طبيب هذا العصر!


 

غاية هذا البحث هو الاستقصاء عن أسباب تخلف بعض المجتمعات عن غيرها، ومحاولة معالجة هذا التخلف بكل الوسائل مهما كانت جريئة وشديدة ومؤثرة وخارجة عن النمط المألوف في البحث والتقصي، فليست الغاية هي تشخيص العلّة فقط، لأن عملية التشخيص هي من الأمور السهلة الممكنة، لكن المشكلة تكمن في وصف وتعيين العلاج ومقداره ونوعه، هذا هو المهم، فالبشرية بحاجة الى من يداوي عللها ويبرئ أمراضها ويمنحها الصحة والعافية من أوبئتها الاجتماعية وآفاتها الفكرية والسياسية ليخرجها من قبور الأوهام والتخلف وينهضها من لحود السبات والغفلة. فالغاية هي الوصول الى علاج مفيد ودواء ناجع تتناوله مجتمعات البشر حسب إرشادات طبيب حاذق مهما كان مرّاً وقاسياً للحصول على نتيجة إيجابية تفي بالمطلوب للخروج من هذه الهاوية،

وربما أدت الى الخروج بفكر جديد يقارب في تأثيره السليم ما فعله الدين الإسلامي الحنيف بعرب الجاهلية، لمواكبة ركب شعوب العالم المتقدم. وكل ما يرجى من القارئ اللبيب، نبذ التعصبات جانباً، فالتعصب بعينه هو جرثومة المرض دينياً كان أو مذهبياً أو فكرياً أو وطنياً، لتصويب بعض الأفكار والمعتقدات دون انحياز الى فئة دون أخرى. تسود العالم اليوم موجة شديدة تدعو الى الابتعاد عن الدين والتقرب من المادية، ويتفاخر بذلك بعض أنصاف المثقفين وينسبون الى الديانات وأفكارها السبب الأساس في تخلف الشعوب واختلافهم وتجدد المنازعات والحروب التي حصلت وما زالت تحصل بين الأمم. لكن هذا الرأي يحتاج الى وقفة تأمل،

رغم امتلاكه شيء من الحقيقة، لأن كثير من أتباع الديانات الجاهلين بحقيقة سماحة دياناتهم، كانوا أنفسهم سبب المآسي والحروب بما حملوه من مفاهيم دينية خاطئة. فالديانات السماوية دعوة صادقة للمحبة والاتفاق والسلام وساهمت بشكل كبير ومباشر في نقل الشعوب نقلات حضارية كبيرة. ومن المؤكد ان سبب تعددها كان نتيجة ضرورية وحتمية لتطور المجتمعات ورقي الشعوب، فالبشرية في حالة تطور وتقدم مستمر ولابد من تغير وتجدد القوانين الشرعية لكل دين حسب مقتضيات الزمان والمكان والمجتمع، مثل أحكام الطلاق والمواريث والقصاص والتعبد والطقوس والصلاة وغير ذلك، أما جوهر وحقيقة الديانات فتبقى ثابتة على حالها دون تغيير، فكلها تدعو الى الخير والعمل الصالح والمحبة والصدق والصفاء والقناعة والشرف والاتحاد والسلام،

ولو كان الغرض الحقيقي من تعاقب الديانات وتسلسلها هو عبادة الله فقط، لكان من الأفضل استمرار اعتناق البشرية بتمامها لدين سيدنا إبراهيم(ع) حتى هذا اليوم ولا ضرورة لتعدد الديانات ونزول الرسل والأنبياء. ولكن بما ان صفة التطور والتقدم والرقي والتفتح الفكري هي من الصفات الملازمة لطبيعة الإنسان لذلك كان التجديد والتغيير في الشرائع ضرورياً ومستمراً. لنضرب مثلاً على سبب تعدد الأديان: لو كان لرجل، ولد راشد يسكن بعيداً عنه يقوم بعمل معين نيابة عن والده، وكتب الوالد رسالة لولده بخط يده وختمها ووقعها وأرسلها بيد صديق موثوق به عندهما. فمن المؤكد ان الابن سوف يلتزم بأوامر الرسالة ولن يجد بُداً من تنفيـذ ما جاء فيها، هذا إذا كان الابن محباً ومطيعاً لوالده. ولنفترض أن جاء الابن صديق آخر بعد فترة يحمل رسالة أخرى تحمل نفس توقيع الوالد وختمه وبخط يده،

