الليل بين الإلهام والإحجام – ج٢

 

قي الليلُ مصدراً لإلهام الشعراء ومعيناً يسبحُ فيه الخيالُ ويسرحُ فيه الفِكْر ، لكنه -وإن كان مُلهِماً لخيالات بعضِهم في الوصف والتشبيه- الا أنّه كان مُحجِماً على خيالات البعض الآخر ، فبقي غايةً عزيزةَ الوصولِ صعبةَ المنال ، فلما أعياهم في إدراكه وتصويره وتشبيهه بغيره ومقاربته لسواه جنحوا عندئذٍ الى صفاته كما اسلفنا فاستعاظ غالب الشعراء عن وصف الليل بوصف صفاته واجزائه وما يتعلق به كوصف الظلمة والكواكب والسهر ولم اجد -منْ وصَفَ الليلَ بعد امريء القيس والنابغة في الابداع والجمال- مثل حندج بن حندج المرّي -والذي بحثت عن ترجمته في ما تيسر لي من المراجع- فلم اعثر له على خبر او أثر سوى بعض الابيات هنا وهناك بضمنها قصيدته التي يصف بها ليل غربته في مدينة “صول” والتي ذكرتها في الجزء الأول لهذا المقال والتي يقول في مطلعها:

فِي ليلِ صولَ تناهى العرضُ والطولُ … كَأَنَّمَا ليله بِاللَّيْلِ مَوْصُول
ثم يكمل بقوله :
متى أرى الصُبحَ قد لاحتْ مخايلُه … والليلُ قدْ مُزقتْ عنه السرابيلُ
لـيـلٌ تـحـيّـرَ مـا ينـحطُّ فـي جـهـةٍ … كأنه فوق متن الأرض مشكولُ

وقوله مشكول هنا أي مشدود ومقيّدٌ وهذا خيالٌ يسلبُ اللبَّ أن جعل الليلَ مقيداً في الارض لا يفارقها وغالب الظن انه أخذ المعنى من شد الخيمة بالاوتاد التي تضرب في الارض ، وهذه مبالغة وكناية رائعة عن طول الليل ولعل هذا القول يسمو بمعناه ويساوي بتعبيره الى ما تقدم من قول النابغة وامريء القيس في وصف الليل وقد حاول مقاربة هذا المعنى شعراءٌ آخرون كثرٌ كقول عدى بن الرقاع فى ذات المعنى وهو شاعر اموي عاصر جريراً والفرزدق حيث يقول:
وكأنَّ ليلي حينَ تغربُ شمسُه … بسـواد آخر مثلِه موصولُ

كذلك فعل حسان بن ثابت من قبله في ابيات يصف بها الليل فلم يهتدِ الى صفته فمال الى وصف طوله و وصف الكواكب والنجوم ومراقبته لها:

تطاولَ ليلي بالجمانِ فلمْ تكن … تهمُّ هـوادي نجمهِ أن تصوبا
أبـيـتُ أراعـيـها كـأني مـوكـلٌ … بها لا أُريــدُ النّوْمَ حَتّى تَغَيّبَا
إذا غارَ منها كوكبٌ بعدَ كوكبٍ … تُرَاقِبُ عَيْني آخِرَ اللَّيلِ كَوْكبا

ولقد اسلفنا بقولنا ان الكواكب كالشمس والقمر لها مطالع ومغايب وحين يصف الشاعر الكواكب انها واقفة لا تسري ولا تتحرك انما يكنّي عن طول الليل ، ومن هنا اخذ جرير قوله في وصف طول الليل مستفهما استفهاماً يليق بطول الليل حين يتساءل هل بُدل الليل حتى ان كواكبه توقفت عن الجريان الى مغيبها ام طال حتى ظلت الكواكبُ طريقَها الى مغيبها ومستقرها:

أبُدّلَ اللّيلُ، لا تسرِي كَوَاكبُهُ … أمْ طالَ حتى َّ حسبتُ النجمَ حيرانا

ولو تمعنا في الاقوال السابقة لوجدنا انهم انما يدورون في فلك واحد فلم يزيدوا على تكرار الفكرة وهي طول الليل اولا ثم القول بأبديته وسرمديته وكأنه موصول بليل ثان
وهذا ما حاول قوله بشار بن برد وهو الشاعر المعروف بالوصف والتشبيه وكان كأنه يلتقط المعاني التقاطاً ويقتطفها من سدرة خياله دون سواه من الشعراء فهو وإن أجاد تشبيه الاشياء بالليل سيما تشبيه النقع (غبار الحرب) بالليل بقوله:

كأنَّ مُثارَ النقع فوقَ رؤسِنا … وأسيافَنَا ليلٌ تهاوى كواكبُهُ

غير انه لم يستطع تشبيه الليل بشئ آخر ولم يزد على تكرار معنى تواصل الليل بالليل كمن سبقه في قوله

خَلِيلَيَّ مَا بَالُ الدَّجَى لاَ تَزَحْزَحُ … وَمَا بَالُ ضَوْءِ الصُّبْحِ لاَ يَتَوَضَّحُ
أضَـلَّ الصَّـبَاحُ الْمُسْتَنِيرُ سَبِيلَهُ … أم الـدَّهْـرُ لَـيْلٌ كُـلُّهُ لَـيْسَ يَـبْـرَحُ
وَطَـالَ عـليّ الـلـيلُ حـتى كـأنّـهُ … بليـلين مـوصـول فـما يـتزحـــزح

فكأن ابن برد كرر قول حسان بن ثابت وقول جرير ،أو كرر ايضا قول حندج : (كَأَنَّمَا ليله بِاللَّيْلِ مَوْصُول) ولم يزد عليهم شيئا الا في تغيير المفردة وتحسين في هيأة البناء الشعري ، وكذلك فعل سعيد بن حميد فى قوله بوصف طول الليل:

يـــا لـيلُ بـلْ يـا أبـدْ ، أنـائم عـنك غـدْ
يا ليلُ لو تلقى الذى ألقى بها أو تَجِدْ

وممن حاول وصف الليل ايضا ابن الرومي غير انه لم يزد على وصف ابديته هو الآخر ولكنه زاد عليه بصورة جديدة لا تخلو من الغرابة بوصف كثرة النجوم وازديادها فيه بالمشيب في ازدياده في الرأس وهذا التشبيه لا يُعد شيئاً مبتكراً أو مدهشاً:

رب ليل كأنه الدهرُ طـــولاً … قـــدْ تناهى فليس فيه مزيدُ
في نجومٍ كأنهنَّ نجومُ الــ … شيبِ ليستْ تغيبُ لكنْ تزيدُ

واستمرت نظرة الشعراء الى الليل في العصر العباسي في هذين الحالين وهي: وصف صفاته وخصائصه ووصف ابديته وسرمديته فلو نظرنا الى قول خالد الكاتب وهو احد الشعراء العباسيين المعروفين بالغزل :

رَقَــدَتَ ولم ترثِ للــساهرِ … ولــيــلُ الـمـحـبِ بـلا آخِـــرِ
ولم تدرِ بعد ذهاب الرقا … د ما صنع الدمع من ناظري

لما وجدنا شيئا جديدا على الاطلاق سوى معان متكررة ببناء واسلوب جديد حتى جاء العباس بن الأحنف الذي قال عنه الجاحظ : لولا أن العباس بن الأحنف أحذق الناس وأشعرهم وأوسعهم كلاماً وخاطراً , ماقدر أن يكثر شعره في مذهب واحد لا يتجاوزه , لأنه لا يهجو ولا يمدح ولا يتكسب ولا يصرف , وما نعلم شاعراً لزم فناً واحداً فأحسن فيه وأكثر الاه ويقصد فن الغزل، وشهد له البحتري ايضا بقوله أنه أغزل الشعراء.
قال العباس ابن الاحنف:

لـمـا رأيت الليل ســدَّ طريقـه … عنّي وعذّبني الظلام الرَّاكدُ
والنـجم في كبد السماءِ كأنه … أعـمى تَـحـيّر مـا لديهِ قائـد
ناديتُ من طَرَدَ الرقادَ بصـدِّه … مما أعالج ، وهو خلوٌ هاجد
يا ذا الذي صدع الفؤاد بهجره … أنت الـبلاء طريفـه والتّالد
ألقيتَ بين جفونِ عيني حُرقة … فإلى متى أنا ساهر يا راقد

وقد جددالعباس بن الأحنف في معاني صفات الليل قليلاً بوصفه الليل بالظلام الراكد مُكنيّاً عن الطول والملل فأتى بجديد مستحسن ثم اردفه بوصف النجم بالأعمى فكانت نقلة جمالية أعجب بها اهل زمانه حتى تعجب له بشار ابن برد وقال عنه: لم يرض أن جعله النجم في الليل أعمى حتى جعله بغير قائد ، ومن الطبيعي ان يكون فهم وادراك ابن برد لهذا الأمر اكبر وأوسع من غيره لانه شاعر عبقري بالاضافة الى انه أعمى،

وللمتنبي عدة مواضع فيها وصف لصفات الليل ايضاً منها قوله:
مَا بَالُ هَذي النّجُومِ حائِرَةً … كأنّهَا العُمْيُ ما لَها قَائِدُ

والذي لم يزد شيئا على قول العباس بن الأحنف بل كأنه نسخ بيته نسخاً أو مسخه مسخاً ان شئت ، فوصف المتنبي للنجم بالحائرة ثم بالعمى ثم حاجتها الى قائد وهذا كله مذكور موصوف في ابيات العباس بن الاحنف ولكن المتنبي له قصيدة يصف فيها الليل وطوله وشعوره نحوه ومعه وشعور الليل إزاء عزمه ، وفيها يقول :

أعزمي طال هذا الليل فانظر … أمنك الصبح يفرق أن يؤوبا
كـأن الـفـجـر حـب مـسـتـزار … يـراعـى مـن دجـنـتـه رقـيـبـا
كـــأن نـجــومَـه حـلـيٌّ عـلـيـه … وقـد حُـذيتْ قـوائمُـه الجبوبا

فهو يقول لعظم الأمر الذي هممت به كان الصبح يخاف من عزمي أن يصيبه بمكروه فهو يتأخر ثم يشبّه الفجر بحبيبٍ قد طلب أن يزور وهو يراعي من ظلمة الليل رقيبا وتتأخر زيارته من خوف الرقيب يريد طول الليل وأن الفجر ليس يطلع فكأنه حبيب يخاف رقيباً، ثم شبه النجوم الثاقبة بحليّ على الليل وجعل وجه الأرض كالحذاء لليل فهو لا يقدر على المشي لثقل الأرض على قوائمه يقول كأن لليل من النجوم حلياً ومن الأرض قيداً ولا يَخْفى التكلف في الصناعة في هذه الابيات مع انها أتت بمعاني جديدة وغريبة في التشبيه لم يطرقها احد قبله ولكن ليس لليل نفسه وانما لصفاته ايضا.

وها نحن استعرضنا ما تيسر لنا في ما قيل في الليل في العصرين الاموي والعباسي فلم نجد تشبيهاً جديدا على ما ذكره ووصفه الجاهليون كالنابغة وامريء القيس مع تنوع في التشبيه لصفاته واجزائه وما لحق به والتغير الذي حصل في وصف الليل فرضه حال الموصوف والغرض الذي قصده الشاعر في ما قال وسنتابع في الجزء الثالث ما قيل في الليل من المتأخرين والمعاصرين من الشعراء فهل سنجد معنى جديدا وابتكارا فريدا ؟؟

لا تعليقات

اترك رد