حفلة عيد الميلاد


 

هيأت لك المزل, نظفته وعطرته وغيرت ترتيب أثاثه, اشتريت زهورا جميلة وضعتها في الشرفة وفي الصالة وقرب مائدة الطعام, أبدلت تنسيق الصور المعلقة على الجدران, لوحات طبيعية وأخرى عائلية لعائلتي وعائلتك, المكتبة قد امتلأت رفوفها, نحن معا نعشق القراءة ، وكنت أتابع ما يجد من كتب فأسرع إلى اقتنائه علك تأتي وتحدثني عنه ، أتيت بالمسجل ومعه الأشرطة للأغاني التي تود سماعها, نحن متفقان في هذه الأمور يا حبيبي, تفضل سماع أم كلثوم وفيروز والأغاني القديمة.

هيأت لك الطعام الذي تحبه, ارتديت لك الملابس التي أرجو أن تراني جميلة بها, وضعت العطر الذي مذحته آخر مرة, وجلست أنتظر, صنعت الكيكة التي تحبها ووضعت عليها الشموع الصغيرة بعدد سنين عمرنا, أنت تكبرني بيومين ميلادك يوم الثلاثين من آذار وميلادي الأول من نيسان ، لهذا ارتأينا الإحتفال في الحادي والثلاثين في آذار من كل عام ، جهزت كل ما تحبه من أشياء, اشعلت الشموع وأطفأت الضوء, وبقيت أنتظر, كل عام في مثل هذه الليلة، تأتيني يا حبيبي، تصلني في التاسعة، وتغادر في السابعة صباحا، وأنا سعيدة جدا بهذا الحضور أعد الأيام وأحصي الساعات، وأمني النفس بأن قمر الحادي والثلاثين من آذار سوف يهل علي بعد انتظار وتشوق، وأن سعادتي بلقياك ستحييني وتمدني بقوة كبيرة تجعلني قادرة على انتظارك عاما كاملا آخر….

الشموع تصغر شيئا فشيئا وأنا أنتظر…..مازال الأمل يستعر في داخلي وأنا في كامل زينتي أجدني متألقة والبسمة مغروسة في شراييني أزغرد, بعد قليل سيفتح بابي ويطل علي حبيبي الذي لم ينأ عني، فأنت مادمت معي تشاركني أفكاري وتملأ علي حياتي بهجة وحبورا ،مع أني أراك سويعات كل عام…..

الشموع تصغر, ويتضاءل نورها فهل تأخرت؟ ومافتئ الأمل يعشعش في داخلي وشجرته عالية باسقة مورقة- وأنا أنتظر- انتهت أغاني أم كلثوم- تبعتها أغاني فيروز، لابد أنك حاضر………….. تخبو شموعي وتنطفئ ، وأستبدلها بأخرى جديدة و الأمل مغروس في دمي …. شيء ما قد أخرك يا حبيبي, حتما سأراك هذه الليلة، فدائما يصدق وعدك لي و تأتي…. عشر سنوات اعتدت مجيئك وبيدك ورودي وزنابقي وأنت مفتوح الذراعين متوهج العينين … يطربني حضورك وأنسى ما عانيت من بعاد وغربة ، طيلة السنة الفارطة ……………….الشموع الجديدة يتضاءل ضوءها ويخبو … فهل استبدلها بأخرى؟ أسمع رنين الهاتف فيبهجني سماعه ، رب عارض أخرك عني، وأنت تتصل لتوضح لي. – ألو سحر ؟……..- – مبروك عليك العيد …… بالسعادة الدائمة

إنه جارنا يا حبيبي, كنت أرجو أن تحضر لأحدثك عنه ، فهو ما آنفك يرحب برؤيتي ويتمنى لي السعادة حالما يقابلني, ابتسامته تأسرني …… اليوم أرسل لي زهورا جميلة بمناسبة عيدنا ….., فما الذي أخرك عني ؟ الشموع يتضاءل نورها, والطعام قد برد بعد أن سخنته عدة مرات ، وشعور قوي يتملكني بأن عطري قد تبدد فأسارع لتجديده….

ما الذي منعك من الوصول ؟ أمر قاهر حتما ، وإلا فأنت حريص ، وأكثر مني على إحياء هذه الليلة….

فهل أنت مشغول؟ …. وقد تكون بعيدا ؟ والهاتف ليس معك … وإلا لكنت اتصلت بي, فأنت تعرفني يا حبيبي ، وتدرك كم أنا متلهفة على لقياك ومتشوقة لسماعك.

آه…لقد وصلت….أسمع صوت الباب يقرع..لماذا تطرقه والمفتاح معك؟…. – انه جارنا

– لازلت وحدك, أنا وحدي أيضا …. سنتبادل الحديث ،ونحن ننتظر قدوم المسافر العزيز…

الغربة فضيعة …. وأمر قاس ،أن يحيا الإنسان بمفرده… تحدثنا عن مسائل عديدة ، وأنا أنظر إلى الشموع وأراها منهزمة توشك أن تودع ، فأسارع إلى شموع أخرى جديدة ….

جارنا متحدث عذب ياحبيبي … وهو قاض قدير ، حدثني عن قانون جديد سيتم العمل به بعد أيام مفاده : أن العضو البشري ، الذي لايستعمله صاحبه مدة يومين كاملين يبتر, فالعين التي لا تتمتع بالجمال مدة يومين بكاملهما تقلع من صاحبها وتهدى إلى آخر يعشق الجمال …., والأذن التي لا تطرب بسماع الألحان توهب إلى إنسان متيم بالإنصات إلى الأصوات الجميلة…والقدم التي لا يستعذب صاحبها التمشي ،تعطى إلى آخر يجد لذته في السير للمسافات الطويلة…لقد وجدت القانون منطقيا ويتماشى مع الطبيعة, لكن الذي أثار دهشتي ، قول جارنا أن القلب الذي يهجره العشق مدة يومين يستأصل بعملية جراحية ويهدى إلى آخر ، قد سكنه العشق وتملكه ، وعاش به وله, فما رأيك ياحبيبي؟

لا تعليقات

اترك رد