إلا انها تحمل بعض الأوامر الجديدة التي تختلف في الظاهر عن أوامر الرسالة السابقة! فما يتوقع ان يفعل الابن؟ هل يترك الرسالة الثانية لأنها تختلف في بعض أوامرها عن الأولى؟ أم يعمل بها ويوقف العمل بأوامر الرسالة الأولى؟ وهل يتردد في التنفيذ ويقول ان والدي متذبذب لا يستقر على رأي وانه حيرني فيما يريد وشتت أفكاري، أم يشرع في التنفيذ دون مناقشة أو تردد؟ من المؤكد إنْ كان الابن واثقاً من حكمة أبيه ورجاحة عقله وقدرته وحسن تصرفه، فإنه سيقول في نفسه ان والدي أعلم مني بمستجدات الأمور وهو أعرف بما يريد وبطريقة التصرف، وهو صاحب المال والعمل، وما أنا إلا عامل لديه ومستخدم عنده ومن واجبي تنفيذ ما يريد، لأن الرسالة الأخيرة هي بخط يده وبتوقيعه وختمه ويحملها صديق عزيز ثقة لا يرقى إليه الشك. ان الله العليم الخبير هو أقدر من البشر وأعلم من عبيده على فهم احتياجاتهم ومصلحتهم، كما انه أكثر رحمة بهم من أنفسهم، فعندما يبعث رسولاً الى قوم يختارهم، فما عليهم ان كانوا يؤمنون بعلم الله وحكمته، سوى الطاعة والتنفيذ،

وإلا سيكونون مستحقين لعذابه وسخطه إذا قالوا ان الرسالة الجديدة تخالف الرسالة القديمة في بعض نصوصها وأحكامها ومفاهيمها وتقضي بأوامر لم نسمع بها من قبل، ونحن ننتظر شخصاً معينا بذاته ليجدد ديننا ولا ينسخه، أو ننتظر نفس رسولنا السابق ليأتي حاملا أوامر جديدة وليس هذا الرجل الغريب المجهول الذي لا نعرفه، أو ان هذا قاتل أو غير معروف الأب أو يتيم فقير. لذا وجب عدم الاعتراض على تتابع وتوالي الشرائع السماوية مهما كانت متباينة في الظاهر ومهما اختلفت هيئات الرسل ومهما تباعدت مواطن ظهورها فـ (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)( 1 – سورة الأنعام 124 ). لأن المرسل هو الله الحكيم الخالق الجبار وما البشر الا عباده المأمورين بالتنفيذ، دون التفوه بكلمة: لِـمَ أو بِـمَ، فهذا هو شأنهم ومقامهم الحقيقي،

انه مقام العبودية لله الحق، بل ان التنفيذ والطاعة هو أساس وجودهم وحقيقته، ألم يأخذ الله عهده منهم في قوله تعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)( 2 – سورة الأعراف 172 ). فكيف يحق لأحد منهم اعتراض أو الصد والإنكار؟ ان البشر مثل طلاب مدرسة، فبالرغم من دراستهم جميعاً في مدرسـة واحدة وخضوعهم لنظام واحد ومدير واحد ومنهاج واحد، الا ان مناهج الدراسة وكتبها تختلف باختلاف مستوياتهم، فمنهج الصف الأول غير منهج الصف الثاني، والثالث غير الرابع وهكذا، فلا قدرة ولا قابلية للتلميذ وهو في مرحلة معينة على ترك مستواه الدراسي والانتقال الى مستوى آخر أعلى منه، وما عليه إلا الاجتهاد في دراسته وقراءة منهاجه والمواظبة على الدوام حتى يحقق نجاحه. فإن خالف جزءاً من النظام تعرض للمساءلة، واذا تمادى فمن المحتمل أن يفصل من المدرسة. عندما يبعث الله الرسل بشرائع وكتب جديدة، فغاية ذلك هو تعليم البشر وتثقيفهم وتطويرهم بتعاليم تتناسب مع مراحل تغير الزمن واختلافه وتجدد متطلبات الحالة الاجتماعية،

