آه يا رام الله


 
(لوحة للفنانة نهلة آسيا)

كان المسرحيّون يحتفلون بيوم المسرح العالميّ..كان مقرّرًا أن أشاركهم كوني من مدمني المسرح، ولا أترك مسرحيّة تفوتني.. لكنّني شعرت فجأة بإحباط جسدي كبير وانخفاض بضغطي، ربّما هو جهد العمل خلال الأيّام الماضية بعد شفائي من نوبة برد مزعجة. نمت ولم أستفق إلاّ بعد ساعات على طرق باب الصّومعة، شعرت بجبل يجثم على صدري.. كان صديقي التّوأم ورفيق وحدتي.
كان يشعر هو الآخَر بكآبة مجهولة، أضاف همّه إلى ما عندي وغادر.. رغبت بزيارة أخي وتراجعت، قررت أن أسير في الشّوارع رغم البرد، عرّجت إلى دار عرض الأفلام اليتيمة، فدخلت دون أن أعرف ما هو العرض، كان فيلمًا مصريًّا لا أظن أنّه متّعني أو ساهم في تخفيف ضيقي.

خرجت والبرد قد ازداد حدّة وقسوة، تمشّيت في الشّوارع، وصلت الميدان الرّئيس للمدينة، مجموعة من سيّارات الأمن وجنود يحاولون أخذ قليل من الدّفء، من أكواب الشّاي من بائع متجوّل يقف خلف عربة متنقّلة، كان الله بعونهم فالمشاكل لا تهدأ، وإطلاق النّار يمزّق الصّمت في لحظات غير متوقّعة كليلة الأمس، لم نعد نعرف من يطلق النّار؛ هل هي دوريّات الاحتلال تفاجئ مقاومًا لاعتقاله أو لاغتياله؟ أم مليشيات متنازعة أم غير ذلك ممّا يسمّونه انفلاتًا أمنيًّا.

آه يا رام الله.. أسير في شوارعك التي فرغت إلاّ من بعض مارّة، أو من بائع متجوّل ينتظر رزقًا يعود به إلى أفواه جائعة، أو من سائق ينتظر راكبًا.. أنظر إلى جدران ملأتها ملصقات ممزّقة وأغلبها من مخلّفات الانتخابات، وشعارات متراكمة على الجدران بخطوط رديئة لا تحمل أيّ معنى سوى شعارات عنتريّة.

قبيل الانتخابات، أذكر أنّني اطّلعت على ميثاق شرف وقّعت عليه القوى والفصائل المختلفة، لأن تقوم فورًا وبعد الانتخابات بإزالة آثار تشويه المدينة، يومها ضحكت وقلت لأقراني: لننتظر ونرى إن كان هناك مِنْ شرف قد تبقّى!

ها هي الجدران ملوّثة، تنتظر من يزيل محنتها، نسمات البرد لا زالت تحاصرني رغم اللباس الجيّد، ألتفّ من الشّارع الرّئيس إلى شارع خلفيّ بعيدا عن الملوّثات البصريّة.. حيث التّلوّثات الأقلّ حدّة، وعبق الياسمين ينعش النّفس والإنارة أقلّ والليل رفيق الغريب.
هدأت روحي قليلاً وبدأت نفسي تسكن، جالت بي أفكاري إلى البعيد كالعادة، شعرت بطيفك يمسك بيدي ويضمّني، قلت لي إنّك تحلمين بلحظة أن نكون في مكان مرتفع على رأس جبل ومدفأة حطب وبعض موسيقى.. هي رغبتي أيضًا.. لكن كيف لرهين المدينة أن يحلّق إلاّ في الخيال؛ حدّثتك عن الزّيتون والسّنديان وأشجار الحور التي التقيناها، أقطف لك ياسمينات وأستشعر دفء روحك.
نواصل السّير بلا تخطيط في أزقّة وشوارع عرفتني رفيق وحدتها في وحدتي، البرد يزداد، أحلامي تكثر، وكلامي يتدفّق؛ أحدّثك عن: موسم الحصاد وموسم قطف الزّيتون، الجدار الأفعى الذي يقضم أراضينا كلّ يوم، ناصر الشّاب المهندس الطيّب الوسيم، الذي مزّقت جسده عشرات الطّلقات الاحتلاليّة على بعد أمتار منّي، ذكرى الاجتياح، أبنائي الذين أحلم بلقائهم، أمّي التي شاخت وهي تتمنّى أن تراني.. الحلم.. المستقبل.

فجأة أصحو على صوت إطلاق نار، خفافيش الظّلام تصرّ على أن تسرق منّا هدوء المدينة الليليّ.. أعود بهدوء آملا بأن لا أقع ضحيّة هباء، أدخل صومعتي وعلى جذوة نار أجهّز فنجان قهوتنا، أشعل لفافة تبغ، أناديك.. أما زلت يا طيفي البعيد القريب معي؟
آه يا رام الله.. أحبّك رغم الخفافيش.

* من كتاب أطياف متمردة من منشورات دار فضاءات/ الأردن

لا تعليقات

اترك رد