البيوت أسرار


 

العنوان كلمتان ..لا يمكن اختصارهما في سطور ولا صفحات ولا كتب ولكني سأبني بيتا صغيرا من حروف وكلمات اقتبستها من عموميات الإنسان والبيت دون تسليط ضوء على مشكلة، أو مسالة محددة مما يواجهها أو يعيشها الإنسان الذي يسكن البيوت، فكما أن داخل كل إنسان كفرد قوة خفية تقوده إلى النجاة .داخل كل بيت خلية من خلايا المجتمع التي تعتبر مؤسسة صغيرة هي نواة بناء المجتمعات والأوطان.تبنى بأسس قوية تأمن له السلامة.والضعيف ينهار. تبدأ بعقد زواج بين رجل وامرأة قد يكونا عاشا قصة حب تكللت بالزواج ، أو زواج يتم دون معرفة سابقة و تناغم في المشاعر لتبدأ تلك المشاعر بعد الزواج .أو طرق أخرى وفي كل الحالات قد تتلاشى مشاعر وتنمو غيرها وتختلف ولكن بكل الأحوال تبدأ قيودا جديدة والتزامات أكبر وأوسع مما كانا يظنان إنها ستكون مؤسسة الشراكة والحب والتفاهم العاطفي على مر الزمن .

شراكة زوجية مهما كانت طبيعتها يتطلب من الشريكين الهدوء والتفكير العقلاني والالتزام بأسس تكوين الأسرة خاصة بعد إنجاب الأطفال فهم بحاجة إلى رعاية الأبوين بكل نواحيها مما يتطلب التنازل عن أحلام وسبل ودروب كان يخطط لها لأجل ما هو أهم وضروري .وقبل كل ذاك لابد من أن يتم داخل بيت بجدرانه الأربع وأبوابه ونوافذه صغر أم كبر .لتنفيذ عقد الزواج ذاك وتأسيس خلية (الأسرة) التي تختلف من بيت لآخر وإن كانت الخطوط العامة لكل مجتمع تتشابه في نمط حياتها فالبيوت والأسر العربية مثلا تتشابه فيما ببنها بكل أقطار الوطن العربي. ولكن داخل كل بيت نمط وطبيعة خاصة به وكما يقول المثل (البيوت أسرار)..

وإذا نظرنا إلى تلك الخلاياوجدناها متنوعة متعددةمختلفة، هناك ما يشبه خلايا النحل في تنظيمها وجمالها وعطاءها وفائدتها،وهناك مايشبه بيوت النمل نشيط وعامل يمضي نصف العام في جمع المؤن ليأكلها في النصف الآخر منه ..

وهناك بيوتا تشبه بيوت العنكبوت هشة ووهنة لكنها تعيش على اصطياد الفرائس وكل ما يعلق في شباكها المصنوعة من صمغ لعابها وتأكل العنكبوت زوجها وأولادها .وهذه نراها في الزوايا الرطبة والأماكن المظلمة وأحيانا تعشش في زاوية بيت فيه من النور والنظافة ما تستغرب وجودها.

كل ذلك داخل جدران بيت يعيش به الإنسان منذ أن سكن الكهوف والخيام وبيوت الطين مرورا بالقصور والأبنية العالية وناطحات السحاب. والبيت هو المكان الذي يكون فيه الإنسان بكامل حريته الشخصية والفكرية والعاطفية فيه ينام ويحلم ويبكي ويضحك يكتب قصصا وحكايات يمارس كل ما يتيح للإنسان من سبل الحياة.

وان كانت حرية الإنسان لا يمكن أن تكون مطلقةأينما وجد حتى لو كان في البيت. في بيته تتوقف وتتحجم حريته عندما يتطلب مصلحة باقي أفراد عائلته وظروفهم ذلك. تماما كما لا يستطيع أن يكون حرا خارج جدران البيت ويتطلبه مصلحة وحرية الآخرين في المجتمع .

أثناء كتابتي هذه السطور تخيلت نفسي إعلامية أقدم برنامجا تلفزيونيا يدخل البيوت ليتعرف على ما فيها من قصص وحكايات .فدخلت بيتا فيه أسرة تقليدية أم وأب وأولاد وجدة ، تحلق حولي كل فرد يريد قص حكايته والحديث أو الشكوى،الأولاد عن مدرستهم ومعلميهم والأم عن الزوج والعمل والبيت العبء الأكبر عليها وعن قصص جاراتها الغريبة والجديدة والعادية والزوج الذي قد يشكو من أشياء تتعبه أيضا أو يخبئ حكايات أيضا تفيد البرنامج لكني توجهت إلى الجدة التي تجلس صامتة تراقب بعينين ثاقبتين عائلة ابنها .

وعندما سألتها قالت:باختصار أيامنا أحلى .وأحن إليها في كل لحظة رغم الصعوبات التي كنا نعانيها لنحصل على قوت يومنا، أو لتنفيذ أعمال البيت اليومية لكنها أجمل كانت توجد القناعة والبساطة والطبيعة..الخ..فسألتها:هل في ذاكرتك ما يظل حاضرا معك تحدثينا عنه!؟تآوهت طويلا وقالت:كثيرة .ولكن قد لاتهمكم.ولكني أعشق جدران بيتي هذا فهي صديقتي الحميمة وأناجيها:أيتها الجدران الصلبة .كما وقيتني من الحر والبرد كوني لي واقية من الخوف والوحدة فأنت الصديق الصامت ،والحضن الدافىء،والحنان المفقود .والاذن الصائغة .

نفخت فيك روح الانسان .لابكي أمامك وأصرخ بأعلى صوتي وأتلفظ بكل الألفاظ حتى لو ارتفع ضغط الدم في جسمي وأغني ووأجرب إن كنت مازلت قادرة على الرقص .والجنون و..فالجدران هي الكاتمة والساترة والصامتة .التي لاتبوح بما أفعل لأحد .وأخيرا يا ابنتي كل ذلك أمارسه عندما أكون وحدي فقط .لأن بيتنا حريتنا لكن مع وجود آخر معنا نتقاسمها .وتبقى لنا مساحة واسعة منها .ختمت حديثي معها أشكرك سيدتي.(استمتعت في الحديث معك)لمعت عينها لمعان الشكر والفرح وانصرفت عنها.

ولو سألنا الجيل الثاني لكان له نفس الرأي زمنه قد لا يكون أفضل لكنه أحلى. وهكذا تتوارد الأجيال وكل جيل يعتبر زمنه الأجمل.والأرقى .إلازمننا هذا .ربما يكون أبناءه الأقل حظا عما سبقهم من أجيال. وبما أن حكايات وقصص البيوت لاتنتهي سأتابع في جزءثاني حكاية تقصها الزوجة.في البيت الذي دخلته..
وتبقى البيوت للإنسان المأوى والسكينة وبداية حياته ونهايتها .

لا تعليقات

اترك رد