وليدركوا ان مرحلة رسولية ورسالية قد انتهت وحلّت محلها مرحلة جديدة ورسالة جديدة، وما عليهم سوى الاستبشار بهذا الخير، فهذا دليل النجاح في المرحلة السابقة وليس دليل الفشل والرسوب. ولو أدرك البشر كم هي العنايات الرحمانية والروحانية والعلمية التي تحل عليهم عند قبولهم ديانة جديدة، لما تأخروا لحظة واحدة في قبول رسالات الله. فالاختلاف الظاهري الذي يشاهد في بعض أحكام الديانات مثل الصوم والصلاة والزواج والطلاق والمواريث والعبادات والقبلة ومكان الحج والطقوس الدينية وطرق نشر الدين وتبليغه والتعامل بين أفراد المجتمع وحدود القصاص وغير ذلك، ما هو الا بسبب قصور عقول البشر عن ادراك ضرورة التغيير وحتمية تجدد القوانين الاجتماعية واختباراً لايمانهم وطاعتهم، فالإنسان مخلوق متطور ليس فقط خلال مراحل تاريخه الطويل بل حتى خلال سنين حياته الفردية، فما يوافق عليه اليوم يرفضه غداً، وما يعقله في صغره يستنكره في كبره. فالله واحد ورسله متفقة، كما قال سبحانه وتعالى (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ)( – سورة البقرة 285) ومنهجهم واحد لا تباين ولا اختلاف فيه، كما قال تعالى (وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ)( سورة القمر 50) ولا سبيل أمام عباد الله سوى الطاعة والموافقة على الانتقال الى الفصل الجديد ودرس الدين الجديد. أما ما يبدو من اختلافات وفروق بين أتباع الديانات والمذاهب، فذلك بسبب تعنتهم وجهلهم وتعصبهم لدينهم ورسولهم وليس مرده الى تباين حقائق الأديان أو أسسها. أما من يعتقد ان انتشار الديانات وإيمان الصحابة وأوائل المؤمنين بها قد جاء عن طريق الإقناع والمنطق والمناقشة واستعمال العقل، فتاريخ الأديان وأحداثها الواقعية تخالف هذا المفهوم وتقول بغيره تماما، فالديانات جميعها لم تعتمد في فجر ظهورها على مبدأ العقل والإقناع فقط، فالاسرائيليون كانوا أمة عبيد وأقنان أسرى وأذلاء وعمال سخرة لدى فرعون وقومه، ولم يؤمن بدين سيدنا موسى(ع) إلا عدد قليل من السحرة، بينما اعترض عليه غالبيتهم. كذلك لم يكن أوائل المؤمنين بعيسى(ع) من علماء اليهود وأكابرهم حتى يمكن القول ان الدين المسيحي اعتمد في بداية انتشاره على مبدأ العقل والمعقول والمنطق والمحاججة، فقد كان من بين الحواريون من يمتهن النجارة والرعي وصيد السمك والزراعة،

وهؤلاء كانوا من طبقات المجتمع الدنيا، فبطرس(ع) وهو من اعتمد عليه المسيح في نشر دعوته ومثـّله بصخرة دينه، كان صياد سمك لا يعرف حتى أسماء أيام الأسبوع، وعندما كان يخرج من بيته الى البحر لممارسة عمله، كان يأخذ معه سبعة أرغفة من الخبز، ليأكل كل يوم رغيف، وعندما يتبقى معه رغيفا واحدا، يعلم انه يوم سبت وعليه ترك العمل والعودة الى قريته. أما أكابر علماء اليهود وقضاتهم مثل حنان وقيافا فكانوا أول المعترضين على السيد المسيح(ع) ودعوته وهم الذين وافقوا على حكم قتله لاعتقادهم بأنه مدع كذاب. أما عن أوائل المؤمنين بالرسول المصطفى محمد(ص)، فكان غالبيتهم من العبيد الضعفاء ورعاة الإبل وكذلك من غير الأعراب من لا يجيدون اللغة العربية أو فهم فصاحة القرآن بشكل تام مثل بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وغيرهم، فأين موقع العقل والاقناع من هؤلاء الصحابة العظام. وفي المقابل كان أول المخالفين للدعوة الاسلامية أبا الحكم أكبر حكماء العرب آنذاك مما جعل سيدنا محمد(ص) يطلق عليه لقب أبو جهل لشدة اعتراضه وكفره. ان جميع أتباع وصحابة الرسل الأوائل على العموم كانوا من الأميين والجهلة والعبيد، وهذا ليس عيباً فيهم بل شرفاً لهم، لأن ايمانهم اعتمد في الأساس على طهارة قلوبهم وصفاء نواياهم، لذلك كان للكلمة الإلهية آثاراً خلاقة على أرواحهم الطاهرة وقلوبهم السليمة، كما قال تعالى (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)(8،898 الشعراء)، وكذلك قوله الكريم (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ .إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)(83،84 الصافات)، لذا فازوا أولئك الأخيار بخلعة الايمان قبل غيرهم من العلماء والحكماء وكانوا مصداقا للآية المباركة (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ)( سورة القصص 5).

