الجزيرة العربية مركز إشعاع للحضارة الإسلامية

 

لقد اختار الله سبحانه وتعالى أن تكون مكة المكرمة الموطن الأول لدعوة التوحيد التي دعا إليها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وأشرق نور الإسلام من بطاح مكة على نبي الإسلام محمد بن عبد الله الذي زلزل أركان الوثنية في مكة قلب الجزيرة العربية ثم هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة حيث أقام بها دولة التوحيد ولم يلحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى إلا وقد دانت جزيرة العرب بالإسلام وإن كانت بعض القبائل أرادت الخروج على الخليفة أبي بكر بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم فاستعاد أبو بكر الصديق توحيد الجزيرة لتصبح مركزا لإشعاع رسالة الإسلام الحضاري إلى خارج الجزيرة العربية وكانت البذور الأولى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم حيث كانت بدايتها بغزوة تبوك ثم تبعتها غزوة مؤتة فتجهيز جيش أسامة بن زيد، من أجل صد تحرش الدولة البيزنطية بالدولة المحمدية الحديثة خوفا من انتشار الإسلام الذي كانت دعوته تحرير الشعوب إلا لله سبحانه وتعالى ودعوته إلى السلم والتعايش بين جميع الأعراق والأديان دون إكراه.

بالطبع بعدما انتهى الرسول الكريم من القضاء على الوثنية داخل الجزيرة العربية التي حاولت أن تتحالف مع اليهود والمنافقين داخل الجزيرة العربية من أجل أن يقضوا على هذا الدين الجديد رغم أن اليهود يدركون حقيقة هذا الدين بأنه دين الهي وسيتكفل الله بنصره ولكنهم حسدا من عند أنفسهم بعدما لم يأتي الرسول منهم وكأنه احتجاج على الخالق ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) ( يصطفي من عباده من يشاء ) لكنه دين يشترط الإيمان بكافة الرسل ( الذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ).

لكن اكبر قوتين كانتا في ذلك الوقت هما الإمبراطورية الفارسية والرومانية اللتان ترفضان أن يمتد شعاع الإسلام إلى خارج الجزيرة العربية فبدأت القوتان تستعدان للقضاء على هذا الدين الجديد، فكسرى مزق كتاب رسول الله فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم بان يمزق الله ملكه وبالفعل انقلب ابن كسرى على أبيه بعد قتله، بينما اعترض سفير رسول الله إلى عظيم بصرى الشام عامل البلقاء الذي كان يعمل لدى قيصر فمسك السفير واسمه شرحبيل فقتله وصلبه وعندما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بقتل سفيره فقال كيف يقتل سفيرا آمن لم يستعد للقتال، فاعد الرسول صلى الله عليه وسلم لغزوة مؤتة التي كان فيها عدد المسلمين لا يتجاوز ثلاثة آلاف مقاتل يلاقون مائتين ألف مقاتل وقتل القادة الثلاثة الذين حددهم الرسول صلى الله عليه وسلم تباعا زيد بن حارثة فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب فعبد الله بن رواحة إلى أن استلم الراية خالد بن الوليد بعد إجماع المقاتلين عليه وانتصر في هذه المعركة، وعندما رجع الجيش الإسلامي إلى المدينة بشر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه لرفع معنويات الجيش الإسلامي بفتح بيت المقدس وفتح القسطنطينية وفتح رومية حتى سئل الرسول صلى الله عليه وسلم أيهما يفتح أولا القسطنطينية أم الرومية فقال بل القسطنطينية مدينة هرقل رواه احمد وغيره.

ولم ينتهي عهد عمر بن الخطاب إلا وتمكن من القضاء على هاتين الإمبراطوريتين في معركتي اليرموك عام 15 والقادسية عام 16 لكن استمر الصراع بين الجانبين مما فتحت الباب أمام انطلاق الجيوش الإسلامية نحو الشرق والغرب ولم يأتي عام 18 إلا وقد تم فتح مصر على يد عمرو بن العاص وقضى على القوة الرومانية المتواجدة في مصر، وكان لزاما على الدولة الإسلامية أن تستولي على الجزر الإستراتيجية في البحر المتوسط مثل قبرص وصقلية ورودوس وتكوين قوة بحرية قضت على بقايا السيادة البيزنطية في البحر المتوسط التي انتهت بمعركة ذات الصواري عام 32 في عهد عثمان بن عفان .

وبذلك قضت الدولة الإسلامية على الإمبراطورية الفارسية، فينما تقلصت القوة البيزنطية وانكمشت وفتح عمر بن الخطاب بيت المقدس وحاول معاوية بن أبي سفيان أن يفتح القسطنطينية عام 52 ولكن فشلت القوات الإسلامية ووقفت جبال طوروس حاجزا أمام تقدم القوات العربية الإسلامية لكن أتت جموع من الترك من أواسط آسيا إلى آسيا الوسطى أسلمت بعدما وجدت أن تعاليم هذا الدين تتوافق مع الفطرة الإنسانية من خلال القوة الكامنة التي يمتلكها هذا الدين ودعوته إلى وحدانية الله والسلم.

دخلوا في مواجهة مع الروم ودفعوهم عن آسيا الصغرى وفتحت القسطنطينية على يد محمد الفاتح عام 1452 م وتولت الخلافة العثمانية وتمكنت خلال هذه الفترة حماية قضايا الأمة الإسلامية، ووقفت أمام ظهور بادرة غريبة ومعارضة لمبادئ الدين الإسلامي الحنيف وهو ربط القومية الفارسية بالمذهب الشيعي وتكوين الدولة الصفوية التي وقفت تركيا ضد تمدد هذه الدولة التي تهدف إلى إيجاد نوع من الصراع الداخلي من اجل توطيد اتجاهات معارضة لأهداف ورسالة الإسلام.

وبالطبع فان بريطانيا وقفت أمام سيطرة روسيا على إيران ولكن سمحت لروسيا أن تستقطع أجزاء كبيرة من أملاك الدولة العثمانية وضمها إلى أملاك القيصرية الروسية بل وفقدت الدولة العثمانية أملاكها في البلقان وفي شرق أوربا وكذلك البلدان العربية وحلت محل النزعة الإسلامية النزعة القومية وإبعاد تركيا عن

المحيط العربي الإسلامي وتم تقسيم البلدان العربية بين الدول التي انتصرت في الحرب العالمية الأولى حسب اتفاقية سايس بيكو وتكونت الدولة الوطنية حتى استقلت عن الدول الاستعمارية واتى عهد الانقلابات العسكرية بالإضافة إلى زرع دولة يهودية في فلسطين ضمن استمرار الصراع بين الصليبين والمسلمين.

وقد أنتجت الحضارة الإسلامية فلاسفة أمثال الكندي والفارابي وابن سينا وابن الطفيل وابن رشد وابن باجة وابن عربي والمعري وأبو بكر الرازي وغيرهم كثير واغلب هؤلاء عاشوا في العصور الوسطى بحسب التقسيم الغربي بينما كان الغربيون يعيشون عصور الظلام لكن حصلت تحولات فكرية ضخمة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر في الغرب أهمها كان الإصلاح الديني صاحبها اكتشافات علمية كبرى انعكس ذلك على الفكر الغربي ونقد الفلسفة الاجترارية التي سادت العصور الوسطى التي تبنتها الكنيسة المسيحية وتوصلت إلى تركيبة توفيقية تصالحية .

وقبل ثورات ما يسمى بالربيع العربي استطاعت تركيا أن تنشئ نموذجا إسلاميا متصالحا مع الحداثة من دون أن يتنازل النموذج عن أسس وثوابت الدين، بينما كان هناك براغماتية للإخوان المسلمين ولكن بعد ثورات الربيع العربي فان الإخوان المسلمين بعد تسلمهم السلطة وبسبب شهوة السلطة فان الإخوان المسلمين تبين أن براغميتهم كانت تكتيكية وأصبح السلفيين المصرين أكثر براغماتية من الإخوان .

والعالم الإسلامي دفع ثمن تحالف القومية مع المذهبية في إيران وزاد خطر هذا التحالف تحالفه مع الولايات المتحدة بعد غزو العراق وتمدد هذا التحالف لقضم أجزاء من الوطن العربي وهيمن هذا التحالف على العراق وسوريا وجنوب لبنان وانتقل إلى فلسطين تحت ذرائع حلف المقاومة والممانعة وتصدت لهذا التحالف السعودية بمفردها وخلاف هذا التحالف مع الولايات المتحدة اليوم هو خلاف حول الملف النووي لان هذا النووي يهدد المصالح الأمريكية في المنطقة ويهدد أمن إسرائيل أو على الأقل لا تريد الولايات المتحدة أن تكون هناك قوة أخرى غير إسرائيل في المنطقة لان هذا التحالف يرى أن بقاءه يرتبط ببناء قوة نووية متعددة في منطقة الشرق الأوسط. ودفع العالم العربي ثمن تسيس الدين وتدين السياسة بسبب أن كثير من القضايا لم تحسم قبل ثورات الربيع العربي خصوصا محاولة أسلمة المجتمعات التي ظهرت زمن الصحوة الإسلامية منذ الستينات من القرن المنصرم صاحب أسلمة المجتمعات إشكاليات عديدة أيضا لم تحسم بشكل واضح مثل هوية الدولة هل هي دينية أم مدنية ؟ ومن هو مصدر السلطات الشعب أم الشريعة خصوصا حينما اتجه الإخوان إلى حتمية الحل الإسلامي الذي ادخل الإخوان في أزمة مع المجتمع المدني ورفع شعار الإسلام هو الحل أي جعل الدين سلاح يستقوي به المنتمين إليه ضد الآخر، بينما الدين الإسلامي ليس سلاحا، بينما هو دين يبلغ من دون إكراه ولم يكتف الإسلاميون بأن تكون مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع ولم يفهموا أن تطبيق الشريعة حسب السيرة النبوية بان تطبيقها آتى بشكل تدريجي ولم ينزل أي تشريع على الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة التي مكث فيها نحو 13 عاما سوى الصلاة في آخر عهده في مكة ونزل التشريع بشكل تدريجي في المدينة ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ) .

ولا يجوز أن تكون المؤسسة الدينية تحت هيمنة السياسة بل يجب أن تكون بانية ومستقلة وحرة وأن تكون موجهة للجميع وليس استعلاء ويجب أن تكون مسؤولة عن تضييق الخلافات وتوحيد الكلمة وان تتبنى المؤسسة الدينية مواقف الإسلام المعتدل بدلا من أن تكون طرفا في بورصة المواقف السياسية .

وقد اخرج الطبراني في صحيحه عن ابن مسعود قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا بن مسعود فقلت لبيك يا رسول الله قالها ثلاثا قال ( أتدري أي الناس أفضل ؟ قلت الله ورسوله اعلم قال فإن أفضل الناس أفضلهم عملا إذا فقهوا في دينهم ثم قال يا بن مسعود قلت لبيك يا رسول الله قال تدري أي الناس اعلم ؟ قلت الله ورسوله اعلم قال اعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصرا في العمل وإن كان يمشي على أسته زحفا واختلف من كان قبلي على ثنتين وسبعين فرقة نجا منها ثلاثة وهلك سائرهن فرقة وازت ( واجهت ) الملوك وقاتلوهم على دينهم ودين عيسى بن مريم وأخذوهم وقتلوهم وقطعوهم بالمناشير وفرقة لم تكن لها طاقة بموازاة الملوك ولا أن ينصحوا بظهور دينهم فيدعوا إلى دين عيسى بن مريم فساحوا في البلاد ورهبوا قال الله عز وجل ( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم من امن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يتبعني فأولئك هم الهالكون ) وعن حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا ) رواه الترمذي .

وفي حديث آخر قال الرسول صلى الله عليه وسلم ( ألا إن رحى الإسلام دائرة فدورا حيث دار إلا أن السلطان والقران سيفترقان فالزموا الكتاب إلا انه سيتولى عليكم أمراء ضالون مضلون إن اتبعتوهم أضلوكم وان خالفتموهم قتلوكم قالوا فماذا نفعل يا رسول الله؟ قال كما فعل أصحاب عيسى شدوا على الخشب ونشروا بالمناشير فو الذي نفس محمد بيده لميتة في سبيل الله خير من حياة في معصية وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال كان الناس يسالون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أساله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إذ كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال نعم قلت وهل بعد هذا الشر من خير ؟ قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه قال قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر قلت فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه منها قلت يا رسول الله صفهم لنا قال هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك ؟ قال تلزم جماعة المسلمين قلت فان لم تكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ) اخرجه البخاري ومسلم .

أصبحت شبه الجزيرة العربية مهددة من قبل تهديدين من داخل الأمة الإسلامية تحالف القومية مع المذهبية ومن أسلمة الربيع العربي، وأصبحت شبه الجزيرة العربية تعاني من تداعيات أزمات أخرى تغذي بعضها بعضا أي تعيش دول الخليج أزمة مركبة نتيجة إخفاقات سابقة عديدة سياسية واقتصادية وتعليمية واجتماعية والأزمة الأكبر أن تعالج مثل تلك الأزمات المركبة بحلول تقليدية التي فشلت في السابق ولم نلجأ إلى معالجة جذور المشكلات، ورافق هذا الإخفاق تردد وافتقار اكبر من الحسم العقلاني في القرارات التي تستدعي مواجهة مثل تلك الإشكاليات، وكأن دول الخليج تهرب من استحقاقات التغيير عبر سلسلة تزيد من أزمات المنطقة أو من اجل تأجيلها فقط وهي مجرد كسواتر للاحتماء من استحقاقات التغيير مثل الاستقطاب القبلي والمذهبي والطائفي.

لا تعليقات

اترك رد