محنة الاستبداد في العالم العربي – ج١


 

يمر عالمنا العربي والإسلامي في الوقت الحاضر بأزمات داهمة ومقيمة حالت دون وصوله إلى تحقيق الحد الأدنى من تطلعاته وأهدافه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وذلك في أن يرتقي بواقعه إلى مستوى الحياة اللائقة والإنسانية أسوة بباقي شعوب وحضارات العالم.. وأن يعيش معها بسلام وعدل وتكافؤ إنساني.

وقد تعرضت الشعوب العربي على مدار تاريخها السياسي الحديث لأهم تلك الأزمات وهي أزمة وجود الأنظمة الشمولية التي وصلت إلى السلطة بقوة السلاح والمال، وتسلّطت على رقاب العباد والبلاد، وحافظت على طغيانها ووجودها بالسيف والعسف والقمع والاستبداد.. الأمر الذي جعل هذه الشعوب العربيةتفضل الركون والسلامة والاستسلام، وتلتزم أقصى حدود الانضباط في مواجهة جحافل القوة والقمع الشديد على مدار عقود طويلة.

من هنا –وفي مواجهة ما يحدث- يمكن أن نعتبر أن صمت الشعب العربي من المحيط إلى الخليج (على كل تلك الهزائم والمآسي السياسية والاجتماعية) ما هو إلا نتيجة طبيعية ومنطقية لكل تلك الممارسات الظالمة التي ارتكبت بحقه، ولذلك ينبغي علينا ألا نتوقع من مواطن جائع خائف محبط مستضعف، عاطل عن العمل، وفاقد للأمل، أن يخرج معارضاً أو مناصراً لقضية معينة، إذ أن لديه ما يكفيه من الهموم والمخاوف والأزمات والابتلاءات والضغوطات اليومية على الصعيد المعيشي والشخصي والاجتماعي، وحين يفرغ منها قد يفكر بالشأن العام.

وقد يبدو صحيحاً أن طبيعة “التواجد الجغرافي المميز” للعرب والمسلمين في موقعهم الراهن -المليء بالثروات والموارد والطاقات المادية والبشرية الكبيرة التي لن تنضب خلال مئات (وربما آلاف) السنين- هو أحد أهم الأسباب التي جعلت (وتجعل) هذه المنطقة عرضةً –على الدوام- لمختلف ألوان المؤامرات والفتن والاضطرابات والمخططات الإقليمية والدولية الرامية إلى تعميق سيطرتها وهيمنتها المباشرة على مقدرات المنطقة، ونيل ما يمكن نيله من مكاسب خاصة بالدول الكبرى، وتحقيق منافعها ومصالحها الاقتصادية والاستراتيجية على حساب المصالح الأساسية الخاصة بالسكان الأصليين والمالكين الحقيقيين لهذه المنطقة.. ولكننا نعتقد بأنه من الأهمية بمكان أن نلاحظ أنه وبالإضافة إلى الدور المركزي الذي يلعبه “العامل الجغرافي” -في مجمل الأزمات التي عانت منها منطقتنا الإسلامية (وهي ما تزال تتلاحق فصولاً، وتتوالد ذاتياً وموضوعياً على مختلف الأصعدة والمستويات)- فإننا يجب ألا نغفل عن أهمية العامل الداخلي في وصولنا إلى هذا المستوى المنحدر والخطير في أفكارنا وسياساتنا العملية التي نعاني فيها جميعاً من تعمق وتجذّر وامتداد ظاهرة وفكرة “الاستبداد المركّب والشامل على كافة مواقع الأمة فردياً ومجتمعياً.. ولذلك نحن نعتبر أن هذا المرض هو أهم مشكلة بل هي مشكلة المشاكل التيتعيشها الأمة في وقتنا المعاصر، وهي تريد أنْ تنفض عن نفسها ركام التخلف والاهتراء الحضاري، وتتحرك في الحياة والتاريخ لتنهض وتتطور وتزدهر وتنافسوتحضر في العصر.. ولكنها حالياً لا تملك الطاقة الحركية التي تدفعها لبناء واقعها.. وهي طاقة الحرية المسؤولة والقدرة الواعية على الاختيار الصحيح والتفكير العلمي الممنهج، والتعبير السليم، والإبداع المتنامي المتراكم.. لأنها ما زالت في وضعية المتلقي والمتأثر والمنفعل بسبب بقائها مسجونة في قفص الاستبداد والتسلط الذي صنع حواجز نفسية وفكرية وتاريخية عميقة يمنعها عن الحركة الإيجابية نحو بناء المستقبل المشرق.
فالاستبداد والتسلط والعنف العاري بمختلف ألوانه وأشكاله هو شيء أعمى يسير عكس حركة التاريخ والحضارة والحياة الإنسانية الطبيعية.. لأنه يقف على طرفي نقيض من حرية الإنسان، ومن قدرته على تحقيق الاختيار السليم، بل إنه يشل طاقة التفكير واستخدام العقل والفطرة الصافية عند الإنسان، ويرهن مصائره للمجهول، ويجعله أسيراً بيد الجهل والتخلف والامعية والاستتباع الحضاري.. وهنا تقع الكارثة الكبرى عندما يفقد هذا الإنسان حريته.. لأنه يفقد معها كل شيء جميل في الحياة.. إنه يفقد العزة والكرامة والأخلاق والعلم والوجود، وبالتالي يكون مصيره الموت المحتم أو العيش على هامش الحياة والوجود.
هذا وقد أدى تفاقم وضعية الاستبداد في بلاد العرب –مع تقادم العهود والأزمان- إلى قيام النظم المستبدة والمتسلطة بالضغط المستمر على العباد والبلاد، وعدم اهتمامها بأبسط حق من حقوق الإنسان وهو حق التعبير عن الرأي والاعتراض السلمي الهادئ على الممارسات الخاطئة والسياسات الظالمة الفاسدة والمفسدة التي أصبحت تتحرك علانية هنا وهناك في كثير من مواقع الحياة العربية، وبدأت تفعل فعلها السلبي في جسد هذه الأمة، خصوصاً بعد أن قام أصحابها بتقنينها ووضعها قسراً ضمن أنظمة السلوك اليومي الذي يجب أن يسير عليه الفرد والمجتمع، الأمر الذي أدى إلى أن ننتقل من هزيمة إلى أخرى ومن خسارة إلى أخرى، حتى وصلنا -في عالمنا العربي والإسلامي- إلى مرحلة الضياع والتشتت واللاتوازن، وتحكم الآخرين بنا، والهيمنة على مقدراتنا، وبالتالي فقداننا القدرة على العمل والحركة، وامتناع واقعنا العربي المتردّي على التغيير (أو حتى على أي إصلاح بسيط)، وانتظاره التوجيهات والأوامر الخارجية من البيوت البيضاء والسوداء.
وبالنتيجة كان من الطبيعي جداً أن تصل هذه الأمة إلى ما وصلت إليه الآن –في داخل اجتماعنا الديني العربي والإسلامي- من انهيار وتفكك وتفرق وتبديد للطاقات والقدرات، حتى تكالبت باقي الأمم علينا، بعد أن سيطرت الدولة المركزية والشمولية (الحديثة!) على كل مواقع الحياة العربية والإسلامية، وعلى حساب كل التنظيمات والمؤسسات الأصلية التي تتكون منها مجتمعاتنا الإسلامية.. حيث رأينا كيف فرضت تلك الدولة العربية (التحديثية!!) وصايتها على المجتمع كله، وضربت قواه الأهلية والمدنية الحية، وسيطرت عليها بالكامل (إلغاءً أو إلحاقاً وتبعية).
من هنا كان التحدي الأبرز والأهم الذي بات يواجه مختلف مواقع مجتمعاتنا العربية –بمختلف نخبها وتياراتها وقواها الحية الفاعلة- هو ظاهرة “الطغيان والاستبداد السياسي” التي أضحت مسؤولية تفكيكها ضرورة حيوية، ومدخلاً جوهرياً لإحداث أي تغيير أو إصلاح بسيط في عالمنا العربي، كونها المرض المستفحل الذي لا تطور للأمة من دون علاجه جذرياً..

لا تعليقات

اترك رد