ان الكلمة الإلهية لها تأثيرات وقوى خاصة مؤثرة على الأرواح فتقلّب قلوب الرجال، قوة لا تمتلكها غيرها من الكلمات، هذا بالإضافة الى قوة شخصية الرسل الروحية المستمدة من الوحي الإلهي وروح القدس والنفحات الإلهية، وهذا ما يفسر قدرتهم على تغيير العقائد التي عجز عنها غيرهم من الدعاة المدعين. إضافة الى كل ذلك، ان لله طرقا خاصة في نشر أديانه، فهو لا يعتمد على كبار القوم وعلمائهم أو على الملوك والرؤساء، لأن هذه الطريقة تبطل الغاية الحقيقية من ظهور أي دين جديد، ألا وهي الفصل بين المؤمنين والكافرين، لأن ديدن الناس أن يكونوا على دين ملوكهم، وإلا لكان الله قادراً على تبديل أيمان قلوب الملوك والأباطرة والرؤساء، وبالتالي أيمان شعوبهم من بعدهم. يمكن ببساطة تشبيه فجر الديانات الإلهية بيوم القيامة ويوم الحشر والطامة والساعة والحاقة، ففي يوم القيامة يفصل المؤمن عن الكافر ويجازى كل منهما حسب فعله، وكذلك في فجر ظهور الديانات يحصل نفس الهدف وذات الغاية فالذين يؤمنون بالرسول الجديد يذهبون الى الجنة ومن يكفر به يذهب الى النار.

عندما جاءت رسالة سيدنا موسى(ع)، كانت رسالة كاملة تامة ضمن زمانها لا نقص فيها آنذاك بشهادة القرآن الكريم (قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ..)( سورة الأنعام 91)، وكذلك (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ)( سورة الأنعام 154)، فالمنهج الإلهي لا يمكن ان يكون ناقصاً (حاشا لله) وما ظهور السيد المسيح(ع) بعد ذلك إلا إعلانا بانتهاء أمة اليهود من دراسة المنهج السابق (شريعة التوراة) وتحقق الهدف والغاية من الديانة اليهودية وازوف وقت الانتقال. ولكن باعتراضهم عليه وتكذيبه وإصرارهم على بقائهم في فصلهم ودينهم السابق، استحقوا عذاب الله وسخطه، فكان لهم ذلك الجزاء الذي شهد التاريخ على ما حل بهم على يد جيوش ملك بابل وقيصر الرومان وغيرهم من سبي وقتل وأسر وتشتيت وتدمير مدينتهم المقدسة أورشليم، وبهذا الاعتراض خسر اليهود مكانتهم الروحية وباءوا بفشل عظيم. كذلك ما حصل للنصارى بعد ظهور سيدنا محمد(ص)، فهو تكرار لما حدث سابقا، إذ كان المسيحيون أحباب الله سبحانه وتعالى (أحباء الله) في تلك الدورة، حيث انتقلت اليهم الرحمة والبركة والعناية الإلهية واصبحوا هم المختارون وطلاب المرحلة الجديدة ومحط العناية والبركة الإلهية رغم كل ما عانوه من عذاب واضطهاد، حتى زمن بعثة الرسول محمد(ص)، وفي لحظة الظهور تلك، أي ظهور دعوة الإسلام، انتهى منهج الإنجيل السابق ولزم على أتباعه الانتقال الى المرحلة الجديدة والايمان بها وبرسولها، لكنهم عاندوا مثل سابقيهم في قبول رسالته (الا قلة منهم) وفشلوا في ادراك الحكمة الإلهية من التغيير والتجديد ورفضوا الانصياع الى أوامر خالقهم، فكانوا مصداق معنى الآية الكريمة (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ)( سورة العنكبوت 2) مما أدى الى اختيار الله قوما غيرهم وتفضيلهم عليهم، فوقع الاختيار على ملة العرب واصبحوا فيما بعد (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)( سورة آل عمران 110). ان عملية تتابع الأديان هي ضرورة حضارية إنسانية ورحمة مستمرة من الله لا تنقطع تنزل من السماء (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)( سورة الذاريات 22) وعناية قصوى بالبشر، فالرزق الإلهي يأتي من السماء على يد رسل الله،

