ولكم من مكتبتي كتاب : الكتابة السّيرذاتية


 

الكتابة السّيرذاتية
كتاب الأيّام لطه حسين نموذجًا

-تقديم الكتاب:

يتركّب كتاب الأيّام لطه حسين من ثلاثة أجزاء(1) نشرت في فترات زمنية متباعدة فقد نشر الجزء اّلأوّل مسلسلا في مجلة [الهلال] من 01-12-1926 إلى 01-07-1927 ثمّ طبع في القاهرة سنة 1929.

وأمّا الجزء الثّاني فقد ألّف في ما بين جويلية وأوت سنة 1939 وطبع بالقاهرة سنة1940 ونشر الجزء الثّالث مسلسلا في مجلة [آخر الساعة ] من30-03-1955 إلى 29-06-1955 وذلك أسبوعيّا. وقد طبع ببيروت سنة 1967 بعنوان [مذكّرات طه حسين] وأعيد طبعه بالقاهرة سنة 1972 بعنوان [الأيّام الجزء الثّالث] على أنّ من النّقاد من لا يوافق على ضمّ هذا الجزء إلى سابقيه مثل الأستاذ فؤاد القرقوري إذ يقول:<<أمّا ما يسمّى بالجزء الثّالث من كتاب “الأيّام” فلا علاقة له بكتاب “الأيّام” لا من حيث النصّ ولا من حيث طبيعة اللحظة الباثّة>> (2).

ومن حيث المحتوى يختصّ الجزء الأوّل بطفولة الكاتب وصباه وكيف حفظ القرآن في الكّتاب، ويشوي <<سيّدنا>> الشّيخ الّذي حفّظه إيّاه، بالسّخرية والمكر فقد “سأله الصّبي ذات يوم: ما معنى قول الله تعالى:<< وَخَلَقْنَاكُمْ أَطْوَارًا>>؟ فأجاب هادئا مطمئنا: خلقناكم كالثيران لا تعقلون شيئا”ويعرض طه حسين للشّيوخ في الأقاليم وللفقهاء وكيف أنّهم في الغالب كشيخ كتاّبه يجهلون أمور دينهم ويفهمونه على قدر عقولهم الّتي لم تصب إلاّ القليل الضّحل من العلم. ولهذا فعل السّحر والتّصوف الأثر الغيبي في أفئدة أهل الرّيف. وشاعت بينهم الحجب والتمائم. غير أنّ طه حسين ترك القرية ونزل القاهرة عام1902 ليجاور في الأزهر. أيّان حلّت به الخيبة المريرة. فقد سمع يوم الجمعة الشّيخ في الأزهر، يخطب ويحدّث. فما عثر عنده على شيء يميّزه من شيخهم هناك في الصّعيد.

ويختص الجزء الثّاني بحياته في الأزهر وخاصة الفترة الزمنيّة الممتدّة من سنة 1902 إلى سنة 1910 وليس هذا الجزء سوى لائحة اتّهام وإدانة للدّراسة الأزهريّة الّتي ضاق بها طه وزهد فيها وخاب منه الأمل المعقود عليها، بحيث أنّه ما إن فتحت الجامعة المصرية أبوابها حتّى خفّ إليها وغدا مع الزّمن ابنها البارّ.

وأمّا الجزء الثّالث فإنّه يتحدّث عن حياة الكاتب في الجامعة المصريّة وحياته في فرنسا ودراسته وزواجه ثمّ عودته إلى مصر. ويتعلّق بالفترة الممتدّة من سنة 1912 إلى سنة 1922.

-تقديم الجزء الأوّل من كتاب الأيّام:

يضمّ الجزء الأوّل عشرين فصلا تتفاوت طولا وقصرا. استهلّها الكاتب بذكرى حادثة العمر. واختتمها برسالة إلى ابنته يكشف لها فيها عن بعض خفايا النّفس ومعالم النّضال. وبين المدخل والخاتمة مدّ الصّبيّ شارات بارزة مثّلت إحداثيّات مساره كالقناة وأبعادها وحدودها ومخاطرها. وحادثة الطّعام وما دفعته إليه من مجاهدة وتحريم ،و لزوم ما لا يلزم، ومكانته في الأسرة وما اكتنفه من رعاية و إهمال وعلاقته بالكّتاب وحفظه القرآن وأطواره وامتحاناته وما كان له مع سيّده والعريف والصّبية من جدّ وهزل وانصرافه من الكّتاب إلى الشّيخ عبد الجوّاد وما كان من عيوب “سيّدنا” والعريف وخيبة أمل الصّبي في الالتحاق بالأزهر وتباهيه في الكّتاب بالألفيّة واتّصاله بقاضي المحكمة الشّرعية وبعلماء الرّيف على اختلاف درجات علمهم، والمتصوّفة وبدعهم وعلاقة بعضهم بأسرة الصّبي، وبعلم السّحر والطّلاسم واتّصاله بالمهندس المطربش المزدوج التّكوين وعلاقته البريئة- على حدّ تعبيره- بزوجة المهندس الصّغيرة وما وسمه من أثر عميق لوفاة أخته الصّغرى إهمالا وإصابة أخيه الشّاب بالكوليرا ثمّ إقباله ثانيا على الأزهر وحضوره جانبا من دروسه الابتدائية.

الباب الأوّل: المكان

شمل المكان في الأيّام مؤسّسات أصليّة وقارّة في الحيّ الإسلامي وفي تكوين الفرد وتنمية شخصيته. وهي مؤسّسات اجتماعيّة وتعليميّة ودينيّة ينتظم بواسطتها عمران الحيّ في صلة شرعيّة تنتظم بواسطتها حياة الجماعة الإسلاميّة دينا ودنيا في الرّيف المصريّ أساسا. وهي عناصر قارّة في مسار طبيعي يسم حياة الشّخص وتطوّرها في بيئة عربيّة إسلاميّة وفّرت علاقة احتواء وانتماء أي مادّة بناء الشّخصيّة في أطوار الصّبا طوعا وكرها وفي ذلك جانب من تأثير البيئة عليه يساعدنا على تفسير مظاهر من سلوكه في أزمنة لاحقة .

فقد نمّى البيت شعور الصبيّ بمنزلته بين الرّعاية والإهمال وبين الشّفقة والعطف والازدراء والاحتراز أصّل فيه منزلة الأعمى، أي منزلة الدّون، وأصّل في عالمه النّفسيّ عقدا، نمّت مواطن الشّعور السّلبيّ عبر أفعال ماديّة حسّية كانت تمثّل مادّة لتأصيل منزلة الأعمى، ستنقضها أفعال ذهنيّة تؤسّس بدورها منزلة الأعمى المكافح. وقد نمّى فيه الشّعور السّلبي في دائرة الاستثناء بمجانية الفعل الجماعي المشترك ، واستحدث دائرة الفعل المقصور على الفرد وحده في البيت ،حينئذ، فقد وظّفت عناصره لتأسيس معالم ذهن متفرّد في اتّجاه استحداث القطيعة والفصل ” دخل أبوه عليه في المطبخ حيث كان يحبّ أن ينزوي إلى جانب الفرن “. (1) فقد وفّر البيت شيئا من العناصر المساعدة على انكماش النّفس وانطوائها واختزان مصادر الألم وترسّب العقد كما نمّى في الصبيّ بذور التّمرّد على البيت وعناصره. وقد حوت مظاهر هذا التّمرّد ثنائيّات من أهمّها الأطر والأبعاد : الما قبل و الما بعد والشّمال و اليمين و الحدود والفضاء (الأفق) و التّعدّية واللّزوم وتنازع الفاعليّة واستلابها فاستعاض الصبيّ عن الفعل الماديّ بالفعل الذّهني كلّما وجد إلى ذلك سبيلا. فكلّما سجن الجسد حلّق الفكر في اللاّمحدود. وناب عن سجن الواقع تحرّر الخيال يطوّح أنّى شاء.

كانت شخصيّة الصّبيّ في البيت نامية عبر أطوار متلاحقة في الزّمن. فقد شهد فيه موت أخيه وموت أخته في جوّ عيد. وكان حدثا غذّى فيه مصادر الألم ووسّع من دائرة الأفعال السّلبيّة المسندة إلى البيئة في غياب أفعال الصبيّة التي كانت تملأ البيت نشاطا وسعادة . وشهد الصبيّ في البيت موت أخيه بمناسبة تفشّي وباء “الكوليرا” وكان حدثا ضمن للأسرة وخاصّة الصبيّ و أمّه شرعيّة الألم :” ولكنّ إثنين يذكرانه دائما وسيذكرانه أبدا أوّل اللّيل من كلّ يوم :هما أمّه وهذا الصبيّ “(2) وأباح الممتنع وأجاز المحظور في السّيرة والسّلوك والعقيدة .

علق البيت بالألم و مصادره ونصر الظلمة على النّور. وأنكر مجال الفضاء السّعيد وشرّع الشّقاء والتّعاسة سنّة للصبيّ. إذ بموت الأخوين غاب عن كامل “الأيّام ” فضاء الطّفولة السّعيد ليعمّره بؤس الصبيّ وشقاؤه. لذلك علقت بذهنه ذكرى الأخوين وهي في الحقيقة ذكرى الدّوائر المفقودة في بيئته الاجتماعية : دائرة الطفولة البريئة السّعيدة الرّاضية المرضيّة ودائرة إرادة الشّباب الفاعل ، ولعلّ نضال الصبيّ في أيّامه منحصر في هاتين الدّائرتين وقد يكون في ذلك بعض التّفسير للرّسالة التي ختم بها الجزء الأوّل والرّسالة التي ختم بها الجزء الثّاني. وهما رسالتان تتنزّلان في دائرة النّضال عبر الفعل الذّهنيّ من أجل تحقيق منزلة بشريّة أسمى كانت حالت دون تحقيقها بيئة الصبيّ الاجتماعية. إذ ضنّ البيت على الصبيّ بدائرة المعرفة بأمر من ربّ البيت. ولكن في حدود ضيّقة وفيها امتحنت حافظته مرّات. فسعد بذلك حينا وشقي بها أحيانا أمّا علاقة الصبيّ بالكتّاب فتركّزت أساسا على الصّلة التّعليميّة القائمة على الحفظ والتّلقين وإن لم تخل من جانب الهزل الذي كان يحويه عبث الصّبية ولهوهم. و لئن أنجز “الكتّاب” الفعل المناط بعهدته وأرهق الفاعل مرّات عديدة بالفعل نفسه (حفظ القرآن). فإنّه نمّى في شخصيّة الصّبي الجانب المطّروح من القيم الاجتماعية و العاطفيّة التي توجّه سلوك الإنسان و تصرّفاته .

وأطلع الكّتاب الصبيّ على نوازع النّفس الأمّارة بالسّوء وعلى خفاياها وعلى سوء توزيع الأدوار الاجتماعية في بيئته عموما وفي المؤسسة التّربوية خصوصا. ولعلّ قيمة الكّتاب في أنّه المكان الّذي ملك فيه الصبيّ أمر نفسه بعد تحقيق درجة ذهنيّة (حفظ القرآن)، أهّلته نظريّا لكي يشغل مرتبة اجتماعيّة ودورا في المؤسسة التّربويّة لم تقرّه الأسرة ولم يجزه الحيّ ودحضه ذهنه بعد استفهام وتردّد وأنكر هو نفسه ذلك بعد إعجاب.

وقد أسهم الكّتاب في تنمية شخصيّة الصبيّ بالتّركيز على شبكة علاقاته الاجتماعية الّتي ستطلعه على مظاهر السّوء في المعاملات الاجتماعية وعلى مواطن العلل في العلاقات البشرية. فأدرك الصبيّ ثنائيات من أهمها: الجهر والسّر، والعلاقة بين القلب والشفتين، والخير والشرّ، والنّافع والضّار، والصّالح والفاسد…

وقد تحقّقت في الكّتاب إشارات تميّز الصبيّ عن الجماعة وتفرّده،عبر الألفيّة،وهي إشارات طالما غذّاها مزاج الصبيّ وسعيه الدّائب إلى تحقيق منزلة أسمى وإلى اختراق حجاب العزلة المفروض عليه.

وأمّا الحكمة الشّرعيّة فمثّلت المكان الظرفيّ الّذي دعّم إلى حدّ تميّز الصبيّ فيما اتّصل بالتحصيل في سبيل تحقيق درجة ذهنية أرقى من شأنها أن تفصل بين الصبيّ وسيّده من حيث مصادر الثّقافة وتنوّع مراجعها واختلاف مناهجها علاوة على طبعهما فالغرّ كان محكوما بالبراءة في حين استقرّت في ذات الشّيخ عوامل الخداع والمكر رغم نبل وظيفته.

