مبدعون يكتبون خارج أسوار العالم كتاب “الثورة والشعر” للدكتور علي القاسمي

 
الصدى الثورة والشعر

 صدر عن دار البدوي للنشر والتوزيع في تونس كتاب جديد للمفكر الأديب العراقي المقيم في المغرب الدكتور علي القاسمي، عنوانه ” الثورة والشعر” يقع في 230 صفحة من القطع المتوسط، ويضم مقدمة كتبها الناشر الناقد الدكتور محمد البدوي، رئيس اتحاد الكتاب التونسيين السابق، وعشرة فصول سنتناول مضامينها بإيجاز:

1ـــ أسباب الاضطرابات الاجتماعية في بلدان الوطن العربي:
في الفصل الأول يطرح المؤلف وجهة نظره في هذا الموضوع. فهو يرى أن تلك الأسباب متجذّرة في أنظمة الحكم وفي النظام التعليمي. فأنظمة الحكم لا تولي حقوق الإنسان التي تنصّ عليها دساتيرها أية أهمية، ولا تعطي الأولوية للتعليم، والصحة، والحقوق الاقتصادية للمواطنين كالتعويض عن البطالة والشيخوخة والإعاقة. وهذه الخدمات هي الواجبات الأساسية للسلطة وهي الأسس القويمة لعملية التنمية البشرية في أية دولة.

أما النظام التعليمي في البلدان العربية فهو نظام طبقي يعيد إنتاج الطبقية، ويلغي تساوي الفرص، ولا يحقق العدالة الاجتماعية، فهو يتألف من ثلاثة أنواع رئيسة المدارس:

  • مدارس أجنبية، تعلّم منهجاً أجنبياً بلغة أجنبية (الإنكليزية في بلدان المشرق العربي والفرنسية في بلدان المغرب العربي)، ولا تُدرَّسُ فيها ثقافة البلدان العربية ولا لغتها إلا بصورة هامشية اختيارية. وهذه المدارس يؤمها أبناء النخبة الحاكمة والأغنياء بسبب ارتفاع أجورها المدرسية.
  • مدارس خصوصية/ أهلية/ حرة، تعلّم المنهج الوطني مع عناية خاصة باللغة الأجنبية. وتتوافر هذه المدارس في المدن الكبرى فقط، ويرتادها أبناء الطبقة المتوسطة، التي تطيق أجورها المدرسية بشق الأنفس، ما يؤدي إلى إرهاق هذه الطبقة الصغيرة وتضاؤلها.
  • مدارس حكومية سيئة ( أو لا مدارس) لأبناء بقية الشعب، تدرّس منهجاً وطنياً باللغة العربية، ويكثر في هذه المدارس غياب المعلمين، واكتظاظ الصفوف والأقسام، ولا يتمكن خريجوها من استخدام اللغة الأجنبية بصورة وظيفية.

    ولما كانت الدول العربية تصرّ على استخدام لغة المستعمِر القديم ( الإنكليزية أو الفرنسية) لغة عمل في الدولة، وفي المؤسسات المالية والاقتصادية كالمصارف والشركات ، وفي التعليم العالي العلمي والتقني كالطب والهندسة وغيرها، فإن خريجي المدارس الأجنبية وبعض خريجي المدارس الخصوصية هم الذين يستطيعون ولوج الكليات العلمية وتبوأ المناصب القيادية، فيشكلون حكّام المستقبل على الرغم من جهلهم الفاضح بلغة وطنهم وثقافته وتاريخه وجغرافيته، ولهذا فإنهم يشجّعون استعمال اللغة الأجنبية أو العربية العامية الدارجة في التعليم والإعلام والحياة العامة.

    أما معظم خريجي المدارس الحكومية فمصيرهم البطالة بسبب جهلهم باللغة الأجنبية السيدة في وطنهم، وليس لهم سوى الهجرة في “قوارب الموت” إلى أوربا بحثاً عن إنسانيتهم، أو الانخراط في الحركات المتطرفة المشبوهة، ليكونوا حطباً للاضطرابات الاجتماعية والحروب الأهلية. إضافة إلى ذلك، فإن هذه الأنواع الثلاثة من المدارس تخرج أنواعاً مختلفة من المواطنين بعقليات مختلفة، ولا تساعد على التماسك الاجتماعي وتكوين هوية وطنية واحدة، بل تؤدي إلى انقسام مجتمعي، وتضارب في التوجهات والمصالح.

    ويرى المؤلف أن البلدان العربية لا تستطيع بوضعها الحالي تحقيق التنمية البشرية، كما حققتها خلال الستين سنة الماضية كثيرٌ من البلدان التي كانت أقل نموا من البلدان العربية، مثل فنلندا وكوريا وماليزيا والصين وتركيا وإيران وغيرها، لأن هذه البلدان التي تقدّمت، تستخدم لغاتها الوطنية في التعليم بجميع مستوياته وتخصصاته والإدارة والحياة العامة، ما يساعد على إيجاد مجتمع المعرفة. ويحظى التعليم والصحة وحقوق الإنسان بالأهمية القصوى في هذه البلدان المتقدمة. وهكذا تكون السياسة التعليمية والسياسة اللغوية في تلك البلدان من وسائل تحقيق تساوي الفرص أمام المواطنين، وتوفير لعدالة الاجتماعية، وإحقاق الديمقراطية التي هي ليست مجرد صناديق الانتخاب.

    إن الواقع البائس الذي يعيشه الفقراء والمهمشون والمظلومون والمستضعفون في البلدان العربية يؤجج في أعماقهم الغضب والحقد ولا يترك لهم خياراً إلا التمرد عليه. والثورة، لغةً، تعني الغضب والهيجان؛ وتعني في السياسة وعلم الاجتماع، أعمال عنف يقوم بها شعبٌ من الشعوب تؤدي إلى إسقاط السلطة السياسية القائمة أو طرد المستعمر من البلاد، من أجل أن يسترد الشعب حرياته الطبيعية والمدنية والاقتصادية، بقيادة جديدة، ونظام سياسي اجتماعي واقتصادي جديد قائم على إيديولوجية جديدة، يدعمه الشعب ويصونه، لأنه يحقق العدالة الاجتماعية.