وما هذا الرزق إلا الكتب السماوية والشرائع الإلهية والأوامر والنواهي الغيبية، وليس كما يعتقد البعض بأن الرزق الذي في السماء هو المطر الذي ينزل على الارض ويخرج الزرع، ولا كما يصوره المسيحيون بخصوص العشاء الرباني الأخير الذي يدّعون انه نزل من السماء ويرسمونه في لوحاتهم حيث السيد المسيح(ع) يجلس مع تلامذته الحواريين تتوسطهم مائدة غذائية ممتدة عامرة بأشهى المأكولات! فالسماء ليست مجرد عدة أميال تعلو رؤوسنا كما اعتقد السلف، بل هي محيطة بكرة الأرض من جميع الاتجاهات. ان أفضل رزق ينزل من السماء على البشر هو الآيات الإلهية والهدى الرباني، و(خير الزاد هو التقوى)، هذا هو الرزق الذي في السماء وما توعدون، أما الرزق المادي مثل الأكل والشرب والمال وغيره فيأتي من الأرض ومن عمل الإنسان. ان تكرار نزول الشرائع السماوية هو شكل من أشكال الرحمة والعناية والألطاف الإلهية المستمرة ولا يمكن ان تكون سببا لاختلاف البشر، لأن الله مصدر كل خير، وما هذه البلايا والمحن المنهمرة، الا بسبب عناد البشر وإصرارهم على النكران والكفر، وبسبب هذا الكفر يختلف أصحاب الديانات الجديدة مع أصحاب الديانات القديمة وأصحاب المذاهب والفرق، فيحصل القتال والخراب وحرق المدن وترميل النساء وتحليل الدماء وغير ذلك من المصائب التي يشهد عليها التاريخ. هنا يبرز السؤال المحير: أي الأديان أو المذاهب هي الحق؟ وكيف نتأكد ان هذا الدين هو الحق والأخير من عند الله، رغم ادعاء جميع اتباع الديانات والمذاهب الموجودة أن دينهم أو مذهبهم هو الحق ولا دين أو مذهب بعده؟ ان جواب هذا السؤال لائح واضح في الكتب المقدسة. ولنبدأ أولا بالآيات التي يمكن بها تمييز الحق عن الباطل.

حيث جاء في الإنجيل: [احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة. من ثمارهم تعرفونهم هل يجتنون من الشوك عنباً أو من الحسك تيناً. هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثماراً جيدة وأما الشجرة الرديّة فتصنع أثماراً رديّة. لا تقدر شجرة جيدة ان تصنع أثماراً رديّة ولا شجرة رديّة ان تصنع أثماراً جيدة. كل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار. فإذاً من أثمارهم تعرفونهم.]( إنجيل متى الإصحاح 7 الآيات 15 الى 20). ان المقصود من الشجرة هنا فهو الإنسان، ومن الشجرة الرديّة مدّعي النبوة، ومن الشجرة الجيدة هو النبي الصادق. والمعنى هو ان رسل الله الحق يمكن معرفتهم وتمييزهم من كلامهم وأفعالهم وتصرفاتهم ومبادئهم الراقية السامية، بينما لا يستطيع غيرهم مجاراتهم في ذلك مهما فعلوا، وفي النهاية يفشلون ويتسببون في خراب المجتمعات ودمارها. وجاء في القرآن الكريم: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ)( سورة الرعد 17)، ومن معاني هذه الآية ان من يدعي كذباً وبهتاناً انه رسول من عند الله سبحانه وتعالى وان قوله قول الله، لا يمكن لادعائه البقاء والدوام، فلابد وان ينكشف أمره وينمحي أثره.

أما الديانة الإلهية الحقيقية فتبقى وتستمر ويعلو شأنها. ان رسل الله الحق يشهدون ويؤيد بعضهم بعضاً رغم اختلاف أماكن ظهورهم وتباعد أزمنتها واختلاف لغاتهم، فمثلا ورد في الإنجيل: [إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقاً. الذي يشهد لي هو آخر وأنا أعلم أن شهادته التي يشهدها لي هي حقٌ]( إنجيل يوحنا الإصحاح 5 الآية 31)، وليس المقصود من الآخر في هذه الآية الا النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فلم يظهر شخص بعد سيدنا عيسى(ع) ادعى الرسالة والنبوة من عند الله وشهد بصدق دعوة المسيح(ع)، إلا سيدنا محمد(ص). كذلك ورد في الإنجيل في حق تصديق موسى(ع) ما يلي: [ لا تظنوا اني أشكوكم الى الأب. يوجد الذي يشكوكم وهو موسى الذي عليه رجاؤكم. لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عني. فإن كنتم لستم تصدقون كتب ذاك فكيف تصدقون كلامي]( إنجيل يوحنا الإصحاح 5 الآيات 45-47). ومن الأدلة الأخرى على تصديق كل رسول حق لمن جاء قبله من الرسل والأنبياء، ورد في القرآن الكريم في ذكر سيدنا موسى(ع) وتصديق دعوته. فقد جاء ذكره 136 مرة، وجاء ذكر سيدنا عيسى وتصديق دعوته 25 مرة. فلا شهادة أعظم من شهادة رسول من الله لرسول آخر وإقراره بصدق دعوته، فهو أفضل شاهد وخير الشهود، (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)( سورة الفتح 8). قد يهلل بعض من يقرأ هذه الآيات ويفرح بها، فهي تعطيه دفعاً في أحقية معتقده. لكنه قد يتجهم عند الدخول في الجزء الثاني من هذا الموضوع، وهو ختم الرسالات وعدم نزول أمر جديد بعدها. فكل أتباع الديانات المختلفة يقولون بقول واحد، هو ان رسالتهم هي آخر الرسالات وليس هناك رسول بعد رسولهم وهذا سبب بقاء أمم أصحاب الكتاب على أديانهم. لو تفحصنا الكتب السماوية لوجدنا مثل هذه الآيات قليلة جداً، ان كانت في التوراة أو الإنجيل أو القرآن رغم عظم قوة تأثيرها ونتائجها الخطيرة. لكنها أوقعت كثير من المفسرين في منزلق الاشتباه وضلوا وأضلوا غيرهم، إما غفلة منهم أو جهلاً أو حفاظاً على مركزهم ومقامهم الاجتماعي أو غير ذلك من الأسباب العديدة.

فعلى سبيل المثال ورد في التوراة بخصوص ختم النبوة بعد سيدنا موسى(ع) في سفر التثنية [اني أرفع الى السماء يدي وأقول حيّ أنا الى الأبد]( التوراة سفر التثنية الإصحاح 32 الآية 40)، وكذلك ورد في التوراة آيات أخرى تقضي بتحليل الطلاق وعدم نسخ السبت، فمعاني هذه الآيات الظاهرية هي التي حالت دون تصديق اليهود للسيد المسيح(ع) وأوجب الاعتداء عليه ونكران أحقيته وعدم الايمان به وبرسالته. لأن أول عمل قام به المسيح(ع) هو دعوته الى دين جديد ورسالة جديدة ونسخ السبت وتحريم الطلاق. فهل كان تصرف السيد المسيح دليل على صحة فهم اليهود لكتابهم؟ كذلك جاء في الإنجيل على لسان السيد المسيح(ع) بخصوص موضوع الختم: [ان السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول أبداً]( إنجيل متى الإصحاح 24 الآية رقم 35)، و [أنا الألف والياء، الأول والآخر، البداية والنهاية]( الرؤيا – الإصحاح 22 الآية 13)، وهاتان الإشارتان أصبحتا حجابا غليظاً ودخاناً مبيناً وغيوما كثيفة أمام بصائر المسيحيين عندما أشرقت شمس رسول الهدى محمد(ص) وبشّر الناس برسالته السمحاء. وبمثل هذه الآيات المتشابهات منع الكثيرون من الايمان به وبرسالته. فهل كانت كلمات الإنجيل (الواضحة) هذه تعني عدم أحقية دعوة سيدنا محمد(ص)؟ أستغفر الله. اذن لابد ان تكون لهذه الآيات معان لا يفهمها البشر، ولابد انها كانت امتحاناً صعباً لأتباع السيد المسيح(ع). ومن الملفت للنظر تكرار نفس الامتحان مرة أخرى في القران الكريم في آية وحيدة غير مكررة (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)( سورة الأحزاب 40)، وهنا نسأل الله تجنب هذا الامتحان الخطير الصعب وعدم الوقوع في نفس المطب وتلطفه ببصائرنا وعقولنا، إذا حصل شيء ما! لقد كفرت أمم عديدة برسلهم نتيجة هذا الامتحان الإلهي المتكرر،

