توازن التكوينات الفنية الإنشائية لدى الفنان شاكر خالد

 

ما تفرزه الأعمال التشكيلية، في مرحلة تقبل إستلام باثاتها الإشارية, هي الصفة الرئيسة لمفردات ( أسس ألفن التشكيلي ) كما هو الحال في أعمال الفنان – شاكر خالد – التي تتوافر فيها قوانين الضبط التوازني للتكوينات ، وما تليها من أسس أخرى مكملة : كالحركة، والإيقاع المتكرر والحر، والوحدة، والسيادة، وعندما تصل إحدى المفردات الضبطية إلى مرحلة الإتقان المعرفي والتطبيقي، فإن المفردات الأخرى ستكون ملاحقة لها ضمن مسار الشروط المتبعة لأسس الفن التشكيلي، ولقد توافرت تلك الشروط، نتيجة للمارسات التجريبية المكثفة له عبر سنوات عديدة، تمخضت فيها تنوعات من التجريب،

ولازالت كل تجاربه تخضع إلى تقنيات الأداء الأكاديمي، مع أساليبه المنفتحة في التصاميم الإنشائية التي تفسح المجال إلى دخول مفردات ومصادر التراث القديم والفلكلور الشعبي الإجتماعي. .إن الفنان – شاكر خالد – من مواليد بغداد، مطلع الخمسينيات، عضو نشط ومتواصل في جمعيات ونقابات الفنانين والصحافيين، له مشاركات متنوعة داخل العراق وخارجه عبر معارض عديدة تؤكد على تميز أعماله الإبداعية، ولقد كانت مسيرته مليئة بثراء العطاء المستمر، حيث عمل في جريدة «الجمهورية» وجريدة «العراق»، بأعمال تفصح وتنطق باللغة الصحفية والإعلامية، فضلاً عن عمله مديرا للمعارض والقاعات الفنية، كما كان مدرسا في الجامعة المستنصرية لسنوات سابقة… لقد كانت إنجازاته تتناسب مع طول المدة التي تواصل معها عبر سنوات من العطاء المتنوع، إذ كانت إنجازاته مفعمة الرؤى، بجمال التراث وعراقته الزمنية والمتنوعة، حيث يستخدم كوامن الذات لهواجس المشاعر الوجدانية، مما يجعلها تمتليء مساحات السطوح والخامات بتدوين تلك الطاقات المحتبسة في داخل الفكر والتجسيد،

من خلال تقنياته الفنية الناضجة، حيث يخَلّد نظرتَه الجماليّة فتحكي ألق حضارة وادي الرافدين والحضارات الأخرى المتجاورة، ثم يليها التراث الإسلامي بصيغته الزخرفية والمنمنمات بدقة – (الميناتور ) وما يجازره ويتداخل مع تكويناته، من الخط العربي بأنواعه، لقد كانت تلك التأسيسات من المنجز الإبداعي التشكيلي، هي مساهمة فعالة في تعزيز وترسيخ أوجه الهوية عبر منطق الإبداع، بأعتباراته التأثيرية على الشعور الوجداني والإدراك العقلي والمعرفي، كمنطق تسجيلي مدون في لائحة التخليد، إذ يعتبر التشكيل ومنه الرسم إحدى وسائله المضافة للتدوين ،إن الأثر التشكيلي لديه يشكل إفصاح عن جوانبه المرصوفة بثمار التجسيد بأدواته وبأبعاد العملية الفنية حيث تحيل على الإنشداد نحو المكان والصومعة والجداران، والبناء الشكلي بقيمه الجمالية، بتنوعاتها الزخرفية والخطوط، إذ تنطق بحيوية الحركة والشكلانية المتناسقة لكي تتكامل عملية التبادل بين الإفصاح والتقبل، أو بين الإصدار والتلقي لديمومة التواصل بمستويات قيم الجمال وعمق الرؤية، عندئذ يتم عامل الإثارة والأدهاش، من خلال إنتقاء مستويات القيم اللونية والتصميمية لمفردات أعماله الدالة على التنوعات في منتجه ومنجزه الإبداعي، وتبدو عنايته ودقة هندسته لمحتوى اللوحة موزعا بين الشكل الصارم والإختيار المواتي لفكرته النابعة من شعوره العقلي أو الاشعور الباطني …

حيث نجد في أعماله التي تقترب من التجريدية تبتعد عن العفوية التلقائية، المبنية على العشوائية في التوزيعات اللونية، مجسدا ذلك باختياراته المضمونية والإنشائية الجمالية، وكذل مبتعدة عن هاجس الشعور الوجداني المستفز للشعور بمنطق الموت والرعب، حيث يجسدُ الرغبة في معانقة الحياة عبر فضاءات يبدو عليها الثراء والتبجيل والجمال ، إنه الأمل وديمومة الحياة، ُ لخلق الربط بين الذكريات والحياة المعاصرة، إنها إنشداد نحو الإقبال على تأمل مساحات التنوع في الأبعاد وعمقها الفضائي، والإقتراب من تجسيدات الأشكال المعمارية ومفردات الطبيعة كالقباب والأماكن العبقة بأريج تاريخها المجسد في مدونات الأماكن المجاورة زمانا ومكانا، في لوحات تأخذ مساحات الحجم الجداري،بالقياس والشكل، وبالرغم من تجسيدات الأشكال الجمالية المبهجة للعين, إلا إن الفنان – شاكر خالد – يقتبس من ذاكرة التاريخ رموز تراثية على وفق رؤية إنتقائية معززة بالأداء المرتبط بمحصلة الخبرات التجريبية، وبالرغم من تجسيد جوانب روحية الحياة في قيمها الجمالية للتفاؤل، إلا إن هنالك تأثيرات مرتبطة بمآسي المحيط للبلد الذي يصاب بمراحل التعثر وعرقلة النهوض من كبوته، فهو في منجزه الإبداعي يحاول أن يجسد أحداث التباين بين الأمان والصفاء والوئام وبين فقدان متطلبات الحياة الدائمة. . في أعماله تنوعات إلامتزاج بين ثيمات متعانقة لتجسيد مشهد تراجيدي، أو لتخلد سرور مبهج في أعماق الوجدان العاطفي والجمالي .

