جوع العصافير

 

بعضٌ مما لم يبح به شكسبير عن جوليت

صرخت جوليت فاهتزت أوصال مربيتها العجوز وارتعشت أناملها المنشغلة بفك رباط (الكورسيه) الضاغط على نهدي جوليت وبطنها بشدة..
ـ أريد عصافيري..
هرولتْ الساقان الهرمتان لتجلبا بعد قليل قفصاً ذهبياً يضم بين قضبانه الرقيقة ثلاثة عصافير منكمشة تتلفت بارتباك.. كانت جوليت قد خلصت صدرها وبطنها من ضغط ( الكورسيه ).. فامتدت ذراعا المربية لتطلق سراح باقي جسدها الفتي المقمط بالفستان المقصب المموه بخيوط ذهبية تتأرجح على اخضرار بدا لعيني المربية المتلملمتين كشجرة الأثل الضخمة المنتصبة قرب شرفة جوليت ساعة الغبش.. أمسكت جوليت بالكفين الكهلتين وأشارت بهما إلى باب الحجرة.. فانسحبت القدمان مسرعتين لتختفيا في دهاليز قصر آل كابوليت الباردة.. كان دماغها يحوك بسنارتين مثلومتين ما ستُلبسه أُذني الرسام العجوز الجالس مذ عادت جوليت قبل ساعة من صالة الحفل الكبير.. اعترف لها الرسام أمس انه عاجز عن الإمساك بملامح جوليت التي تتلون بشرتها بألوان قوس قزح كلها خلال دقائق.. تبدو عيناها صارختين ثم تكبوان وتضجان بحلم سرعان ما يعبق فيشمه الرسام مدعيا حاجته للراحة ليجلس قريبا منها مستغرقا في التمرغ بين ثنايا حلمها الفاره.. وسرعان ما تنفجر عيناها بالدموع ليهرب الرسام العجوز خشية أن يغرق..
قال للمربية مساء أمس وهو يغادر قصر كابوليت الفخم.. وبين شفتيه ترتسم ابتسامة هزيلة..
ـ ربما سأتم رسم صورتها حين تموت.. أتظنين وجهها سيركد ساعتذاك؟
فزّت المربية منزعجة لتغلق الباب خلفه بقوة وهي تقذف شتائمها خلف جسده المبتعد متدحرجا ككرة فقدت بعض هوائها..
ـ قربة مليئة بالحماقات..
ها هو ذا جالسٌ بجسده الضامر وقبعته المتصابية المزينة بريشة طاووس كسول.. ندّت عنها ضحكة حين وخزت عينها الريشة الملونة المائلة.. كان الرسام قد بعثر ألوانه على ( الباليتة ) الخشبية.. عاجلها بنظرة مستفسرة استوطنها الغيظ..
ـ ألن تأتي؟
ـ كلا.. إنها ……
ـ فهمت … العصافير …
ـ نعم … إنها العصافير …

*****

الباب موصدٌ عن الجميع سوى ظمأ جوليت الوحشي وعصافيرها.. تقعرتْ شفتاها لحظة حين نقر عصفور مشاكس حلمتها الصغيرة النافرة.. غامت عيناها فتناهت موسيقى الحفل إلى رأسها الصغير متلفلفة مع شعرها المنسدل مبعثرا حول جسدها القرميدي المرتعش بين آن وآخر.. كان متنكراً لكنها رأته كبدر في ليلة صاحية.. غرز نظراته في عينيها ولم يجذبه إلاّ ترنح ينتابه بين حين وحين.. همست مربيتها في أذنها فبدا صوتها لأذني جوليت فحيحاً كليلاً.. كانت المربية قد قالت..
ـ حذار.. انه عدو وابن عدو…. روميو..
لم تدرك المربية حتى اللحظة ان جوليت لم تسمع من فحيحها إلاّ اسم روميو فدارت حول الأعمدة الرخامية للصالة الفارهة وهي تردد لاهثة …
ـ روميو.. روميو.. روميو.. ألا يعني هذا الاسم في القواميس القديمة.. القدر..
خَبَتْ الأضواء وتسللت أقدام روميو المترنحة إلى الحانة القريبة بينما صرخت جوليت تطلب عصافيرها..

*****

نظرت عينا جوليت اللتان شرعت النشوة بتغليفهما بغمامتها.. فاستيقظ الهلع فيهما بغتة حين أدركت ان بطنها وصدرها وفخذيها قد خلتا تقريبا من الحبوب التي نثرتها قبل قليل لتلتقطها العصافير فتدغدغ بمناقيرها الجائعة جسدها.. كانت تنتظر ككل ليلة أن يشبع الجميع معاً.. عصفور جسدها وعصافير القفص الذهبي.. دارت عيناها الهلعتان حول السرير فأمسكت بآخر قبضة من الحب لتنثرها حول فرجها المكتنز.. فانهمرت نقرات العصافير واخزة فكرة تبخرت من دماغها لتغدو كالغمامة طافت الغرفة سريعا وحين استكانت فوق رؤوس العصافير أسرعت مناقيرهن بالتقاط ما تبقى من الحب..
كانت جوليت قد فكرت غاضبة..
ـ جلبت لي هذه العجوز الخرقاء عصافير أشد جوعا من كل ليلة.. لمَ لمْ تدرك أني الليلة أشد جوعا أيضاً؟
فكرت أن تطلب المزيد من الحبوب.. لكنها طردت الفكرة سريعا..
ـ أن أغفو جائعة أفضل من أن يدركوا سر العصافير..

*****

غادرتْ قدما روميو الحانة أكثر ترنحا.. وقف في منتصف الشارع.. كانت (فيرونا) طافية في ليل داكن بليد.. وبعض الشموع تتلألأ أمام عينيه فتستحضران جسد جوليت المتراقص حول أعمدة الرخام وأجساد الرجال الحائمين حولها كجنادب جائعة.. تذكر إنها استلقت أمام نظراته وشرعت كل نوافذها.. فكر..
ـ لماذا أقف هكذا في منتصف طريق أخرق؟.. غاف ككل شيء سواي.. عليّ أن أركض.. أركض.. أركض.. دون أن يهمني الاتجاه..
ركض خطوات فتشابك ترنح ساقيه وكاد أن يسقط لولا إتكائه على شجرة احتضنها حتى تخدشت ذراعاه.. لثمها بحرارة.. همس للحائها الخشن..
ـ أحسدك أيها الجذع الشامخ حتى في موتك..
عبر إلى الجانب الآخر من الطريق الصخري المقفر.. طرق أدمنت العابرين.. الاّ إنها الآن خاوية مشرعة لأقدام مترنحة تدكها دونما اهتمام.. وشفتان تتمتمان بتعتعة كسولة..
ـ غزتنا ملايين الطوفانات وما زلنا كصحراء أضاعت الغيوم الطريق إليها.. أمحَلَنا الجَدْب..
ومضت في جوف العتمة عينا جوليت المندهشتان فغاص في عتمة طرق فيرونا ملاحقا انكسارهما حتى حاذى سور القصر الذي تقيأ آخر ألق للأصوات المبتهجة بالحفل الصاخب قبل قليل.. اجتازتْ ساقاه السور فجلس متكئا على شجرة مزهرة.. فكر..
ـ ما الذي أرومه.. ألا أبدو كمن يمسك العالم من ذيله.. ما الذي سأدركه سوى أشجار معتمة كقلبي؟.. كشوارع فيرونا.. آه فيرونا.. كم امقت صمتك وصخب القلوب الفائرة بالغيظ والعيون الضاجة بالعداء..