فالنمرود وقومه كفروا برسالة إبراهيم(ع) ورموه في النار وأخرجوه من ارض العراق مطروداً منفياً، وقوم صالح قاوموه وحاربوه وعقروا ناقته، وأقوام عاد وثمود ولوط اصبحوا عبرة لبقية الأمم عندما غضب الله سبحانه وتعالى عليهم ومحا أثرهم، وقوم هود نزل عليهم العقاب السماوي، وقوم نوح غرقوا في الفيضان، وقوم فرعون غرقوا في البحر، وملة اليهود دخلت مدينة الكفر والإلحاد ليس بقتلهم أو محاولة صلبهم للسيد المسيح(ع) فقط، بل لأنهم كانوا يكررون قتل أنبيائهم واحدا تلو الآخر، لذلك لقّبهم السيد المسيح بـ (قتلة الأنبياء)، فقد جـاء في الإنجيل آية في وصفهم: [ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون(- الفريسيون: طائفة من اليهود تنظمت في عهد المكابيين للدفاع عن الشريعة وصفاء الايمان. لكنهم تعلقوا، مع الزمن، بالحرف دون الروح، لهذا لامهم المسيح بشدة على ريائهم وكبريائهم، فكانوا في طليعة مقاوميه). (المنجد ص 527). المراؤون لأنكم تنقون خارج الكأس والصحفة وهما من داخل مملوآن اختطافا ودعارة. أيها الفريسي الأعمى نق أولا داخل الكأس والصحفة لكي يكون خارجهما أيضا نقيا. ويل لكم ايها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تشبهون قبورا مبيضة تظهر من خارج جميلة وهي من داخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة.

هكذا أنتم ايضا من خارج تظهرون للناس أبرارا ولكنكم من داخل مشحونون رياء وإثما. ويل لكم ايها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تبنون قبور الأنبياء وتزينون مدافن الصديقين. وتقولون لو كنا في أيام آبائنا لما شاركناهم في دم الأنبياء. فأنتم تشهدون على أنفسكم انكم أبناء قتلة الأنبياء. فإملأوا أنتم مكيال آبائكم. أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم. لذلك هـا أنا أرسل اليكم أنبياء وحكماء وكتبة فمنهم تقتلون وتصلبون ومنهم تجلدون في مجامعكم وتطردون من مدينة الى مدينة. يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين…]( إنجيل متى، الإصحاح الثالث والعشرون الآيات 29-37). اذن، وجب على الجميع دون استثناء، الانتباه والبحث والتفتيش لعل هناك ما هو خافٍ عن البصر والبصيرة، لأن ما يحصل اليوم للبشرية بمختلف معتقداتها من عذاب ومعاناة وتكالب البلايا والمصائب والخسران والتخلف، ما هو الا دليل الابتعاد عن التعاليم الإلهية الحقيقية وترك ما أنزل الله سبحانه وتعالى. وبعض علماء التاريخ والأديان والحضارات يدركون المعاني الخفية لمصائب وبلايا اليوم، فليس من الحكمة الإلهية والرحمة الربانية وقوع كل هذه البلايا والنزاعات والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والفقر والعوز على البشر بدون سبب. ان الله سبحانه وتعالى أرحم الراحمين ولا يقبل لعباده الظلم والاعتساف، فكيف يتفق تفسير هذا مع ذاك؟ اذن لابد من وقفة منصفة للانتباه من هذه الغفلة والقيام من هذا السبات للخروج من قبور النفس ولحود الهوى. فالله واحد وشرائعه واحدة ورسله واحدة،

وليس من الكفر اتباع أوامر جديدة ان كان هناك شيء جديد!! بل الخزي والعار في العناد والمخالفة. ولنا في قول الرسول محمد(ص) تحذير شديد بهذا الخصوص، فعن أبي سعيد الخدري (رضى): (لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحـر ضب تبعتموهم. قالوا: اليهـود والنصارى؟ فقال: ومن؟). “متفق عليه”. لقد حان الوقت بعد ان تفتحت عقول البشرية وتنورت أبصارهم بالعلم والمعرفة أن يدركوا ان ما يحدث للعالم من مشاكل وبلايا وحروب هو عقاب من عند الله سبحانه وتعالى. فهل يتعظ البشر وينزعوا عنهم قميص التعصب الأعمى؟

لا تعليقات

اترك رد