ما بعد مؤتمر الآستانة : قراءة في البعدين الإقليمي والدولي للازمة السورية – ج 6

 

كولومبيا وتجارب العدالة الانتقالية
وسيكون ذلك ممكناً حين يتم اعتماد قواعد العدالة الانتقالية، مع حساب الخصوصية السورية، تلك التي تقوم على كشف الحقيقة: ما الذي حصل؟ ولماذا حصل؟ وكيف حصل؟ لتحصين الأجيال القادمة، وذلك دون نسيان المساءلة عمّا حدث مع الأخذ بنظر الاعتبار الابتعاد عن الثأر والانتقام والكيدية، فمثل ذلك سيولّد ردود فعل وانقسامات تزيد من الشروخ الاجتماعية الحاصلة، وهنا لا بدّ من اعتماد مبادىء التسامح، والابتعاد عن كل ما من شأنه أن يثير الحساسيات والضغائنوالفتن ويدخل البلاد في أتون تقسيمات طائفية وإثنية.

​والخطوة الأخرى التي يمكن اعتمادها تقوم على جبر الضرّر، خصوصاً المعنوي بإطلاق أسماء مكتبات وساحات عامة وشوارع وقاعات ومدارس وغيرها على ضحايا يخلّدهم الشعب السوري، وكذلك تعويض الضحايا وأسرهم وجميع المتضررين مادياً ومعنوياً، خارج أي اعتبار سياسي أو قومي أو ديني أو طائفي أو اجتماعي أو مناطقي أو أي اعتبار آخر، ودون أي تمييز، والعمل على إصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية، التي تعزّز من احترام حقوق الإنسان وحرّياته باعتبارها ركيزة أساسية من الركائز الدستورية التي تقوم على المواطنة الفاعلة، لا سيّما بأجواء من الحريّة التي هي أسمى الحقوق والمساواة والعدالة، وخصوصاً العدالة الاجتماعية والشراكة والمشاركة.

​الأزمة السورية استثنائية والحل استثنائي أيضاً، وإذا كان الهدف هو تحقيق المصالحة الوطنية التاريخية وإعادة لحمة المجتمع السوري، فلا بد من إنهاء جميع تبعات الصراع المسلّح الاستئصالي، الإلغائي، التهميشي، وتحقيق العيش المشترك والتفاهم، وقطع دابر التدخلات الخارجيةالتي كان لها دور أساسي في إشعال الفتنة واستمرارها. وأول ما تحتاجه المصالحة هو بناء جسور الثقة لوقف التعقيبات القانونية، وإطفاء القضايا المتعلّقة لكل من يلقي السلاح ويستجيب لنداء الوطن والوحدة الوطنية والتحوّل الديمقراطي، وقد جرّبت شعوباً كثيرة مثل هذه الحلول ونجحت في تجاوز أزمتها، ولعلّ آخر الأمثلة كانت التجربة الكولومبية التي استحق عليها الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس جائزة نوبل العام (2016)، وذلك تقديراً لجهوده في تسوية النزاع المسلح في بلاده.

​وكان الرئيس الكولومبي قد اتفق مع الحركة اليسارية (المتطرّفة) التي تُدعى “فارك” بعد مفاوضات مضنية دامت 4 سنوات لوضع حدٍّ لصفحة الصراع المسلح الذي استمر 52 عاماً وأودى بحياة 220 ألف مواطن وساهم في تعطيل التنمية وهدر طاقات البلاد.

لقد كان الاستمرار بالنسبة للطرفين يمثل نوعاً من المكابرة والعبث، فوافقت الحركة على إنهاء الكفاح المسلّح، وإلقاء السلاح وتسليمه إلى الحكومة والتوصل إلى مصالحة مع الدولة وبشروطها، ووافقت الحكومة على التوصل إلى حلول سلمية ومدنية، باستبعاد المساءلة الفورية أو المباشرة، ذلك أن اشتراط تحقيق العدالة كشرط للسلام قد يفضي إلى استمرار الحرب الأهلية، خصوصاً في ظل نفوذ لا يزال يملكه المتمردون، الذين يبلغ عددهم أكثر من 15 ألف مسلح، فكان لا بدّ من اللجوء إلى الوسائل السلمية واللاّعنفية باعتبارها سلاحاً ماضياً للوصول إلى الأهداف المرجوة، حتى وإن ألحق بعض الخسائر بمسألة العدالة القانونية المنشودة.

الاتفاق الكولومبي كان أقرب إلى صفقة سياسية حين وضع السلام مقابل العدالة، مقدّماً الأول على الثانية، لأننا لو أخذنا بمعيار تطبيق مستلزمات العدالة القانونية والقضائية عند الاتفاق، فإن ذلك سيعني ملاحقة أعضاء حركة “فارك”، التي تصل جرائمها إلى جرائم حرب، وجرائم إبادة جماعية، وجرائم ضدّ الإنسانية، خصوصاً لجهة عدد الضحايا وتدمير المنشآت وإحراق المزارع وإتلاف البيئة وتهجير مئات الآلاف من السكان، وقد يكون بعضها من مسؤولية المحكمة الجنائية الدولية.