– تنوعات وتداخل –
في اللوحة الواحدة. .نجد هنالك تنوعات في مصادر للأشكال التكوينية، بعضها أجساد لخيول يجاورها أو يرتكز خلفها مفردات لأواني فخارية ومعدنية وزجاحية، البعض منها تراثي قديم والبعض الآخر معاصر، وجود توزيعاتها المتعددة يمنح الأجواء مزيدا من التأمل والإسترخاء والتمتع التذوقي، برغم الإختلافات. . وفي أعمال أخرى أعمدة من الجداريات متنوعة الألوان والإتجاه بشكل أفقي ورأسي، تتخللها حروف وعبارات خطية بأنواعها.. كالخط الديواني والكوفي وغيرهما. . تم تنفيذه على وفق منهجية التصميم المتناسق وبشفافية متدرجة. .وبنوعين من العمق الفضائي، القريب بألوانه الصريحة، والبعيد بألوانه الباردة المتلاشية في العمق المنظوري. .ويحصل ذلك بإستدارات لونية مختلفة، ولكن توضع على نفس العبارات الخطية، أي إختلاف في الألوان وإبقاء نفس إمتدادات العبارات الخطية، ولكن تتغير مطبات أجواء ألوانها.

وفي أعمال أخرى تتضمن شخوص ورموز تراثية, كالثور المجنح, وقبب و منارات، يتداخل وجودهما مع أجواء، منها معاصرة ومنها تراث إسلامي. .وخاصة الكلمات والجدران المعمارية، ومنها شخصيات تمثل المرأة العراقية التي تتمثل بشخصية ( سمير أميس ) يعلو رأسها شعار الشمس من حضارة وادي الرافدين والتي تسمى بالإغريقية: ( Μεσοποταμία ميسوپوتاميا، بمعنى ما بين النهرين) وهي منطقة جغرافية تاريخية تقع في جنوب غرب آسيا. تعد من أولى المراكز الحضارية في العالم . وهي تقع حالياً في العراق، سوريا وتركيا ما بين نهري دجلة والفرات. وأشهر حضاراتها هي حضارة سومر وأكد وبابل وآشور وكلدان، وبعض المعلومات تؤكد إن شعار الشمس هو في إحدى مسلات نرامسن. .

ألمهم، إن تلك الإختيارات من الرموز والشعارات تمنح الأعمال مزيدا من الإنجذابية والتمتع البصري والتبصيري من خلال أعماله المتقنة. . كما إن هنالك أساليب أخرى مختلفة تماما عن تلك التراثيات المليئة بالتشخيص. . أعمال فيها خطاب يتضمن لغة التجريدية التعبيرية، ولكن فيها نفس قوة القيم الجمالية من خلال فرش الألوان بجرأة وحيوية الحركة لأطرافها، والتي أخذت مساحات واسعة من الكتل في اللوحة، أي عدم الخوض في تفاصيل دقيقة، مثل أعماله التراثية والفلكلورية التي تصل فيها دقائق الحيثيات إلى مستويات الإتقان (الميناتور ) الدقيق للمنمنمات، والأمر ينطبق ليس على دقائق الوحدات الزخرفية وإنما المساحات الفضائية والحروف الخطية . وتشكل الأرضية تكملة للتكوينات التشكيلية الرئيسة من وحدات زخرفية هندسية فيها تماثل وتناظر وتقابل، تتوسطها بؤرة مركزية تنطلق من خلالها تكملة الوحدات الأكبر حجما، وبين فترة وأخرى يعود حنينا ومهارة لممارسة التخطيطات بأقلام الفحم والرصاص بدرجاته السوفت والهارد، أي بدرجات ال – ج ب – ،

وفي مجالات أخرى تتضمن شخوص شعبية يستغرضون مواد متنوعة من الفلكلور كالأقمشة والسجاد وغيرها من الميثلوجيا المعاصرة للمجتمع، تلك التنوعات تمنح المتلقي درجات من الإنتقالات البصرية والتأملية رافدا من التمتع الشكلاني والإنجذاب والتوقف والأمعان والقياس والمقارنة والإعجاب, وفي مراحل نتائج أعماله الأخير، بعد الدخول في مسابقات، ومقارنة مع أعمال أخرى من التصاميم. . تم إختيار تصميم الفنان التشكيلي – شاكر خالد – لوزارة الدفاع – كأفضل تصميم، يتسم بإنجذابية مبهجة ومتوازنة ومنسجمة في التكوينات الفنية الإنشائية المتجاورة .

شارك
المقال السابقنحوٌ و صرف
المقال التالىنوبات من الموت

ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تن....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد