة العاشق الذي فتن بمحبوبتة وهي من برقو ،وبرقو منطقة من مناطق سليانة تتميّز بجمال ربوعها الخضراء ملجأ العديد من الشعراء والأدباء،تغنى في الأعراس والمناسبات السعيدة.

دون أن ننسى أغنيّة “ريم الفيالة” إذ لا نجد عرس في منطقة البحث يخلو من هذه الأغنية الشهيرة فهي تدخل ضمن الأغاني التراثية العريقة التي تشتهر بها سليانة
“وعلاش دلاله هامريم وعلاش دلاّلــــــــــــة
وعلاش دلاّلة ها مولاة العين الذبالة ها مريم
يا راكبة في الكاليس نعطيك أمـــــــــــــــــــــــــاره
إطا عرضك البوليس لولاد سكـــــــــــــــــــــــــاره
شاربين شراب الروم”
وينتهي الزفاف عادة في ليلة متأخرة من الليل بأغنيّة توحي بنهاية السهرة وتوديع الجمهور كأغنية:
“الله يدّوم هناه مولا الفرح كلحقنا منــــــــــــاه
الله يدّوم النجمة ونعقبوا للجحــــــــــــــــــــــــفة

الله يدوّم حياتو تفرح إميمتو وخياتــــــــــــــــوا
وميمتو إلي جاباتو سلطان تسّبع والرسول معاها”

وعادة في أخر السهرة يتمنى له حياة سعيدة مليئة بالهناء والخير والبركة في شكل أغنية تتضّمن كل مظاهر الفرح والغبطة يصّلى فيها على رسول الله لحيمايته من العين الحاسدة،وكلمة “تسبّع”أي ذكر رقم 7 كذلك طاردة للعين والحسد حسب معتقدات مجتمع البحث،كذلك نجد أغنية أخرى تختم بها السهرة ألا وهي:
“لا يلاه إلّا الله والفرح واتانا
كل من عادانا هاو جانا وهنانا”

وهذه الأغنية نلمس لها حضورا في جّل المناطق التونسية وهي أغنية ختامية لها نفس معاني ونفس التمني الموجود في الأغنية السابقة.
لا يختلف إثنان في أنّ أغاني المناسبات والأفراح التراثية مازالت حاضرة بقوّة في مجتمع البحث رغم تطّور التكنولوجيا والعولمة إلاّ أنّ مجتمع البحث لا يزال متمسك بأغاني الأفراح التي تعكس هويته وتراثه وعاداته ففي المقابلة الميدانية وجدنا كل التعاون والتفاعل في مدّي بأغاني الوطية (لوحان القمح)، وأغاني الزفاف(الطعم)،حيث لا نجد عرس يخلو من هذه الأغاني البدويّة الرائعة التي نحاول جاهدين االمحافظة عليها من التلاشي والإضمحلال وإعادة إحيائها فبقدر ما هناك تشبث بالموروث الغنائي بقدر ما هناك نسبة كبيرة تحاول تقليد الآخر لا في مستوى الأغاني ولكن في مستوى الطقوس المرتبطة بالزواج .

5- أغاني الملالية:
يقال المرأة تلالي بمعنى تغنّي وتبدأ المقطع الغنائي ب (يا لا لا يا لا لا يا لا لالي)”ويمكن إعتبارها نوعا من أنواع الموّال البدوي إذ يستهّل هو أيضا بلون من ألوان الليالي” وهذا النوع من الأغاني يعّد حديثا حيث برز “متأخرا زمنيا مقارنة بأغاني المحفل” وهي من نوع الشعر المثلث الذي يتركّب من ثلاثة أغصان ،وتكون هذه الأغنيّة تلقائية عفوية تؤديها المرأة بنبرات حزينة نوعا ما تعبّر فيها عن تطّلعاتها وأمالها وأحلامها معبرّة فيها عن رفضها وعدم قبولها لقوانين المجتمع البالية الذي منعها من التعبير عن رأيها وكل ما يختلج في نفسها ،فجاءت هذه الأغاني لتناجي بها نفسها المجروحة بكل حرية حيث تعّد المتنفّس الوحيد لها ومن أهمّ ما قيل في مجتمع البحث من هذا النوع من الأغاني نجد:

“يا لالا يمّة ظلموني على باب بيتي حطولي عسّاس
على الغالي نبكي بالنغــــــــصة
يالالا يا حليلي حليلي زهري يمّة لحنّانة معــــكوس
يا لالا يمّة إجريلي على ولفي نصبولي العـــــسّة
يا حليلي حليلي نحب نمشي معاه”

وهذه أغنيّة وجدانية تعبّر عن حالة المرأة العاشقة التي نصبوا لها حارس على باب منزلها وكذلك على حبيبها حيث أصبح لقائهما مستحيل،وهي أهزوجة تعكس نفسيتها وآمالها وتنّم

عن رفضها لقيم وقوانين المجتمع البدوي الذي يمنع منعا باتا صورة الفتاة المتحررّة المعبّرة عن هواجسها ورغاباتها .
أو أغنية “حبيبي لسمر” وهي أغنية تراثية تتميّز بها جهة سليانة تعبّر عن حبّ الفتاة لحبيبها أسمر اللون الذي سحرها بجماله:
“ويالالالي ويمّا حنّا
صبيلي نشرب في كاس مكّــسر
حبيبي لسمر لا باشي يصـــبّر
ويالالالي ويمّا حنّا
صبيلي نشرب في كاس منقــوش
وحبيبي لسمر لا منفارقهـــوش
ويالالالي ويمّا حنّا
ويمّا حنّا شعري طـــــويل
ياوشعري يوصل لاكتـــــــــــافي
وحبيبي لسمر ماعندو خـــــلافي
ويالالالي ويمّا حنّا

صبيلي نشرب في كاس مـــــدّور
وحبيبي لسمر وعلاش يــــــدّور
ويالالالي ويمّا حـــنّا
ويمّا حنّا شعري طويـــــــــــل
ياو شعري يوصل لحــــــــــزامي
وحبيبي لسمر إمشى وخـــــــلاّني”
وهذه أغنيّة “ملالية” تعبّر عن جمال جهة سليانة الخلاّبة وتقول هذه الأغنيّة:
“يالا لا يا القصبة رنّت وضربها واحد عيّاري
خالي غزال دم عروبي
يا لالا يا جبل برقو فيك العرعار والصنوبر
خالي يا هلال أكتوبر
يا لا لا يا جبل السرج فيك الكليل والزعتر
خالي عياّري كبير
يا لالا هزيت عيني قابلتني كسرى وبنيتها

يا حليلي ما بهى طلّتها”
هذه الأغنيّة تعبّر عن جمال جهة سليانة من خلال بنيان جهة كسرى وجمال جبل برقو وجبل السرج الذان يعّدان من أحلى وأبهى الأماكن من خلال ثرائهما بالنباتات كالإكليل والزعتر والعرعار والصنوبر وهي نباتات أساسيّة وضرورية لكل عائلة في جهة سليانة حيث تستعمل للمطبخ من جهة ولعلاج مختلف الأمراض من جهة أخرى.

وهناك أغاني ملالية أخرى تعبّر عن حبّ الأخت لأخيها وشعورها الجيّاش نحوه:
“هيلالي لا خويّا نــــــــــــــــــحبّوا
وحبّوا جاني في الكبـــــــــــــــــدة
ما جاش ليوم يلحقني غــــــــــدوة
يا لسمر خويا نحب نزهى معـــاك
هيلالي البارح جـــــــــــــــــــاني
يلقاني راقدة وممــــــــــــــــــدودة
هاو باسني خويا ملعين الســــودة
هحليلي حليلي نحب نزهى معاك
هيلالي لا البارح جــــــــــــــاني

يلقاني علمــــــــــــــــــــــــــخّدة
يا مخّر يا الليل تعّـــــــــــــــدى
هلسمر خويا نحب نزهى معاك
هيلالي أرقد أرقــــــــــــــــــــد
أرقد ها وتوّسد زنـــــــــــــــدي
وإتمتّع يا لسمر مادامك عنــدي
أحليلي حليلي نحب نزهى معاك”

هذه الأغنية الملالية بعنوان “لسمر خويا” وهي أغنية وجدانية بأتّم معنى الكلمة تعبّر عن مدى حبّ وإشتياق الأخت لأخيها وهي في الغربة فتارة تحلم بقدومة وطورا تتخيّله نائما بجانبها فالأخت وإلى اليوم تحّل محّل الأم في العطف والحنان فهي كائن حساّس وهي منبع الصدق والإخلاص خاصة تجاها أخيها فنجدها تريد الرجوع إلى الماضي زمن اللعب واللهو وأسترجاع الذكريات الجميلة “نحب نزهى معاك” ،وهو كذلك محّب لأخته الحنونة “هاو باسني خويا ملعين السودة”،بذلك لا تكتمل صورة الأخت بدون أخيها فجاءت في شكل أغنية ملالية تقليدية شعبية تعبّر عن العلاقة الجميلة المتينة بين الأخت وأخيها وما يختلج في صدرها وهي في الغربة بعيدة عنه.

لا تعليقات

اترك رد