    أما ما سُمّي بثورات الربيع العربي ، فلا ينطبق عليها الوصف الأكاديمي للثورة، فقد كانت مجرّد انتفاضات أو هبّات شعبية سلمية، لا تؤطّرها قيادة معلومة، ولا توجهها فلسفة محددة، وكل ما استطاعت تحقيقه هو تنحي الطاغية، وبقاء السلطة السابقة قائمة بأجهزتها وتوجهاتها المعهودة.

    ويؤكّد المؤلّف أن الفن عموماً، والشعر خصوصاً، هو شبيه بالثورة إن لم يكن صنوها وتوأمها. فالفن بطبيعته يرفض الواقع ويتغيّا إلغاءه وإعادة صياغته برموز وعلامات جديدة ومعانٍ جديدة وقيم جديدة، تماماً كالثورة. ولا يتدفق إلهام الفنان فعلاً فنياً إلا عندما يبلغ درجة عالياً من القلق والتوتر، إن لم نقل الهيجان النفسي والجنون، تماماً كالثائر الذي يكتسح كل شيء يقف بوجهه. وينبئنا التاريخ أن الأدب عموماً ــ والشعر خصوصاً ـــ كان دوماً محرضاً على الثورات، وممهداً ومؤججاً لها، ومتغنياً بها، وممجداً لفكرها وشهدائها.

    بعد هذه المقدمة النظرية يختار المؤلف عدداً من الشعراء العرب المعروفين بكتاباتهم الثورية، من غير الأسماء المعروفة التي دُرست كثيراً من قبل، كأبي القاسم الشابي، وعبد الوهاب البياتي، ومحمود درويش، وصلاح عبد الصبور.

    2 ـ حسن طلب شاعر الثورة المصرية:
    للدكتور حسن طلب أستاذ الفلسفة في جامعة حلوان، له كتب في الفلسفة واثنتا عشرة مجموعة شعرية، معظمها ثوري التوجه مثل مجموعته التي يدين بها احتلال أمريكا للعراق وعنوانها ” هذه كربلاء وأنا لست الحسين“. ولم يمنح المؤلفُ الشاعرَ حسن طلب لقب “شاعر الثورة” لأنه كتب قصائد ديوانه ” إنجيل الثورة وقرآنها” (القاهرة، 2011) المكوَّن من ثلاثة أجزاء في ساحة التحرير مع الثائرين، بل لأنه حرّض على الثورة وتنبأ بها في ديوانه ” عاش النشيد” ( القاهرة 2006 ) الذي يتضمن قصائد نارية ضد رئيس الجمهورية آنذاك، حسني مبارك، وهو على كرسي الحكم، مثل قصيدته الساخرة ” مبروك مبارك ” التي كتبها الشاعر بمناسبة إعادة ترشح مبارك لفترة رئاسية جديدة، ويقول فيها:

    ” مبروك مباركْ/ أنت ستنجح لا شكْ/ ستبقى لسنواتٍ ستٍ قادمةٍ/ إن شاء الله تباركْ…/
    لا ريب ستنجحْ/ فليفرح نجلاكَ وسيدة القصر/ وليسُ يهمّ إذا حزنتْ مصرْ/ فمبروك مبارك …/
    هنيئاً لك للغلمانِ وللصبيانِ / هنيئاً للشيخِ وللمطرانِ/ هنيئاً للأمريكان/ فسوف تظلُّ كما كنتَ لهم/ تصدعْ إن أمروكْ/ وتزدجر إذا رجروكْ/ مبروك مبارك مبروكْ…/
    أنتَ ومن حولكَ…/ يعيثون فساداً في البلدِ/ فكم نهبوا وكم سلبوا/ أنا لا أذكر مليارات ذويكَ وقنطاركْ.”

ثم نشر قصيدته الشهيرة ” نشيد الحرية” في العام ذاته 2006 يحرِّض فيها على الثورة :
لا مبروك بعد اليوم وليس مباركْ…/ فتشجّعْ واستجمعْ جأشكَ/ وأقمْ ـــ أنتَ بنفسكَ ــــ/ في وجه الفئةِ الفاسدةِ المفسدةِ/ جداركْ/ لا تتركْ منهم فِسلاً يتسلَّق أسواركْ/ وستصبح ما أفرطتَ ولا فرَّطتَ/ إذا سلطتَ عليهم إعصاركْ…”

ويعلِّق المؤلِّف على هذه القصائد التي تسبّ رئيس الجمهورية وتشهّر به قائلاً:
وحتّى إذا افترضنا أنَّ السلطة الحاكمة آنذاك أخذت تتبع مبدأ ” خليهم يقولوا اللي عاوزين، واحنا نعمل اللي عاوزين”، فإنَّ كتابة مثل هذه القصائد الملتهبة، تحتاج إلى جرأةٍ نادرةٍ وشجاعةٍ خارقة، مثل جرأة وشجاعة هذا الشاعر الصعيدي الأسمر الطويل، الضامر الجسم مثل أسد هصور.”
 ويلاحظ المؤلف أن قصائد ديوان ” إنجيل الثوًرة وقرآنها” قد كُتِب معظمها، إن لم تكن كلها، في ميدان التحرير، مستنتجاً ملاحظته هذه من مضامين القصائد. فالشاعر يصف هجوم قوات الأمن على شباب ميدان التحرير بدقَّةٍ كما لو كان يرسم لوحةً بالكلمات أو يصوِّر شريطاً سينمائياً بالألوان:

“سقطَ الشهداءُ/ على أرصفةِ الميدانِ/ فلم يطرِف للطاغيةٍ الفاسدِ رمشْ!/
ظلَّتْ قواتُ الأمنِ تطاردنا/ ساعاتٍ/ بخراطيمِ مياهٍ وهراوى/ وقنابلِ غازاتٍ/ قلنا سنواجهُ هذا الوحش.
لكنّا فوجِئنا برصاصٍ حيٍّ/ وبنادق رشْ/
فحملنا الشهداء/ وأسعفنا الجرحى…”

وعندما يتبيَّن للشاعر والثوّار أنَّ المجلس العسكري يتلكأ في تلبية مطالب الجماهير في محاسبة أقطاب النظام السابق، وفي تسليم السلطة إلى حكومةٍ مدنية، يعود الشاعر إلى التحريض لتستمرَّ الثورة:

” لا تصبروا يوماً على طغاتكم/ لا تصمتوا من أدبٍ/ فالصمتُ ما كان/ ــ كما قيل لكم ـــ/
من ذهَبٍ/ كلا/ وليسَ الصبرُ/ مفتاحَ الفرَجْ.”