ولئن اقتصر المسجد على وظائفه العقائدية ونّمى في الصبيّ ممارسة الشعائر الدينيّة في دائرة الإيمان الّتي كانت تجد في نفسه صدى قولا وفعلا. فإنّه كان حيّزا لإنجاز الفعل الحرام في غير مظانّه المعتادة ممّا يبني مفارقة هجينة بين الإطار المقدّس والفعل المدنّس. فعل السّرقة الّذي تدينه النصّوص الشّرعية نظريّا. وتقعمه الحدود الفقهيّة علميّا.

وأكسب بيت المفتّش الصبيّ درجات ذهنيّة تجاوزت الحافظة إلى فنّ القراءة والتّجويد وبعض المسكوت عنه. فتمكّن من فنّ الإلقاء وأصول التّلفّظ بالمحفوظ. ومثلما حقّق هذا البيت للصبيّ جواز العبور بين الرّيف والمدينة وما يرمز إليه ذلك من مروربين الشّرق والغرب ومثال المزاوجة بين ثقافتين: ثقافة نقليّة عربيّة إسلاميّة وثقافة علميّة فنيّة فرنسيّة غربيّة. فقد كان بيت المفتّش نافذة أطلّ منها الصبيّ على حضارة مكتسبة مغايرة لحضارة منشإه. ولئن مثّل بيت المفتّش مشروعا ذهنيّا معرفيّا استهوى الصبيّ. فإنّه وفّر له عنصر التّحول في عالمه النّفسي عبر صلته بزوجة المفّتّش الشّابة على صعيد العاطفة والوجدان. ولعلّ قيمة بيت المفتّش أنّه صقل بعض ملكات الصبيّ الذهنيّة بالتركيز على غنائية النصّ المحفوظ وموسيقاه وأصوله الصّوتية، وأثار فيه حدّا من الغرائز البشريّة المكبوتة التي طالما عدّتها بيئته الاجتماعيّة من المحظور.

وأمّا مجالس العلماء فإنّها نمّت في الصبيّ مواقف الارتسام والانفعال من إجلال وإعجاب واندهاش في حكم واندفاع. وغذّت ذهنه بالمذموم من أخلاق العلماء وتحاسدهم وتباغضهم وتنافسهم ومكرهم ودهائهم وبما لهم من بالغ التّأثير على عامّة النّاس وتسلّطهم على عقولهم. فلقد دفعت هذه المجالس الصبيّ إلى أن يهتدي إلى مواطن الجهل الحافّة بعامّة الناس وخاصّتهم في المدن والأرياف:”كانت لأهل الرّيف شيوخهم وشبّانهم وصبيانهم ونسائهم عقلية خاصة فيها سذاجة وتصوّف وغفلة، وكان أكبر الأثر في تكوين هذه العقليّة لأهل الطّريق”(1) فكان الفضاء الذي تحرّك فيه الصّبيّ مهادا لخسران الذات البشريّة، ينقضّ فيه القويّ على الضّعيف. وظلّت الذات الرّاوية تعتصرها الآلام والأحزان. فلكأنّ فعل الكتابة كان لتنفيس هذه المآسي والانتقام لكلّ من أضمر له السّوء. فشنّع الكاتب بالمكان المشبوه وما حوى من مذنبين في حقّه.. فلعلّ “الأيّام” سبيل لردّ الصّفعات التي تألّمت لها وجنتا الصّبيّ في حداثة سنّه فيعود إليها وقد اكتسب رصاص القلم ليثأر لنفسه منها… كلّما قرأت كتاب الأيّام ازددت يقينا بضرورة إعادة القراءة مرارا و تكرارا فتفوز ببديع العبارة وهي تصوّر عذابات الأرض تقرع سياطها القاسية ظهور فتية ما اشتدّت أصلابهم بعد…قراءةً لذيذةً.

شارك
المقال السابقآه يا رام الله
المقال التالىالبيوت أسرار

عمّار التيمومي باحث في الأدب العربيّ القديم من مواليد 1969 ببني جلاص بالقيروان تخرّج عن كلّية الآداب بمنّوبة1994 وحاز على شهادة الماجستير عن كلّية الآداب بالقيروان بملاحظة حسن جدّا.له “عيون العشّاق” منشور بدار الأمل الجديدة السّورية .و”البرنزيّ” وهي رواية تحت النّشر.وله مح....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد