الغَرب “السعيد” – ج١


 

_ تظل دائماً الصورة المُبهِرة للغرب هدفاً وحلماً يراود الملايين من بنى أمتنا..
الشوارع النظيفة، النظام، القانون، الخدمات، الرفاهية وغيرها…، بينما تأتى الحريات كدُرة التاج الذى يتباهى الغرب به دائماً بين الأمم ويقدمه كنموذجاً مكتملاً للتحضر.. ومبعثاً لسعادة شعبه.،

_ولكن الحرية فى كافة مجالات الحياة إذا لم تُضبط بمنظومة قيمية نابعة من العقيدة الدينية أولاً.. وليس من أى منظومة قيمية أخرى.. فإن هذه الحرية تتحول مع مرور الزمن إلى حياة يملأها الشقاء والضنك وعدم الإستقرار، فهناك شبه إجماع بين المناهج الفكرية سواء كانت ذات مرجعية دينية أو غير دينية بأن نجاح وفشل أى منهج فى تحقيق الإستقرار والإزدهار يعتمد على مدى حفظ هذا المنهج لما يُعرف بضرورات الحياة الخمس وهى : ( الدين والنفس والعقل والنسل والمال )، لأن الإخلال بأى من هذه الضرورات يؤدى إلى عدم تمكن الإنسان من العيش بأمن وأمان وعطاء وبناء ، ومن هنا فإننا سنرصد معاً ما حصل لهذه الضرورات الخمس أو أكثرها في ظل الليبرالية الغربية منذ بداية ستينيات القرن الماضى، وقد رأيت ألا أُكثِر من التحليل الفلسفى المُجَرد أو الوعظ العاطفى وإنما قررت أن أجعل عقلاء الحضارة الغربية والمتابعون لأحداثها والمُكتوون بآلامها يرسمون لنا صورة واقعية عن المسار الذي أخذته هذه المجتمعات منذ أن حدث فيها طلاق تام بين الليبرالية وبين القيم الدينية، وسنبدأ حديثنا بتبيان الدور الذى تلعبه القيم المستمدة من الدين فى جعل الحرية شجرة طيبة، ثم ننتقل بعد ذلك لتوثيق حجم الحصاد المر الذى جنته الأسرة في المجتمعات الغربية نتيجة لعدم ضبط الحرية بهذه القيم، ثم ننتقل إلى رصد انعكاسات هذه القيم الليبرالية على بقية مكونات المجتمع الغربى حتى يتضح لك عزيزى القارئ أن الحرية المجردة من القيم الدينية هى بمثابة الإنتحار الفعلى والشقاء الدائم .

_ فالقيم هى صِمامات الأمان التي تجعل الإنسان يتقن عمله ويَعدِل فى حق غيره ويتعاون مع كافة أبناء مجتمعه من أجل تحقيق الإستقرار والازدهار، فهى أشبه بالكوابح التي تضبط نزوات ورغبات وأهواء ومحدودية خبرة وقِصَر نَظَر الإنسان، وهذه القيم لاتكون فاعلة في سلوك الإنسان إلا إذا استطاعت أن تؤثر على حوافزه من خلال الترغيب والترهيب، والدين يجعل الإنسان بتطلعه إلى الثواب والعقاب الدائمين فى الآخرة أكثر قدرة على العيش باتزان واعتدال وتراحم في هذه الحياة، وقطعاً لا غنى عن قوة القانون وسطوته ولكن الحوافز التى تقتصر على الدنيا وحدها قد يصبح تأثيرها على أداء الإنسان محدود مع مرور الزمن ويمكنه أن يتهرب منها بطريقة أو بأخرى ، كما سنرى في حديثنا حول الليبرالية وآثارها .

_ وقد أكد الرئيس الأمريكي الثانى “جون أدامز” فى كثير من كتاباته وخُطبه أن الدين والمباديء الأخلاقية المنبثقة منه هي وحدها تمثل صمامات الأمان للحرية وممارستها، ومن غير هذه القيم ستخفق الممارسات الديمقراطية في حماية الحرية وتحقيق الإستقرار، ويضيف قائلاً: أن الدستور الأمريكى قد وُضِع لمجتمع متدين ويتحلى بالقيم ذلك أن الحكومة الأمريكية ليست لديها القدرة على السيطرة أو كبح جماح الأهواء والنزوات الإنسانية الغير منضبطة بالقيم، وقد أصاب آدامز في تشخيصه لأن الكنيسة الغربية بجنوحها عن رسالة المسيح عليه السلام كانت قد أوجدت فجوة بين الدين والحياة ، وبدأت هذه الفجوة فى الإتساع حتى تم طلاق شبه تام بين الإثنين بظهور الليبرالية المنفصلة عن الدين منذ بداية ستينيات القرن الماضى، وهكذا انفلتت الغرائز البشرية التي ذكرها الرئيس آدامز من عقالها فى كل اتجاه، تعمر هنا وتدمر هناك، وبكل أسف فإن تدميرها كان أكبر من تعميرها.. ففى المجتمعات الغربية اليوم ليس هناك نقص في الموارد، أو المعرفة، أو المؤسسات، أو حتى في القوانين، ولكن المصيبة فى غياب القيم التي تضبط استخدام الإنسان لهذه الإمكانات، أو بمعنى أصح ، عدم قدرة القيم الليبرالية التي انتشرت لديهم منذ الستينيات وابتعدت كليا عن القيم الدينية، ثم تمت عولمتها، عدم قدرة هذه القيم على كبح جماح الغرائز والأهواء البشرية بأنواعها وتهذيبها، وإذا بهذه الحرية تتحول إلى معول تهديم في عقول أعراض وأرواح وأموال البشر، وإذا بها تفرز مجتمعات في ظاهرها الرحمة وفي باطنها عذاب التفكك الأُسَرِى، وتراجع الأداء المؤسسى، وارتفاع معدلات الجريمة، وتراجع الثقة بين الأفراد، وغيرها من الإفرازات التى تشير إلى ضنك المعيشة والتى سنكشف بعض منها فى هذه السلسلة.

_ وليس أدل على ذلك مما يؤكده الإقتصادى الأمريكى بجامعة كولومبيا والمستشار السابق للأمين العام للأمم المتحدة “جيفري ساك” فى آخر كتاب له بأن الأزمات التى يعيشها المجتمع الأمريكى هى بسبب القيم الليبرالية التى جعلت الفرد يتصف بقِصَر النظر والإفراط فى سلوكه حيث أنه أصبح يدمن الإستهلاك على حساب الإدخار، ويتمادى فى تحقيق رغباته الشخصية على حساب مجتمعه، وفى عمله على حساب راحته، مؤكداً “سقوط وهم الليبرالية” القائل بأن الإنسان إذا تُرِك وشأنه من غير تقييده بقيم أو مسؤوليات سياسية.. قادر على أن يحقق سعادته، هذا الإخفاق للفلسفة الليبرالية هو الذى يجعل “ساك” يُطالب فى كتابه المذكور بعودة المجتمع الأمريكى إلى “النهج الوسطى” فى الحياة الذى أكد عليه، كما يقول هو كل من بوذا وأرسطو.،

_ ونحن بدورنا نؤكد لهذا الكاتب أنه لو اطلع على رسالة الإسلام من منباعها الأصيلة والنقية لوجد أنها قمة الوسطية والعدل والرحمة، ولكن يكفينا من هذا الكاتب إقراره بالمأزق الذى وصلت إليه الحياة الغربية فى ظل الليبرالية . وقد تتساءل عزيزى القارئ عن سبب استشهادى بأمثلة كلها من الغرب.. وردى هو أننى تعمدت ذلك لأن المجتمعات الغربية تمثل النموذج الذى يتطلع إليه الكثيرون بيننا اليوم ، كما أن تلك المجتمعات قد تجذرت فيها القيم الليبرالية المنفصلة عن أى مرجعية دينية وبدأت آثارها واضحة للعيان، ونحن لاننكر طبعا أن فى هذا النموذج الغربى كثير من النقاط المضيئة التي ساعدت على كثير من الإنجازات المادية التى نشاهدها اليوم، ولكن هذه الإنجازات يجب ألا تعمينا عن الخلل الكبير فى منظومة القيم الليبرالية التى وللأسف بدأت تنعكس سلباً على كثير من الإنجازات التى حققها الغرب، وهذا ليس قولنا نحن فقط وإنما هي شهادات عقلاء الغرب وخبراءه، مما يحتم علينا الإعتبار والتدبر بدل التقليد الأعمى وتكرار الأخطاء، وفى اعتقادى أن انبهار الكثيرين من بيننا اليوم بالنموذج الغربى والابتعاد عن قيمنا الأصيلة يعود إلى سوء استغلال الدين وغياب العدل والقانون فى مجتماعتنا، ويعود كذلك إلى اكتفاء المُقلدون بالمظاهر الخارجية الجذابه لليبرالية الغربية، فهُم وللأسف أقرب إلى من يتذوق حلاوة العسل من غير إدراك للسُم الذى يحتويه، ولكن آثار السم القاتلة تظهر عادةً بعد حين، وسنرى فيما يلى بعض السموم القاتلة التي أفرزتها الليبرالية فى الغرب، وسيتركز حديثنا عن الأسرة وبقية أصعِدة الحياة التى بدأت هذه القيم تنخر فيها كالسوس وتخربها، ثم أترك لك عزيزى القارئ الحكم على تلك المجتمعات أهى حقاً سعيدة كما تبدو لنا من بعيد؟ أم أنها كذبة كبيرة صنعها تلامذة الدجال؟.

** يُتبع…

لا تعليقات

اترك رد