ويظهر من عنوان الديوان وإهدائه، حرصُ الشاعر على التآخي بين المسلمين والأقباط في مصر. فالشاعر مدرك أن أعداء الأمة العربية قد وضعوا الخطط لضرب التضامن العربي التي أظهرته البلدان العربية إبان حرب رمضان 1973، لتقسيم البلدان العربية عن طريق إثارة النعرات الدينية والطائفية والعرقية والعشائرية ، وإثارة الحروب الأهلية في كلِّ دولة، ثمَّ تقسيمها بعد ذلك. وهكذا اشعلوا البغضاء والعداء في السبعينيات بين المسلمين والمسيحيّين في لبنان، وبين الأكراد والعرب في العراق، وبين الشماليِّين والجنوبيِّين في السودان؛ كما افتُعِلت خلافات بين الأقباط والمسلمين في مصر، وبين الأمازيغ والعرب في بلدان المغرب العربي ( مع ضرورة التنبيه إلى مسؤولية الأنظمة العربية غير الديمقراطية في ذلك). وفي التسعينيات اشتغلت كثير من برامج وسائل الإعلام على تأجيج الخلافات بين السنة والشيعة، وافتعال البغضاء بين الأقباط والمسلمين في مصر التي كان يستغلها النظام المصري الحاكم، فحُرقت كنائس قبطية واختُطف بعض الأفراد لانتمائهم الديني. ولهذا فإنَّ الشاعر حرص كلَّ الحرص، في ديوانه، على التأكيد على وحدة المصريِّين على اختلاف طوائفهم الدينية. فالعنوان، ” إنجيل الثورة وقرآنها“، لا يعني فقط أنَّ هذا الديوان هو أهمّ عملي شعري عن الثورة المصرية، (كما نقول مثلاً أن كتاب “أصل الأنواع” هو إنجيل أصحاب نظرية التطوّر)، بل يلمِّح كذلك إلى التآخي بين الدينيْن المسيحي والإسلامي في مصر وثورتها.

بيدَ أنَّ هذا لا يعني أن الشاعر يزكّي قادة رجال الدين الذين استخدم النظامُ المصري السابق بعضَهم في خدمة أغراضه، فعملوا على خنق حرّية التعبير باسم الدين، فالشاعر يعلن في قصيدة ” الشيخ والمطران”:

” الدين للديّان/ والميدان كلّه لنا/ لا الشيخ قد شاركنا فيه/ ولا المطرانْ!
كلا/ فنحن ما رأينا من كليهما/ سوى الجحودِ والنكرانْ!
الفضلُ للسلطانِ/ في الذي أفادا منه/ أو حازا/ فلا غروَ إذا انحازا إلى السلطانْ!

فالشاعر الدكتور حسن طلب من المفكرين العرب المؤمنين بفصل الدين عن السياسة بحيث تكون علاقة الدولة بالمواطنين علاقة قانونية ترتب واجبات وحقوقاً على الطرفين ولهما، ولا تقوم على انتماء المواطن الديني أو المذهبي أو العرقي أو العشائري، بحيث يشعر الجميع بالمساواة.

3 ــ كتابات ثورية خارج أسوار العالم:
ينتقل المؤلف في الفصل الثاني من مصر إلى المغرب، ليتناول ديوان ” كتابات خارج أسوار العالم” ( بغداد 1987) للشاعرة المغربية المناضلة مليكة العاصمي التي تعدّ من رواد الشعر الحر في المغرب. وكان عبد الوهاب البياتي قد أعجب بشعرها وكتب قصيدة عنها، ورد فيها:
ساحرةٌ في الدار البيضاء/ وفي الأندلس المفقود، افتضت/ ختم الشعر/ وقالت للطلسم العسلي بعينيها/ أنتَ مريدي/ فاخترني من بين ملكات الأطلس ملهمةً/…”

ففي هذا الديوان، ترسم الشاعرة مليكة العاصمي خارج أسوار هذا العالم التعيس الزاخر بالفقر والجهل والمرض، عالماً جديداً على مقاس طموحها وتطلعاتها، حيث تُصان كرامة الإنسان وتُحفظ حقوقه:

قتامتي اكتسبتها من الحياة القاتمة
من جوع جارتي التي تعيش في الغصص
من الصغار البؤساء يقتاتون ” بالمخاط”
قتامتي
من دَكنة الحياة في كهوف الفقراء
في بلدتي
من أدمع الأرملة التي بلا قمح ولا طاحون
من جهل بلدتي كيف تقود طفلها التعيس…

وفي قصيدة ” الداء” من هذا الديوان تنحى الشاعرة على المثقفين من حملة المشاعل ونافخي الأبواق وقارعي الطبول، ممن يتهافتون على الخنوع والركوع أمام الطغاة حتى فقدوا إنسانيتهم، وأمسوا مطية للأسياد تحمل الأوزار:

الداءُ ينتشر/ داءُ التحامر/ ينفثه المريض في النهيق/ ثم تموت النظرة الحنونة/ وتستطيل الآذانُ / ويبتُ الشعرُ على الجلود/ ثم يصير الشخصُ من فصيلة الحمير/ يليق للركوب/ يحمل أثقال السادة الكبار/ يظل خانعاً وظهره مطيةٌ للآخرين…”

وإذا كانت الشاعرة قد شبهتهم بالحمير، فإن محمد مهدي الجواهري في قصيدته الثورية ” أطبق دجى” قد شبه الجماهير الخانعة بالذباب والمِعزى والمسوخ والكلاب …

4ــ الثورة الجزائرية في الشعر العراقي:
في هذا الفصل الرابع، يتناول المؤلف كتاب ” الثورة الجزائرية في الشعر العراقي” للدكتور عثمان سعدي الذي كان أمين مكتب جيش التحرير الجزائري في القاهرة أبان الثورة الجزائرية ( 1954 ـــ 1962) ثم أصبح سفير الجزائر المستقلة في بغداد، فاغتنم فرصة وجوده في العراق ليدرس في جامعة بغداد ويجمع أشعار العراقيين في الثورة الجزائرية لتكون أطروحته للماجستير.

