من أرصفة ملبورن

 

تبقى الوجوه والأرصفة والمقاهي هي ذاكرة المدينة .. غالبا ما كنت أراقب إيحاءات وعبور وجوه الناس بانطباعاتها المختلفة وأنا أجلس في مقهى “كَلاتني كافيه” في محلة كولنك وود وهم يترددون يومياً على تلك المنطقة .. يمر العابرون فوق الرصيف وأنا أتطلع اليهم والى مفارقاتِ التشابه مابين ملامح وجوه الكلاب المدللة وأصحابها وهم يقودوها بحميمةٍ وأهتمام .

بينما في المنعطف الاخر كانت تجمعات الابروجنيل- سكان استراليا الاصليين وهم يعاقرون الخمرة ويتبادلون الشتائم مع بعضهم أمام اسواق “ولّ وث” الشهيرة .. وكان أيضا من روادِ أرصفة شارع سميث ستريت فنانون وشعراء ومتسكعون وشواذ ومدمني مخدرات ومبشرون بالديانات ومهاجرون من كلِ مكان.. شواخص حاضرة دائما وسط هذا الشارع المزدحم بالغرائبية … أما هذا اليوم فقد اثار فضولي مشهد للمعتوه ميخائيل الحافي القدمين والملتحي والذي عادة ماكان يحمل قنينة نبيذ ويتحدث مع ذاته.. لكن ميخائيل كان اليوم برفقة مجنونة عرجاء وهي تتأبط ذراعه و ينتعل حذاء لاول مرة ربما أحتفاءاً باللقاءِ الأول ..

ثم توقف ميخائيل فيما بعد أمام محل لبيع الخمور فغادر رفيقته العرجاء .. ودخل الى محل الخمور.. بينما صديقته سئمت الانظار… فغادرت بوابة المحل وعبرت الى الرصيفِ الأخر وتوقفت أمام محل لبيع الهدايا تطلعت الى بطاقاتِ المناسبات المعروضة أمام المحل فاختارت بطاقة حب .. وأستعارت قلم ورسمت فوق البطاقة خربشات وكلمات مبهمة .. ربما لا أحد كان يفهمها غير ميخائيل .. الذي حمل زجاجة النبيذ وتوارى خلف الحديقة التي كانت تقع وراء شارع سميث ستريت وهو يدمدم باغنية ايطالية قديمة … وبعد أكثر من شهر يصادفني في الطريق هذا المساء مرة أخرى متسكع الارصفة الغرائبي الكرواتي “جليكوني وهو يكرع بزجاجات بيرة هونيكن الهولندية فوق رصيف شارع سميث بصحبة لوحاته التي يتأبطها فوق الطرقات والتي لايفترق بينما هو يهذي عن قصصٍ يخلط بها الوهم بالحقيقية ويربك نهاياتها مع بداياتها الغير مفهومة حول إسقاطاته عن حرب البوسنة والهرسك وكوسفو .. وعن الزعيم اليوغسلافي السابق جوزيف تيتو وعن دور الروس والمانيا وامريكا في حربِ يوغسلافيا السابقة.. يا جليكوني دعنا من كل هذا الهراء!! المهم أخبرني عن لوحتك الاخيرة دعنا من الحروب يكفي أن حروبكم وانقسامات يوغسلافيا انتهت أما حروب العراق فكانت قبل حروبكم ومازالت باقية ولايوجد هنالك ثمة أمل لنهايتها .. أمام كل هذا الخراب.

لوحتي الجديدة ثمنها 35 مليار دولار ثم أردف مستعرضاً تاريخ مساعداته الخيرية الوهمية للعالم .. وايضا انفاقه لملايين الدولارات بدعم استراليا والعالم لايقاف الارهاب: أجاب جليكوني بثقة عالية وابتسامة فخر كانت تكشف عن بضعة أسنان متبقة في فمهِ.
كان جليكوني يعيش عالمه الخاص والذي يحسده عليه الكثير من الناس .. عالمه الغرائبي المليء بداء العظمة حتى انه كان يشير الى نفسه بصوت مسموع أمام الاخرين

– أنا أعظم من بيكاسو ومن مايكل انجلو أو ماتيس ولم يظهر اي فنان بعد لكي ينافسني!!؟؟
هل لديك ستديو يا جيلكوني: سألته قبل أن نفترق
كلا أنا أرسم في المطبخ وأقيم مع مؤجرين في مسكن صغير نشترك به.
– لا بأس يا جيلكوني أبقى في سعادتك والوانك وعوالم أوهامك فهي بالتأكيد أجمل من الواقع
طاب مساؤك يا جليكوني .. الى اللقاء!! … هنالك شخصيات تفتقدهم الارصفة والذاكرة حين يغيبون طويلاً وهذا ما شعرت به وانا أتذكر اليوم شاعر الارصفة والتسكع (غرانت) في المقهى !! انه شاعر العبث والتمرد أحياناً التقيه في مدينة ملبورن لاسيما في شارع “برانزيويك ستريت وهو يلقي بقصائده فوق الرصيف مستعرضاً لوحة مكتوب عليها قصائد من أجل كأس بيرة!!؟؟

الشاعر والرسام غرانت كان ينفق بأخر دولار يمتلكه من أجل الخمرة .. ويطلب من العابرين الذين يتوقفون لسماع قصائده أن يجلبوا له أكسير الحياة ..وذات مرة شاكست غرانت أثناء لقائي به في افتتاحِ معرض في قاعة ِهوكَون كَاليري وأنا أتمعن بنياشين كان يحملها فوق ملابسه الغرائبية وكان يشير على صدرهِ بشجرةِ عائلته الانكَلو ساكسونية- أنا أسترالي أنا أنكليزي أنا ايرلندي أنا اسكوتلندي أنا ويلزي .. فقلت له مازحاً: ياصديقي لم لا تكتب أنا أنسان فقط أنتمي الى هذه الارض فانت شاعر ورسام يليق بك الانتماء الى كل الاوطان وليس فقط لما ذكرت على هذه النياشين .. أبتسم وقال ليّ أنت على حق ياصاحبي !!

حوار فوق رصيف
أحياناً كنت أمر فوق رصيف الفتاة البوهيمية الصامتة، عازفة النايّ بملابسها الرثة . وهي تفترش شارع سميث ستريت .. بصحبة كلبها الهادىء ودراجتها الهوائية والتي كانت تركنها عادة أمام بوابة الاسواق المركزية في المدينة.

وفي الليلة الماضية كانت خطواتي تتثائب فوق الرصيف .. فهام بيّ الوجد وأنا أستمع الى تراتيل النايّ الحزين …. القيت بدولار ..أمام عازفة الناي .. ذات الوجه النحيف والبائس المتشح بمعالم البراءة والخوف بعد أن لاحقني صدى انين الناي وهو يتلاشى في معطف الليل .

1 تعليقك

  1. Avatar نورالدين مدني

    من اجمل واروع واصدقق ما قرات هذه الايام في هذه الطاحونة البشرية النائية

اترك رد