الرحيل


 
(لوحة للفنان د . خليف محمود المحل)

ووجدتني أوجّه إليها عينين متعبتين كالثمرتين الذابلتين لتقولا لها :”الآن وقد طمى الماء قومي فانعني بصرخة وولولات. اخرجي إليهم وصيحي في الخراب اليباب وأعلني أوبتي إلى ربّي. أخبريهم أني ذهبت مثقلا بهمومهم محرّرا من ذنوبي. اصرخي في الفراغ يأتوك جماعات ووحدانا ,يأتوك من كل صوب ,يأتوك وقد أدهش الخبر بعضهم ومرّ على البعض الآخر مرورا سريعا كأنه كان ينتظره.
واغسلي وجهك واجعلي لهم صفوفا من الكراسي البيضاء المنتظمة ورحبي بهم واعرضي عليهم الجلوس فهم سينهمكون في الحديث عني وعن فضائلي التي لم يروها وأنا معهم ولم تتجل لهم إلاّ حين طمى الماء فأغرقني. سيتذاكرون الموت وسيسابقون بعضهم في إبداء الورع والتقوى والاستعداد للرحيل للقاء وجه الله وقد استنظفوا ما علق بهم من الفواحش. ثم إذا طال الوقت ذكروا الحرّ أو القرّ وذكروا المطر أو الجدب وذكروا الزرع النابت أو المستحصد ثم إذا طال بقاؤهم أكثر تهامسوا بالملح المستقبحة ونظروا إلى القادمات من المعزّيات وأضمروا الحسّ وأبرزوا الروح وهم يكذبون .
قولي لهم مات كما مات أغلب الناس: سهر معنا البارحة إلى ساعة متأخرة وتناول عشاءه الأخير وكأس الشاي وسأل عن فلان وعلان وقال لبنيه كذا وقال لي كذا وضحك حتى بانت نواجذه ودمعت عيناه. قولي لهم رأى طيف أمه في المنام وهي تفتح له ذراعيها وترحّب به. قولي لهم لم يتغيّر عليه الأمر إلاّ هذا الضّحى حين دعانا وسلمني ما لديه من مال ورجاني أن أحرق كلّ أوراقه وماتعلّقبه. وقال لي :”اعتبري كأني لم أكن. “قولي لهم إني لم أمت دفعة واحدة وأني ما متّ إلاّ حين طمى الماء وأخبريهم بالكرامات التي ادعيتها وبالإلهامات التي توهمتها …قولي لهم كان نصف نبيّ واكذبي فهم يحبون الكذب .سيصدّقونك وستشرئبّ الأعناق لسماع حكايتك الممتعة وسيروونها لأزواجهم وأبنائهم وأصدقائهم فهم مولعون بالغريب ويتطلّعون بكل جوارحهم إلى ما وراء الستار وما تخفيه الرّغبة.
الآن يمكنك الخروج عليهم فأغلبهم ينتظر صيحتك منذ أيّام. قالت لي نسوة الحيّ وهن يعُدنني :”هوّن عليك فالله الباقي والله الوارث.” وقالت أخريات :”لقد ساء حالك على ما تركتك عليه آخر مرّة .” وبكت أخريات نائحات ليعبّرن لي عن الودّ الذي يكننه لي .الآنيمكنك الخروج لتخبريهم أنني لم أسرف في استعمال الماء وأنه قد فاض وغمرني واستحال طوفانا يغمر الأرض ولا فلك لدي لتنجيني من الغرق .أخبريهم أنني لم أحمل معي من كل زوجين اثنين.أخبريهم أن الموت والحياة لا يلتقيان وبينهما حاجز لا يبغيان.
قامت من عندي باسمة ووقفت في الباب العالي ذي المصراعين الكبيرين ومدت قامتها الممشوقة كالشمعة البيضاء وأطلقت زغاريدها مجلجلة في أركان الحيّ المترامي الأطراف وكان الليل قد أطبق كلابتيه على الوجود وعضّ على الأرض والسماء فغنى البوم سمفونياته التي طوتها ذاكرة الصبيّ في ذهني وفجأة اجتمع على الكفّ الحجريّ كل ما خلق الله من عصافير وسحالي وبراغيث ودمامل وسنانير وكلاب البرية وأمم النّمل والنّحل وكل الأرواح التي غادرت راضية مرضية والتي غادرت ساخطة. قامت من عندي سكرى بأقداح المعاني التي سقتها إياها مفاجأة اللقاء وأربكها صفر الزمان وانقراض المكان فكان هنا وهناك وحيث لا حيث. وكانت تلفّ الزمان المراوغ على أجساد حروف من اللغة وأصوات قديمة قديمة حتى أنها لم تقل بعد. وكان الوجود نسخة رائعة من ذاته التي لم توجد بالفعل.
خرجَتْ. ووجدتني أسحب نفسي وأتّبع أثرها متعلقا بذراعها أرنو إلى كفها الحجري وما يحتويه من بهارج الخيال.
كانوا حولي كالنمل حول قطرة زيت أو حول حشرة ماتت للتوّ. قالوا لي في صدق الكاذبين الذين يصدقون لمرة فيموتون :”إذا لقيت ربّك فلا تذكر منا أحدا عنده فلعلّ النّسيان أن يستر ولعل الستر أن يغفر.” ثم قالوا لي :”ما للمسافات قد طالت فهل صرفت عنّا لعنتك لئلا تركبنا رغما عنّا الخطيئة التي لأبيك الأوّل؟” ثم تهامسوا مغضبين فطالت عليهم الطّرق والمنعرجات وكثرت العقبات وتناسلت حتى عادوا ينسبونها إلى الشيطان .ثم قال حكيم من حكمائهم كان يلقن المحتضرين الشهادتين :”اتركوه هنا ولا تثريب عليكم فواللهلو مضيتم به إلى المنتهى لسكن بكم الأبد”.
أنا إلى الآن هناك. نعم هناك يرمي عليّ من مرّ بي قطعة من معدن خشية أن أقوم للناس من مرقد لم أبلغه بعد.
قولي لهم لا حاجة لي بقبوركم وصلواتكم التي صنعتموهم تدارون بها خوفكم وشكّكم.
قالت لي في صوت شجيّ كالموت: اتركني واخرج منّي فلست لك وحدك …وقالت لي :قتلك الطوفان ولا فلك لديك فامض في اللامكانواللازمان فأنت لوحدك أمّة.

1 تعليقك

اترك رد