تقع الطبعة الثالثة للكتاب ( الجزائر 2001) في 803 صفحات من القطع الكبير ، وتضم 255 قصيدة أبدعها 107 من شعراء العراق يقيمون في أكثر من 20 مدينة وبلدة في أنحاء العراق المختلفة. ويعلق القاسمي قائلاً:

في تقديري الشخصي أن هؤلاء الشعراء الـ 107 لا يمثلون إلا نسبة صغيرة من شعراء العراق آنذاك، فالشعر سمة العراقيين منذ عهد السومريين… كما أن هذه القصائد الـ 255 التي حصل عليها الدكتور عثمان سعدي لا تستقصي جميع القصائد التي قيلت في الثورة الجزائرية. فكل شاعر عراقي كتب عن الثورة الجزائرية قصيدة أو أكثر؛ ومن الشعراء مَن كتب مجموعة شعرية كاملة عن الثورة أو أحد أبطالها. فللشاعر الكبير علي الحلي مجموعتان شعريتان كاملتان عن الثورة الجزائرية.”

ويستخلص القاسمي من الكتاب بعض الأمور أهمها:َ

  • أن الشعر يظل حياً في أرض الرافدين، وهو بحق ديوان العرب، فالشاعر هو الناطق باسم أمته المعبّر عن مشاعرها وآلامها وآمالها.
  • إن الشعراء العراقيين الذين أبدعوا قصائدهم في الجزائر وثورتها، ذوو انتماءات سياسية متباينة، من أقصى اليسار إلى أدنى اليمين، وينتمون إلى مختلف الشرائح الاجتماعية ومتباين المناطق الجغرافية.
  • تناول الشعراء العراقيون في قصائدهم عن الثورة الجزائرية موضوعات متعددة مثل وصف بطولات الثوار وتضحياتهم وأمجاهم، وفرنسا وحلفائها وطبيعة الاستعمار، وتقاعس الأنظمة العربية عن دعم الثوار ( مع أن جميع الأقطار العربية قدّمت الدعم المادي والمعنوي للثورة)، وجميلة ونضال المرأة الجزائرية، فقد أصبحت الثائرة جميلة ومدينة وهران وجبال الأوراس رموزاً للثورة ( هناك ثلاث ثائرات يحملن هذا الاسم: جميلة بوحيرد، وجميلة بوباشا، وجميلة بوعزة، وأمضين سنوات طويلة في السجن حتى وقف إطلاق النار سنة 1962).
  • تكمن قيمة كتاب الدكتور عثمان سعدي في أنه يضم مجموعة من قصائد كبار الشعراء العراقيين في الثورة الجزائرية، مثل محمد مهدي الجواهري وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف، والشواعر نازك الملائكة وعاتكة وهبي الخزرجي ولمبعة عباس عمارة ، وغيرهم وغيرهن.
    فموضوعة قصيدة الجواهري هي تشجيع الثوار ودفعهم للتضحية من أجل الحرية ومطلعها:
    ردي علقم الموت لا تجزعي     ولا ترهبي جمرة المصرع
    فما سَــعُرتْ جمراتُ الكفاح       لغير خليـــقٍ بهـــــا أروعِ

    أما موضوعة قصيدة نازك الملائكة فهي السخرية المرة مما قدمته الدول العربية لدعم الثورة الجزائرية:

جميلةُ! تبكين خلف المسافات خلف البلادْ

     وترخين شعركِ، كفكِ، دمعكِ خلف الوسادْ،

     أتبكين أنتِ؟ أتبكي جميلهْ؟

     أما منحوكِ اللحونَ السخيات والأغنيات؟

     أما أطعموكِ حروفاً؟ أما بذلوا الكلمات؟

     ففيم الدموع إذن يا جميله؟

ونجد هذا النقد اللاذع الذي يعبّر عن عجز المثقف العربي في قصيدة عبد الوهاب البياتي المهداة إلى جميلة:

كل ما قالوه كذبٌ وهراءْ،

       اللصوص الشعراءْ،

       الحواة الأغبياءْ،

         إنني أحسستُ بالعارِ لدى كلِّ قصيدةْ

         نظموها فيكِ، يا أختي الشهيدةْ …

ويتحدث القاسمي عن الآلام التي سببتها له قراءة كتاب صديقه الدكتور عثمان سعدي، ويعللها بثلاثة أسباب:

الأول، إن قراءة الكتاب أعادت إلى نفسه بشكل غريب تلك المعاناة النفسية المبرحة والمشاعر الحزينة التي كانت تنتابه وجميع الشباب العراقيين أيام الثورة الجزائرية، بسبب ما يسمعونه في الأخبار من إجراءات وحشية قمعية يقترفها الجيش الفرنسي ضد المواطنين الجزائريين.

الثاني، خيبة الأمل التي أصابت جيله الذي كان يحلم بتحرير الجزائر وفلسطين وتحقيق الوحدة العربية والتنمية البشرية، ولكن أحلامه تبخّرت في هذا الوقت الذي يقوم فيه أعداء الأمة العربية بتقطيع بلداننا وتقسيم المقسَّم..

الثالث، أنه قرأ في الكتاب قصيدةً لصديقِ الصبا الشاعر الراحل حميد فرج الله، وكانا يعدان نفسيهما بمثابة أخوين، وتعاهدا على أن يظلا متحدين مدى الحياة، ولكن يد الموت اختطفت الشاعر فرج الله في عز شبابه، في حين كان القاسمي في ديار الغربة ولم يستطع حتى حضور جنازته ومواساة أطفاله.

5 ـ الشاعر فاروق شوشة والإرهاص للثورة:

يضمُّ الكتاب في فصله الخامس دراسة معمَّقة لديوان الشاعر الكبير فاروق شوشة ” النيل يسأل عن وليفته” ( القاهرة 2009). ويُعدُّ شوشة هرمًا من أهرام الثقافة العربية المعاصرة، فهو صاحب برنامج ” لغتنا الجميلة ” الإذاعي الشهير، وهو كاتب مقال أسبوعي في جريدة الأهرام القاهرية، وهو الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالقاهرة.

وفي هذا الديوان قصائد تعرّي الأوضاع الاجتماعية المتردية في مصر قبل الثورة، وتجأر بالشكوى المرة من الطغيان والطغاة، وتنطلق الشكوى من العنوان الذي يلمّح إلى سؤال النهر العاشق ( النيل) عن وليفته المريضة (مصر)، وتنتهى بخطاب يوجهه الشاعر الى نهر النيل:

أنتَ هل تصلح ما أفسده الدهر؟

وهل تمحو من السيرة أيامَ طغاةٍ وعصاةٍ،
أشعلوا النيران في الأجرانِ،
والأحزانَ في الأزمانِ،
والأحقادَ في القربانِ،
وانحازوا إلى الطاغوتِ
جبارين..
شاهدٌ أنتَ على الظلمِ
الذي طال عميماً وعتياً
وظهورٍ فتكتْ فيها سياط القهر…

ويقول القاسمي عن صديقه شوشة:
ومثل جميع الشعراء الرومانسيين، فإن فاروق شوشة وحيد كحبة رمل صادية، ظمآن دائم البحث عن نبع الحب الصافي، يحلم بعالم أخضر نديّ، يظلّه الغمام، ويسقيه الغيث، ويحلق فيه اليمام، فيغرّد للحب، الحب بمعناه الوجودي الواسع الذي يهب للحياة مذاقاً ومعنى وغاية، ويتجلى هذا الحب في صورتين في شعره: حب المرأة وحب الوطن.”

6 ـــ أستاذتي قيثارة العراق عاتكة وهبي الخزرجي:
لعل أروع فصول الكتاب وجدانية، دراسة المؤلّف عن أستاذته الراحلة الشاعرة عاتكة وهبي الخزرجي، وهي دراسة تتناول حياة الشاعرة: طفولتها، ودراستها في دار المعلمين العالية ببغداد، والتحاقها بجامعة السوربون في فرنسا، وحصولها على الدكتوراه، وعودتها أستاذة في دار المعلمين العالية حيث كان المؤلّف يدرس ، وهو فتى، فيقع في حب أستاذته النادرة الحسن، حباً وجدانياً عفيفاً، وعشقاً طاهراً لأخلاقها وقيمها وطيبتها ووطنيتها وشعرها وحسن معاملتها لطلابها. يقول القاسمي:
كانت الدكتورة عاتكة الخزرجي تجمع في شخصيتها الجميلة بين غنج الفتاة البغدادية المترفة والأناقة الباريسية الجذّابة، والخُلق الإسلامي المحافظ. كانت في ذروة شبابها لم تتعدَ السنة الحادية والثلاثين من عمرها المبارك، تصفِّف شعرها الفاحم السواد على شكل زهرتي دالية تحتضنان وجهها الصبوح ذا الملامح المليحة المتناسقة الساحرة، الذي تشرق فيه ابتسامتُها الصغيرة الحيَّية المرسومة بعنايةٍ على شفتيْها الحمراويْن المكتنزتيْن. وعندما تكبر ابتسامتها، تكشف عن أسنانٍ لؤلؤيةٍ ناصعة البياض، وتبدو غمّازتان أخّاذتان على الخدَّين الأسيليْن. قوامها لدن رشيق لا يشتكي منه طولٌ ولا قصر، مع بروزٍ ملحوظ في صدرها الناهد. تمشي بخطواتٍ رشيقةٍ خفيفةٍ مموسقة كما لو كانت تؤدِّي رقصة الفرح على ألحان شِعرها المنغَّم، ويفوح خلفها عطرُها الباريسي النادر الفريد. في تلك الأيام كان يكفيني أن أقترب من غرفة أساتذة اللغة العربية في بناية دار المعلمين العالية، لأعرف ما إذا كانت الدكتورة عاتكة قد وصلت أم لا يقول القاسمي في كتابه أيضا وهو يشعر بأنه عاد إلى تلك السنوات: ( وفي هذه اللحظات التي أكتب خلالها هذا المقال بالحاسوب في المقهى الشتوية في شارع محمد السادس في مدينة مراكش الرائعة، تناهي إليَّ، على بُعد المسافة، أريجُ عطرك الفوّاح، يا عاتكة، بعد أكثر من خمسين سنة من الفراق).”

 أما الدكتورة عاتكة فقد كانت عاشقة للشاعر العباسي، العباس بن الأحنف (103ـــــ192 ه/ 760 ـــ 809م) شاعر هارون الرشيد الذي كان هو الآخر ” من الظرفاء، ولم يكن من الخلعاء، وكان غزلاً ولم يكن فاسقاً، كان ظاهر النعمة، ملوكي المذهب، شديد الترف” ، كما وصفه المبرد. وقد خصت عاتكة شاعرها المفضل بأطروحتها للدكتوراه بإشراف المستشرق ريجي بلاشير، مترجم معاني القرآن الكريم إلى الفرنسية، كما حققت ديوانه وكشفت عن سرٍّ لم يُعرف من قبل وهو أن (فوز) التي كان يتغزل بها كثيراً في شعره، اسمٌ مستعار للأميرة العباسية علية بنت المهدي، أخت الخليفة هارون الرشيد، ولم يصرّح باسمها لئلا يسيء إلى سمعتها وما عُرفت به من تديّن وعفة.

وكانت عاتكة ثورية في شعرها خاصة تلك القصائد التي تفضح فيها فساد الحكومات العربية القائمة آنذاك، ما أدى إلى النكبة الفلسطينية. تقول في قصيدة عنوانها ” فلسطين، هيا ثورة عربية“:

إليك عن الشكوى فلسطين إنَّنا       نفوسٌ ستحيا أو تكون حطاما…
لقد جمعتنا يا فلسطينُ نكبةٌ         كما تجمعُ الأحزانُ شملَ يتامى
فلسطين هيــــــا ثورة عربية           تصيِّرُ أبـــراج الطــغاة ركاما

7 ـ الثورة الدلالية في الشعر:
يتطرق المؤلّف في هذا الفصل إلى الثورة التي أحدثها التصوّف في الشعر. فالخطاب الصوفي أغنى اللغة العربية بإكثاره من الإشارة والرمز والتلميح والشطح، ولم تعد اللغة مقتصرة على الكلام والقول. فإذا نظرنا فى بيتي القطب الصوفي أبو بكر الشبلي 247ــــ 334ه/ 861ـــــ 946م):
باح مـــجنونُ عامــرٍ بهــــواهُ       وكتمــتُ الهوى فمــتُّ بوجـــدي
فإذا كانَ في القيامةِ نودي:     مَن قتيلُ الهوى؟ تقدّمتُ وحدي

نجد أن الكلمات الاعتيادية (الهوى) و ( الكتمان) و ( الوجد)، مثلاً، لم تُستعمل في دلالاتها المعروفة، وإنما أصبحت هنا مصطلحات صوفية ذات مفاهيم مختلفة.

ويبيّن المؤلّف أن الخطاب الصوفي يشوبه الغموض والالتباس والغرابة لسببين

الأول، عدم وجود علاقة مستقرة بين المصطلح الصوفي ومفهومه، لتعدد المدارس الصوفية.

والثاني، لجوء المتصوفة إلى الغموض والتلميح وتجنّب التصريح لسبب من الأسباب، لأن التصوف أمر باطني لا يمكن الوقوف عليه.

ويناقش المؤلّف بعض الأدباء والباحثين الذين يتوسعون في مفهوم التصوف، مثل الدكاترة زكي مبارك، الذي كان يعدّ كلَّ شعر ذا نزعة وجدانية، وكلّ شعر ذا عاطفة صادقة، وكلَّ ممارسة شعرية تنزع إلى المطلق، شعراً صوفياً، وهكذا خلط بين الشعر الصوفي والشعر العذري من جهة، وبين الشعر الصوفي والشعر الرومانسي من جهة أخرى. أما القاسمي فيضع خصائص محددة ينبغي توافرها في القصيدة كيما تنتمي للشعر الصوفي، وأهم هذه الخصائص:

أولاً، قدسيّة المحبوب:
يساعدنا هذا المعيار على التفريق بين الشعر العذريّ والشعر الصوفيّ، فإذا كان الشعر العذريُّ يتَّفق مع الشعر الصوفي في صدق العاطفة اتجاه المحبوب، والإخلاص له وحده، والاستعداد للتضحية بالنفس من أجله، والفناء فيه، فإنّهما يختلفان في نوع هذا المحبوب. فالشعر العذري يتعلَّق بكائن بشريٍّ فانٍ، امرأة كان أو رجلاً. أمّا الشعر الصوفي فيتعلَّق بذاتٍ مقدَّسة وبالتحديد الذات الإلهية أو الرسول محمد (ص).

ثانياً، قصديّة القصيدة:
تتّسم القصيدة الصوفيّة بقصدٍ محدَّد هو تمجيد الذات الإلهيّة أو مدح الرسول (ص)، وإظهار حبّ الشاعر وإخلاصه وتفانيه في حبّهما. أمّا إذا كان الغرض من القصيدة تمجيد المكان أو الزمان أو التأمل في الوجود الإنسانيّ أو جمال الطبيعة، فهي لا تُعدّ من الشعر الصوفي، بل من الشعر الرومانسي أو غير ذلك، ولكنّها ليست من الشعر الصوفي بالتأكيد لاختلاف القصد.

ثالثاً، اللغة الإشارية:
تُعرَّف اللغة، عادةً، بأنها “أصوات يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم“. بَيد أنّ الصوفيّ يستخدم اللغة للتعبير عن حالاته المختلفة، وهي حالات ليست من الأغراض التي تعارف عليها القوم ولا تنتمي إلى واقعهم. فالصوفيّ بين حضورٍ وغياب، بين اتِّصالٍ وانفصال، بين صحوٍ وسكر، فهو دائم التنقُّل بين عالم الشهادة وعالم الغيب. فإذا انفصل عن العالم الواقعيّ الذي نعرفه وخرج عن نفسه، وارتقى في مدارج الصعود، ودخل عالم الحقيقة المطلقة، فإنّه لا يستطيع أن يصف تجربته تلك بلغتنا الاعتياديّة الصالحة لعالمنا الواقعي التي تحكمها قواعد المنطق، وقواعد النظم والبلاغة، وقواعد علم الدلالة. وإذا اضطر الصوفيّ إلى استخدام هذه اللغة فإنّه مضطرٌ إلى تجاوز تلك القواعد وتحطيم العلاقة القائمة بين الألفاظ ومعانيها المعتادة وجعلِ تلك الألفاظ تشير إلى مدلولاتٍ جديدة. فكما تنفصل روحُه عن جسده، فإنّ لفظه ينفصل عن معناه المتعارف عليه لتحلَّ فيه إشاراتٌ ودلالاتٌ لم نألفْها من قبل.”

8 ـــ سميح القاسم شاعر الثورة والمقاومة الفلسطينية:
يرى القاسمي أن النكبة الفلسطينية أثــَّرت في نفوس الشعراء الشباب أينما كانوا في الوطن العربي، فأصبحت عقولهم تتأجج رفضاً للأنظمة البالية، وغدا وجدانهم يتطاير تمرداً وثورة، وهم يستمعون إلى الإعلام العربي الرسمي الزاخر بألفاظ رنانة محنّطة في قوالب البلاغة القديمة، فانبروا يبحثون عن قوالب شعرية جديدة وأساليب حديثة تتسع لأفكارهم الثورية وتحل محل الأوزان الخليلية التي أمست مستهلكة، ولم تعد مؤثرة فاعلة في وعي المتلقي ووجدانه. ومن هنا ظهرت حركة الشعر الحر أو شعر التفعيلة في أواخر الأربعينيات على يد ثلاثة من طلاب دار المعلمين العالية في بغداد: بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي. وسرعان ما تلقفها وطوّرها نزار قباني في سوريا وصلاح عبد الصبور في مصر، وشعراء المقاومة في فلسطين، ومليكة العاصمي في المغرب وغيرهم كثير.

فحركة الشعر الحر لم تكن مصادفة زمانية، بل تفاعل عاطفي عميق مع نكبة فلسطين التي فجّرت إرادة الفعل الثوري في وجدان الشعراء الشباب، وهكذا نزل الشعر العربي من عليائه وعزلته، وتنسكه وتصوفه، ليختلط بالجماهير العريضة التي أصابها الضيم، فيعبّر عن وجدانها وضميرها وينشد معها أحزانها ومرثيات شهدائها، ويحوّل الكلمة إلى رصاصة مارقة، والعبارة إلى مشعل متأجج . يقول سميح القاسم:

  • أنا قبل قرونْ/ ما كنتُ سوى شاعرْ/ في حلقات الصوفيينْ/ لكني بركان ثائرْ/ في القرن العشرينْ/…”

كتب القاسمي هذه الدراسة بمناسبة رحيل الشاعر سميح القاسم في آب سنة 2014، ليُرفع نعشه على أكتاف فتيان قرية الرامة الفلسطينية ( أراضي 1948) وشيوخها ومعهم أولاده الأربعة: وطن ووضاح وعمر وياسر، وتسير خلف نعشه، صبايا البلدة ونساؤها وهن يزغردن وينشدن قصيدته التي لحَّنها وغنّاها الفنّان اللبناني المتميِّز، مارسيل خليفة:

      “مُنتصبَ القامة.. أمشي / مرفوعَ الهامةِ .. أمشي/ في كفي .. قفصةُ زيتونٍ وحمامه/ وعلى كتفي.. نعشي/ وأنا أمشي./ قلبي قمرٌ أحمر ../ قلبي بُستان ../ فيه العوسج، فيه الريحان/ شفتاي .. سماءٌ تمطر/ ناراً حيناً، حُباً أحيان …”

وبيّن القاسمي في دراسته أن لأسرة الشاعر تاريخ عريق في النضال والثقافة معاً. فجده الأعلى خير محمد الحسين كان قد قِدم من شبه جزيرة العرب في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي إلى فلسطين لمحاربة الصليبيين، واستقرَّ على سفح جبل حيدر، وما زال المكان الذي نزل فيه يسمى بتلة خير. يقول سميح القاسم:

  • جعلتْني ابنها من قرون/ أرضعتني البقاء/ دفَّقت في عروقي الدماء/ وهي شاءت فكنتُ/ كما آمنتْ أن أكون/ وهي شاءت، فكان الكتاب/ نعمةً في يديَّ…/”

وقد ورث الشاعر سميح القاسم شجاعة آبائه ونضالهم وتعلقهم بالثقافة والمعرفة. فمنذ شبابه، عُرِف بكونه أحد أعلام شعر الثورة والمقاومة الثلاثة الذين بزغوا في الستينيات داخل فلسطين المحتلة (أراضي 1948): توفيق زياد ( 1929 ـــ 1994) ومحمود درويش ( 1941ـــ 2008) وسميح. يُضاف إليهم كاتب صحفي هو أميل حبيبي (1921 ـــ 1996) صاحب رواية ” المتشائل” الذي أوصى أن يُكتب على قبره ” باقٍ في حيفا“.

عُرِف الشعراء الفلسطينيون الثلاثة، زياد ودرويش والقاسم، باسم شعراء الثورة والمقاومة، خاصة بعد انطلاق حركة الفدائيين أوائل سنة 1965 وبعد هزيمة العرب عام 1967 ، فبعثت أشعارهم بصيصَ أملٍ في النفوس الكسيرة، وأعادت بعض الكبرياء والنخوة إلى وجدان الصقر العربي الجريح، وألهمت فدائيين كثيرين، وأشعلت الحماس في نفوس العديد من الشبان الفلسطينيين والعرب للانخراط في حركة المقاومة وصفوف الفدائيين .

تعرَّض سميح القاسم لحقد السلطات الإسرائيلية وقسوتها بسبب نشاطه الأدبي والسياسي الفلسطيني العربي، واعتُقل أكثر من مرة، ووضع رهن الإقامة الجبرية والاعتقال المنزلي، وواجه تهديدات بالاغتيال في الوطن وخارجه. ومن داخل المعتقل كان يبعث برسائله الشعرية إلى الأصدقاء:

  • “ليس لديَّ ورقٌ، ولا قلم/ لكنني، من شدّةِ الحرِّ، ومن مرارة الألم/ يا أصدقائي .. لم أنَم.”

لسميح القاسم أكثر من 50 كتاباً في الشعر والقصة والمسرح والمقالة والترجمة. وتُرجِم كثير من أعماله الشعرية إلى أزيد من عشرين لغة عالمية.

