الصين العظمى المفترضة وتغييرات قواعد اللعبة الدولية ؟

 

بعد تفكك منظومة الدول الاشتراكية وسقوط انظمة حكمها وما تبع ذلك من انتهاء حلف وارسو ومن ثم تفكك الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة والتى استمرت طوال عقود من الزمن؛ تربعت امريكا على عرش القيادة الكونية للعالم كقطب واحد من غير منازع. في ذلك الوقت وتحت زهو الانتصار والوصول الى ما تريد؛ توهمت امريكا ان بامكانها قيادة العالم وتأسيس ما يشبه الحكومة العالمية، حتى ان بعض رموز المؤسسة العميقة اي الحكومة العميقة، كانت خطاباتهم تحمل بوضوح من ان القرن القادم سوف يكون قرنا امريكا.

في هذه الفترة خرجت المنطقة العربية من التاريخ اي اصبحت خارج اللعبة الدولية في صناعة التاريخ وصارحاضرها او الاصح يتم صناعة تاريخها بخطط وارادات دولية وبالدرجة الاساس ارادة امريكية واسرائيلية وبطريقة برغماتية وثعلبية ماكرة ودارماتيكية؛ هيأت سبل نجاحها؛ طغيان الحكام العرب والتنافس على الزعامة وانعدام القراءة العميقة والموضوعية والواقعية لما يروم الاخر من خطط الايقاع لفتح مسارات ووسائل وسبل التدخل والهيمنة وبمساعدة وبارادة واضحة من ملوك وامراء الخليج العربي لترجمة ماتريد امريكا واسرائيل من خطط وبرامج هي في غاية الحنكة والذكاء وجعلها واقع على الارض وبالفعل حققت ما تريد وتطمح ولو الى حين إذ لم تتضح بعد مخرجات الاوضاع الحالية بدرجة كافية لتكون الرؤية دقيقة وموضوعية.

في الطرف الاخر من الكرة الارضية و كذلك في الجوار العربي؛ كانت الدول وأنظمتها وشعوبها تسير حثيثا نحو التقدم والتطور والتنمية في مختلف الصعد. ان الشعوب والدول هي من تصنع الحاضر والمستقبل من خانة الصفر لتكون بعد سنوات دول متوسطة القوة في مختلف مناحي الحياة او دول كبرى الهند مثلا، وبعضها سائرة وبقوة لتكون دولة عظمى الصين تحديدا، يحسب لها العالم الف حساب، على العكس من دول المنطقة العربية والتى لم تتقن وهنا المقصود حكامها، غير الصراخ بالوطنية وانهم المنقذون الوحيدون وان هناك مؤامرة تحاك للشعب والوطن مع أن هذا صحيح في جانب كبير منه ولكن ليس هو الاساس في صناعة الحاضر والمستقبل وألا كيف تمكنت شعوب وحكام من التجاوز والعبور والانتصار على تلك المؤمرات؛ الصين مثلا كما اوضح ما سبق من سطور وغيرها الكثير والكثير. هذه التوطئة اردنا منها ان تكون مدخل متواضع لعالم اليوم السائر بثبات وبقوة الى عالم متعدد القطاب يختلف عن ما يعيشه عالم اليوم، بما في ذلك المنطقة العربية، على الرغم مما تعيشه من نار ودم مسفوك على الطرقات والذي يؤلم اشد الألم.

ان تلك الفلترة القاسية جدا اذا ما احسن التصرف بها من قبل الناس ورموزهم وأحزابهم وحتى منظمات المجتمع المدني ذاتية التمويل ومستقلة الرؤية والقرار من الذين يتصدون لهذا المخطط الامريكي الاسرائيلي الخليجي وليس من قبل المتصارعون حكاما واراهبيون، فهم جزء من المخطط وهم ادوات الفاعلون، اي تفويت الفرصة على مخططيها باستثمار نتائج التحولات العالمية وانتاجها قوى دولية ذات ثقل اقتصادي وعسكري وسياسي وتقني وثقل فاعل وصانع للقرار الدولي في مجلس الامن، تلك القوى الدولية لها او بدأت تتكون لها مصالح في المنطقة وعلى وجه التحديد الصين. لقد أضاع العرب قرن كامل في الصراعات فيما بينهم وظلموا الناس في دولهم وحرموهم من ابسط حق للانسان وهو العيش الكريم وحرية الكلمة وما يتصل بها من خلق وابداع مما انتج الجهل والفقر والتخلف عن العالم وكل هذا كان بدعم وسكوت من قبل الغرب الامبريالي المتوحش وكذا توفير العوامل التى انتجت الممرات التى سلكوها في الوصول الى سدة الحكم والتحكم برقاب الناس وحياتهم ومصائرهم لينتجوا وايضا بخطط امريكا واسرائيل والخليج، امراء وملوك، واقع الخراب، هذا الذي نعيش في اتونه الآن..

أن العالم في مرحلة التحول وهذا التحول يرتكز من وجهة نظر متواضعة؛ على اقطاب تتبلور وجوديا الآن، في الاقتصاد والتجارة والمعلوماتية والصناعة والبحث عن مساحات للمشاركة وليس (مناطق نفوذ) وتلك المشاركة تعتمد على تحرر القرار السيادي من مكبلاته، تكون مساحة للمشاركة ان كان القرار السيادي مستقل وتكون (منطقة نفوذ) ان كان القرار السيادي مصادر. تلك الاقطاب هي الكابحة الى درجة كبيرة للهيمنة الامريكية على العالم وفي صدارة تلك الاقطاب هما روسيا كدولة عظمى والصين الدولة العظمى المفترضة والتى تمتلك جميع عوامل وعناصر هذا الافتراض ليكون حقيقة في القادم من السنوات وتلك العوامل هي عوامل واقعية ولها في الواقع وجود متحرك على الارض بثقة وتمكن. وكي تكون الصورة واضحة، لأن هناك من الذين لهم باع في التحليل السياسي، يرفض هذا الافتراض ويضعه على رف التمنيات والوهم، لذا، لنمر سريعا على تلك العناصر والعوامل:..

الصين بعد عام 1978 زواجت في اقتصادها بين الاقتصاد الحر والاقتصاد الموجه وخلقت الملايين في سنوات قليلة من الشركات الصغيرة المنتجة للسلع رخيصة الثمن والتى تملك جميع ما انتجة الغرب في الشكل والمضمون باستثمارها لليد العاملة الرخيصة. في اقل من ثلاثة عقود تحولت من الانتاج الزراعي فقط الى الانتاج الصناعي لتكون واحدة من الدول الصناعية المهمة. دخلت الى الفضاء لتكون ثالثة دولة بعد روسيا وامريكا لها برنامج واضح في هذا المجال وتسير حثيثا فيه. وثاني اقتصاد في العالم؛ الناتج المحلي الاجمالي الاسمي بلغ اكثرمن 34 ترليون يوان اي ما يعادل ما يقارب الخمسة ترليون دولار.

وتحتل المرتبة الاولى في حيازتها على النقد الاجنبي والبالغ اكثر من 2 ترليون دولار. وتمتلك اكثر من واحد ونصف ترليون من سندات الضمان الامريكية وكذلك تعتبر اكبر ممتلك اجنبي للدين الاجنبي الامريكي اي المديونية الخارجية الامريكية بمبلغ اكثر من 801 مليار دولار من سندات الخزينة الامريكية.. وفي الناحية الديموغرافية وعلى العكس مما يروج عن ذلك الاعلام الغربي بان الصين فيها الكثير من الاعراق والاثنيات صحيح من ناحية وغير صحيح من الناحية الاخرى؛ إذ ان 92% من سكان الصين من الهان مما يجعل هذه القومية تشكل الاغلبية الطاغية في الديموغرافية الصينية، فيما ال 8% الاخرى تشكل جميع الاعراق والاثنيات الاخرى بالاضافة الى ايدولوجية النظام الشيوعي..

اذا هناك شعب منسجم ومتصالح مع ذاته ومع النظام الذي يحكمه. قبل ايام انزلت الصين الى البحر اول حاملة طائرات صينية من صنع صيني ولم تمض سواء ايام لتحلق في السماء اول طائرة ركاب صينية ضخمة من صناعة الصين في تحليق تجريبي..بالاضافة الى معدل النمو الاقتصادي، لايقل في جميع الاحوال عن 8% وهو معدل نمو كبير جدا..جميع هذه التحولات قام بها الصينيون في نصف قرن من الزمن اي منذ عام 1949 من القرن السابق وفي وضع دولي فيه الكثير من الصراع والمؤامرات وحروب الانابة بين العظميين في الحرب الباردة سواء على مشارف حدودها او بالجوار منها او في عزلتها التى فرضتها على نفسها لنصب جدار سميك يصد ويمنع عنها الاعيب امريكا ومؤمراتها في ذلك الوقت. وفي ذات الفترة حصلت دول المنطقة العربية على استقلالها ولم تتمكن من التقدم على طريق التحولات في الاقتصاد والصناعة والحداثة خطوات ذات قيمة تاريخية…

اذا من هذا السرد للمقبلات في افتراضات المستقبل ان الصين سوف تكون لامحال الدولة العظمى في القادم من السنوات مهما حاولت وخططت الامبريالية العالمية المتوحشة وتكون الوازن للعلاقات الدولية بشكل او باخر بالاضافة الى روسيا سواء بموقعها الحالي كدولة عظمى او دولة كبرى تظل لها في اللاحق من السنوات، قوة وتاثير فاعل في التوازنات الدولية مستقبلا. وربما اذا ما حافظ الاتحاد الاوربي على اتحاده بقيادة المانيا ودفع عنه مخططات امريكا الخفية في تفتيت الاتحاد..سيكون القطب الرابع في هذا التوازن..بالاضافة الى اخرى من الدول الكبرى لكنها ليست بمستوى ما ذكر في سابق هذه الكلمات من حيث قوة الفعل والتاثير، الهند والبرازيل مثلا ..

السؤال هنا هل تستطيع دول المنطقة الاستفادة واستثمار هذا التحول الحالي بدرجة وضوح غير مكتمل الوضوح او المفترض الوجود الواضح كلي الوضوح بالفعل والقوة في المستقبل القريب. وتؤسس لعلاقة مصالح برغماتيه على ركائز متينة ومستقرة ومستقلة سياديا وبخلاف ذلك اي في حالة بقاء المصادرة للقرار السيادي كأنك يا فلان ما غزيت..

لا تعليقات

اترك رد