*****

كان الجوع قد مزق جوليت وهي تتلمس الآثار الحمراء للمناقير التي كانت جائعة قبل قليل.. استيقظ الغيظ في عينيها.. فتوهجتا باحمرار قان.. تمطى جسدها المنقور عاريا متماسكا كجدار.. بحثت عيناها فاهتدتا سريعا إلى العصافير الثلاثة المستكينة قرب القفص الذهبي.. إعتصرتهن أناملها بقسوة.. وبقسوة أكثر فظاظة قصمت رؤوسهن.. ليستكين قليلا قلبها الغاضب المضطرب.. اتجه عريها البلوري نحو الشرفة.. تمطت قليلاً وقذفت بما أوتيت من بقايا قوة بالأجساد الصغيرة المنحورة.. سقط رأس العصفور الأزرق قرب قدمي روميو فجفل ناهضاً.. سقطت قطرة دم من جسد عصفور اشتبك مع غصن كث.. فالتصقت على وجنة روميو دون يشعر جسده الذي سار بانجذاب نحو بريق لؤلؤي يتأرجح على شرفة تمطت فوق أغصان شجرة الأثل.. ارتقت قدماه جذع الشجرة السامق.. الذي دفعه إلى غصن متماسك احتضن شرفة جوليت قبل أيام.. ارتعش نهدا جوليت المنتصبان كرمانتين مرتويتين.. حين واجه وجهها المرتبك وجهه.. نكصت متقهقرة إلى باب حجرتها دون أن تفكر بحجب عريها عن سياط نظراته.. قفز إلى حضن الشرفة واندفعت قدماه وقد اختلط فيهما الارتباك بالترنح بنداء غامض استوطنه.. اجتاز باب الحجرة فانهمر الضوء على عينيه حتى أوشك أن يغمضهما لكنهما التحمتا بالجسد البض المنتشر أمامه كحلم غامض.. هز رأسه رافضا.. رغم ذلك طافت الفكرة بين خلايا دماغه الضاجة برائحة الخمر المدغدغة وفيض السحر المنبعث من جسدها وتجلد الكلمة بين شفتيه..
ـ الأحلام ليست لنا.. إنها للفقراء.. يجترون أحلامهم كما تفعل الأبقار تماما.. أنا لا أحلم، إنها جوليت حقاً..
اندلقت الكلمة من بين شفتيه..
ـ جوليت..
ترنمت..
ـ روميو..
ازداد اقترابا.. طوق رأسها المتمايل جذلا.. تمتمت..
ـ روميو.. روميو.. روميو.. كم انتظرتك؟ لكن.. ألا تخشى الطريق إليّ؟
ـ هناك من يحرس الطريق يا جوليت.. الليل.. والخوف.. وجوع الأجساد..
مست أنامله ذقنها وتسللت إلى جيدها فحوض عنقها ثم قفزت مسرعة لتعابث توفز حلمتها فانتفضت.. تمتمت شفتاه وهما تقتربان من شفتيها..
ـ ظننتك بنلوب.. تستمهل عاشقيها..
اعتصرت شفتاه رحيق شفتيها.. فاستسلمت عيناها للوسن.. شمت بقوة رائحة الخمر الفائحة من جوفه فشعرت بنشوة عارمة.. شفتاه وعريها.. وخشونة أنامله المنشغلة برسم جغرافية جسدها ورائحة الخمر.. وروميو.. اسمه الغابي الذي يثير الرعشة في أوصال آل كابوليت المنشغلين الآن بلوك حقدهم البائد على آل مونتغيو.. تعمدت إيقاظ وسن عينيها وسلخت شفتيها من هصر شفتيه اللذيذتين ككرز ناضج.. همست مخابثة..
ـ لست بلهاء كبنلوب.. ولن أستخدم سنارتي إلاّ لوخز بلادتك..
شعر ان تيارا ساخنا قد لفح دمه الذي جاب شرايينه وأوردته خلال لحيظات ليستوطن قلبه الذي غدا كقدر أوشكت نار جحيمية أن تذيبه.. نضا عنه ملابسه بسرعة ليبدي عريه أمام عريها فانتفض قلباهما.. لثم بقعة حمراء فوق سرتها فتلاشت آثار المنقار الميت ليستعيد جسد جوليت مرمريته الناعمة.. قرر روميو أن يجلو عن جسدها كل البقع الحمر الصغيرة.. فطاف حوله بشفتين تتعاظم لهفتهما.. كانت آخر البقيعات الحمر، تلك التي استقرت بحياء مفتعل أسفل سرة جوليت وبين فخذيها، لعق احتباس دمها بلسانه الناضح نشوة فارتعش تحت لسانه شيء ما.. أدركه سريعا فارتسمت على شفتيه ابتسامة ازدادت هياجا حين امتد مرمرها لينسحق تحت دبيبه الثمل فتسرب لهاث حريري من وجهين منغمسين في بركة من الاشتهاء اللذيذ وجسدين استوطنهما الهياج فتبعثرا فوق سرير استسلم خشية لالتحامهما الذي ازداد جنونا.. ارتشف لسانها المتراقص انتشاءً كلسان أفعى نقطة الدم على وجنة روميو وطوت فخذيها على ظهره فانهمر فيهما شلال متدفق غمرهما فصرخ قلبه الهائج …
ـ عاش الموت …
لم يشعرا بفرار الليل حتى تسللت إليهما خيوط فجر باهت.. فارتسم الحزن فوق جفني روميو.. بسبس في شفتيها..
ـ لم أتم رسم تضاريس جسدك بعد.. ما أسرع ما قرع جرس الرحيل..
انفرجت شفتاها بكسل تحت شفتيه..
ـ أي روميو الحبيب … أتظن إننا القينا قلبينا في التهلكة؟
تسربت شفتاه لشفتيها..
ـ صرخ قلبي حين احتويتك.. عاش الموت.. ماذا بعد ذلك؟
تمتمت بانكسار …
ـ عاش الموت..
استدار خيط من شمس صباح كسول على نهدها الذي مازال منتفضا كسجين احتوته القضبان تواً.. نهض روميو مقاوما تشبث ذراعيها والسرير..
ـ سأضع جسدي في جرابه وأغادر.. اسكتي نداء عينيك.. تعلمين إني سألبيه.. وان فعلت ستقتلنا الشمس.. دعيني أغادر كي تتراصف ليالينا المجنونة..
غطت جوليت وجهها المكتظ بالدموع..
ـ لن أتشبث بك.. اذهب الآن.. وسأغفو سريعاً.. لعل النوم يجيء بأحلام أنت سيدها.. أي روميو الحبيب.. غادر الآن لكن.. لا تدعني لجوع العصافير …

لا تعليقات

اترك رد