سعد يكن … خيط من دخان

 

كنت ألاحق خيطاً من دخان
يأخذني إلى ذاك المكان
حيث تصير الأفكار ذهباً
وتمضي في قطار العجب
إلى محطات الطرب
وإلى مقاهي الأنس في حلب
حين يتكئ الصمت
على مقاعد من خشب
وتتلاحم الأجساد في كربتها
وترسم الوجوه ملامح غربتها
وتلفظ الأقدام الجدران
وتحنو الأكفّ على الإنسان
بعد أن ترمي السلام
على من أهداها الكلام
وصيّرها أشكالاً
من خطوطٍ ومن ألوان
ثم أطلق العنان للروح
لتهيم في تفاصيل الجروح
وتحكي كان ياما كان
وقصص ألف ليلةٍ وليلة
من أيام زمان
إنه سعد يكن الفنان

كنت لا أزال ألاحق ذاك الشعاع المنتظم المنبثق من عوالم صمته الصوفيّ الذي يسمّونه عزلةً رغم تعدّد الشخوص في غالبيّة أعمالهوتداخلها ضمن وحدةٍ شكليّةٍ ولونيّةٍ محكمة الدراسة والإتقان لتبدو كما لو أنها كائنٌ متعدّد الوجوه والأكفّ والأقدام في سلسلة أعماله اللامتناهية التي تستعرض كائناته عبر خطوطٍ صارمةٍ وقويّة تؤكّد على جدّيّةٍ لا تقبل العبث وتجربةٍ تتوجّه شاقوليّاً إلى مثاليّة تذهلك بقدرتها على الغوص في تفاصيل تشريحيّةٍ للأقدام الحافية والأصابعضمن السياق الذي يخدم حالاتٍ تعبيريّة تعكسها في المجمل الحركات الحانية للأيادي والأكفّ مع الأجساد الوجوه المحورة بالطريقة التي تعكس ذلك الإحساس بالقهر والضجر والاضطهاد والعزلة رغم تلاحمها وتشابهها الذي يؤكّد أن للوجع طعماً واحداً في وطنٍ تسكنه الغربة ، وحياةٍ كالحلم تمضي قطاراً سريعاً إلى المجهول .

يرصد سعد يكن أبطاله في أماكن مختلفة كالمقاهي والخانات التي طالما جاورها محايداً منذ دراساته الأولى للشكل وبحثه في التكوينات ليضيف إليها من ذاته ذلك البعد الذي يعطيها خصوصيتها ابتداءً من التحوير والتكرار أو الإضافة التي تخدم التعبير(كما في اليد الثالثة لعازف البيانو) إلى لعبة الضوء والألوان التي يقدّمها عبر مجموعةٍ من التضادات المتداخلة ضمن إيقاعٍ تتالى فيه اللعبة مابين الحارّ والبارد والأسود والأبيض لتضيء على تفاصيل الحركة والجسد و تسهم في إبراز الصراع النفسي الذي تعيشه شخوصه بينما تبدو الخلفيّة كمحطةٍ يستريح فيها اللون بكامل حضوره وكثافته والمساحة التي يشغلها لتدلّ على حائطٍ لمقهى أو ستارة مسرح حمراء أو أرضية للرقص زرقاء وقد تتداخل الخلفية مع مفردات الشكل أو تحاصرها وتحصرها في بوتقة جسدٍ واحد وللمفرداتٍ الأخرى المشغولةٍ بحسٍّ هندسيٍّ دلالتها المكانية ، كالكراسي والطاولات أوالآلات الموسيقية وغيرها ويبقى أن نشير إلى الأبيض الحياديّ في حركته البادية كخطوطٍ قوسيّةٍ تساير حركة الجسد والألوان وفق إيقاعٍ يخدم الموضوع أو في توضّعه كوشاحٍ شفّافٍ يخفّف من حدّة الألوان في بعض الأماكن التي تخدم

الغرض الجمالي
في أعمال سعد يكن ، قد تجد مزيحاً مركّباً من التعبيرية والتكعيبية والسريالية ، قد تتبنّى فكرتين متناقضتين إحداهما :
لا شيء خاضعٌ للصدفة استناداً للقوة البنائيّة التي يؤسس عليها أشكاله ، والأخرى أنه يستطيع توظيف الصدفة لتبدو كفعلٍ مقصودٍ استنادا إلى قدرته على الإشارة إلى شكلٍ أو وجهٍ عبر خطوطٍ بسيطةٍ وضمن أية مساحةٍ لونيةٍ مرّت عليها فرشاته ، وهنا تكمن القوة في شخصيّته الجامعة مابين فهمٍ واعٍ ومدروس للون ، وحدسٍ أكثر وعياً لمشاعره وأحاسيسه .

لا تعليقات

اترك رد