لعلّ التجربة الكولومبية اليوم هي إحدى تجارب العدالة الانتقالية الجديدة، خصوصاً بتقديم السلام على المساءلة، ومن أبرز عناصرها هي: تعهّد قادة الحركة المسلّحة بتسليم أسلحتهم، والامتناع عن زراعة المخدرات وإتلاف ما يوجد لديهم، والتوقف عن الاتجار بها أو بعمليات تهريبها أو القيام بأي خرق لحقوق الإنسان، كما تعهّدوا بتقديم تعويضات (من المال السّحت الذي حصلوا عليه) إلى المزارعين، وأولاً وقبل كل شيء إعلاء حكم القانون ومرجعية الدولة والعودة إلى المجتمع كأفراد مدنيين. وأعتقد شخصياً أن ذلك أمراً في غاية الأهمية.

أُطلقَ على الاتفاق بين الرئيس سانتوس وقادة الحركة المسلحة: العدالة التوافقية أو العدالة البنّاءة، وهي عدالة مؤقتة وانتقالية تشمل جوانب قانونية وأخرى سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وهذه تعني حسب حيثياتها: لا معاقبة الجاني وإعادة الحق لأصحابه، بل الاتفاق على تعهّد المرتكب بعدم تكرار ارتكاب جرائم جديدة وإعادة جزء من الحق لأهله، والاعتراف بحق الدولة في استعادة سلطتها، باعتبارها الجهة الوحيدة التي يحق لها احتكار السلاح واستخدامه.

وإذا كانت شروط العدالة الانتقالية تقوم على كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرّر وتعويض الضحايا وإصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية، فإن التجربة الكولومبية، قفزت على النقطة الأولى، وتركت أمرها لتنفيذ الاتفاق، وإذا كان مثل هذا الإشكال يجنّب الشعب الكولومبي الويلات والمآسي التي عاشها لعقود من الزمان، فلا بدّ أن يكون مرحّباً به لعلاقته بالمستقبل وليس بالماضي، فالانتقام والثأر قد يدفع إلى ردود فعل متقابلة، وهكذا.

وكانت التجربة الأرجنتينية في أواخر السبعينات وما بعدها قد سلكت طريق التوافق بإطفاء الحرائق ووقف التعقيبات القانونية بحق المرتكبين، كما سلكت التجربة التشيلية في أواخر التسعينات ذات الطريق، وهما شقّا تجربة جديدة في العدالة الانتقالية، قائمة على فقه التواصل وليس فقه القطيعة، وهو ما سلكته تجربة الدول الاشتراكية السابقة منذ أواخر الثمانينات، خصوصاً بولونيا وهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا، ويمكن هنا أن نستذكر تجربة جنوب إفريقياللعدالة الانتقالية التي استبعدت الانتقام، لأن فتح مثل هذه الصفحة قد يؤدي إلى استشراء العنف الذي سيصاحبه ردود أفعال مضادّة، والعنف يولّد عنفاً، وهكذا، كما أن التجربة المغربية للعدالة الانتقالية وهي من داخل النظام واستمراراً لهمفيدة جداً، ويمكن قراءتها بصورة هادئة، حتى وإن كانت الأجواء ساخنة، لأن فيها ما ينفع مثل التجارب الأخرى، وهي ليست للتقليد أو للاستنساخ، بل لاستلهام الدروس والعبر، خصوصاً من وجود بعض المشتركات العامة.

قد يصلح الدرس الكولومبي والأمريكي اللاتيني ودروس أوروبا الشرقية، وجنوب إفريقيا والمغرب لبلدان وشعوب أخرى، ويكون مفيداً إذا أخذنا بنظر الاعتبار الظروف الخاصة بكل بلد، علماً بأن مهمة تحقيق السلام، هي مهمة إنسانية مشتركة وعامة.

ولعلّ مؤتمر الأستانة ولقاء موسكو قد فتحا الطريق أمام مؤتمر جنيف الذي يحتاج إلى خريطة طريق تستكمل ما بدأته مؤتمرات جنيف السابقة، الأول في حزيران (يونيو) 2012، والثاني في كانون الثاني (يناير) 2014، والثالث الذي كان مقرراً بترتيب من محادثات فيينا للسلام ومجلس الأمن الدولي ومبعوث الأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا، على أن تتوافق عليها القوى السورية أساساً، حكومة ومعارضة، ولا بد لها لكي توضع موضع التطبيق أن تحظى بتأييد ودعم إقليمي ودولي.

لا تعليقات

اترك رد