9 ــــ زهرة الزيراوي مبدعة استثنائية:

يكرّس القاسمي الفصل الأخير من كتابه للمبدعة المغربية الرائدة زهرة الزيراوي، صاحبة صالون أدبي معروف في الدار البيضاء، فيقول عنها أنها إنسانة استثنائية ورثت الفضيلة والكرم والصدق والتواضع وحبَّ الوطن من آبائها الأماجد؛ وحملت عصاها وحيدة، في رحلة البحث عن جوهر الإنسان وأسرار تعلُّقه بالحقِّ والخير والجمال، وسافرت في أقانيم الفكر القصية تاريخاً وفلسفة وعلماً، وتجوّلت في تخوم الإبداع الدنية شعراً وقصة ورواية وتشكيلاً. فرشاتها امتدادٌ لذراعها، وقلمها يتجذّر في فكرها، وحروفها تجري في عروقها وملامسها. زهرة الزيراوي مسكونةٌ بمحبّة الإنسان، وعشق الأفكار، ما جعلها تجيد التواصل مع الآخر، وتمتهن التعليم، وتتقن لغة الحوار. وفي بحثها الدائب عن المعرفة، شغفت في ارتياد جميع مظانها: المدرسة، المكتبة، النادي، المنزل. فجعلت من دارها ملتقىً لعشاق الكلمة، وشبكت يديها بأيدي محبِّي الفنون من أصدقائها، وأنشأت جمعية ( ملتقى الفنّ)،

 ولأنَّ زهرة الزيراوي مناضلةٌ لا تلين لها قناة، ولا يتسرَّب اليأس والخذلان إلى نفسها، وتؤمن بأن ليل الانكسارات والأحزان والأشجان لا بدَّ أن ينجلي، وأنها ستنشر آمالها وتطلعاتها على وجنة الصبح، فقد أبدعت روايتها ” الفردوس البعيد“.

ويتناول القاسمي بالتحليل ديوانها الأخير وعنوانه ” ولأني…” فيقول أوَّل ما يصدم نظرنا ويأسر انتباهنا في هذا الديوان، عتبته الأولى وأعني بها العنوان. ” ولأني…”. فالقارئ يتساءل: ” ماذا قبل واو العطف؟ وماذا بعد ياء المتكلمة؟“. فالمعنى لا يتحقّق بهذا العنوان الذي لا يشكِّل جملةً مفيدة ولا اسماً يدل على مسمى. إنه مجرَّد أداة لا يتمُّ معناها إلا بغيرها، فهي أداة تعليل تربط المسبب بالسبب. ويبقى القارئ يتساءل: ماذا حدث لها ولماذا؟ ولا بدَّ أنَّ هذا العمل الفنّيَّ سيفصح لنا عن الحالة التي حصلت للشاعرة، والأسباب التي أدَّت إليها. ويلاحظ المؤلّف أن الشاعر لا يبلغ لحظةَ التوهُّج وبزوغ القصيدة إلا عندما تتراكم في حنايا الروح موجاتٌ نفسيةٌ من القلق والتوتُّر والانفعال، تؤدّي الى حالة الاشتعال. ومصدر هذه الموجات النفسية إما الهمُّ الذاتي أو الهمُّ الجماعي. وديوان ” ولأني ..” يجمع بين الهمَّين: الشخصي والوطني. وشعر زهرة الزيراوي ساحةٌ لاشتباكٍ حميمٍ بين الشخصي والسياسي، بين البوح المتكتِّم والمواقف الفكرية المعلنة.

فزهرة الزيراوي، في هذا الديوان، هي شهرزاد التي تعيش على البوح وتحيا به، هي شاعرة أتعب قلبها السفر، وعذَّبه الحبُّ، وأحرقته الذكريات. يحاول أن يغسل الماضي بخمر النسيان، فتسهِّده الرؤى، وتعصف به أسئلة الريح:

” “تتداعى الجدران التي أمامه/ تتداعى الشجرة التي في خياله/ يرى سبابته إذ ترسم قلبيْن/ وغاباتٍ من الورد،/ يراها إذ تمدُّ ذراعيْها نحوه/ هامسة ً تسأله/ أما تزالُ ترغبُ أن تحيا؟؟/”

وزهرة الزيراوي، في هذا الديوان كذلك، هي زرقاء اليمامة التي تنظر بعيداً لترى مستقبل أُمّتها في ضوء ماضيها ونيران حاضرها؛ هي شاعرة ورثت روحاً نضالية، لا تستسلم لليل الدامس الظلمة الذي يخيم على الأرض، بل ترنو دوماً إلى مشرق الصبح المنير. فتكتب قصائدها لتقارع الظلام كي يزهر الصباح. تكتب تميمةً ضد الحزن هنا، وتصوغ حجاباً ضد الفقر هناك، وتصنع تعويذة ضد الجهل في كلِّ مكان. ترى أُمّتها يشيخ قلبها، وتيبس أطرافها، فتمدّ يد المواساة لها، تمسح القلب المنهك، وتنفخ فيه شيئاً من نفَسها المتوهِّج، لعلَّها تدفئ الوديان الباردة، فتفيض بالماء والحياة، ويلتهب الصقيع:

“”أنا الأندلسي/ أدخل بحار التاريخ/ أقف على عكّاز الليلِ شاهراً ندوبي/ أرى ما تناثر من دمِ الفؤاد/ وفرشاتي التي اكتهلت/ تصوغ ضرباتها ظلمة المساء/ وتمنح الهواء لونه القرمزي/ دعيني قرطبة/ أنقر قلبك العاتب وأغشاه/ دعيني أُلبِس وريدك لوعة الشوق/ عساني أغسل القلب/ وأنفخ فيه روح عاشق كي تدفأ أوصالك./”

ولغة هذا الديوان لغةٌ بسيطة تتَّسم بالوضوح على مستوى التراكيب والمفردات، ولكنها موغلة في التعقيد على مستوى المعاني والدلالات:

أيتها الأرض/ يا روضة الريح والريحان/ والرجال والنبوءات والأساطير/ قولي للتاريخ الممعن في قسوته:/ أجبني أيها التاريخ/ ماذا أنتَ فاعلٌ بالقتلة؟؟/”

المقال السابقنبراس الكون
المقال التالىفي انتظار زائر مجهول
كاتب عراقي من مواليد البصرة عام 1953 مقيم بالمغرب .. عضو اتحاد الأدباء في العراق و عضو نقابة الصحفيين العراقيين. الكاتب العام لجمعية الرافدين العراقية في المغرب و رئيس فخري للعديد من النوادي الثقافية في المغرب. له الكتب المطبوعة : العروس - قصص- بغداد 1986، ربيع كاذب - قصص- بغداد 1987 ، أعمامي اللص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد