ما بعد مؤتمر الآستانة : قراءة في البعدين الإقليمي والدولي للازمة السورية – ج 5

 

خريطة الطريق الروسية
​وحسب ما ترشّح، فإن لدى الروس أربع حلقات أساسية لحل الأزمة السورية، وقد تلتقي معها كلياً أو جزئياً إيران وتركيا، وخصوصاً بعد نتائج مؤتمر الأستانة، ولحين تبلور رؤية أمريكية جديدة في عهد ترامب، فإن هذه الخطة ستأخذ مجراها إلى التطبيق ويعتمد نجاحها على دفع اللاّعب الأمريكي بوقت لاحق للتعاطي مع المشروع الروسي.

​الحلقة الأولى للخطة الروسية، تقوم على إرساء وقف إطلاق الناربشكل حقيقي في المناطق المتنازع عليها بين الحكومة السورية والجماعات المسلّحة.

​أما الحلقة الثانية، وقد بدأت خطواتها الأولى بشن حرب تشارك فيها الأطراف المختلفة للقضاء على جبهة فتح الشام “جبهة النصرة سابقاً” وكان من مؤشرات ذلك صراع الجماعات المسلحة مع جبهة فتح الشام في إدلب التي ترافقت مع العمليات الجوية التي ينفذها التحالف الدولي وموسكو من خلال استهداف مقرّاتها واجتماعات قيادييها، ليس هذا فحسب، بل إن هذه الحلقة قد تتوسّع لتشمل محاربة “داعش”.

​وتقضي الحلقة الثالثة بإقرار دستور جديد لسوريا وقد تمّت الإشارة إلى مشاريع الدساتير المقترحة والمشاريع التي ستعكف على تقديمها قوى المعارضة، وكانت المسوّدة الروسية قد استندت على الدستور السوري الذي تم تعديله العام 2012، وهناك قلق لدى العديد من النخب السورية الحاكمة وغير الحاكمة في أن يكون هذا الدستور صيغة مماثلة أو مقاربة لدستور بول بريمربخصوص العراق للمرحلة الانتقالية 2004 والذي تم صياغة الدستور الدائم على أساسه لعام 2005، وهو الذي كرّس نظام المحاصصة الطائفية – الإثنية، لكن الروس يؤكّدون أن ذلك يتم بوحي من الأرضية الدستورية السورية نفسها وبأيدٍ سورية، مع ملاحظات حول شكل نظام الحكم وصيغة اللاّمركزية المطروحة فيه.

​وتعتبر الحلقة الرابعة من أهم حلقات الخطة الروسية، وذلك برفع أي فيتو عن أي من المرشحين للرئاسة، ولكن كل ذلك مرهون بنجاح عملية إحلال السلام، وتعاون الأطراف الإقليمية مع موسكو، لا سيّما تركيا وإيران، وبالطبع فإن صيغة البيان الختامي فجّرت خلافات جديدة بين الجماعات المسلّحة والمعارضة، لا سيّما بشأن الدور الإيراني الضامن.

​في الختام يمكن القول إن مؤتمرات السلام التي انعقدت لحلّ الأزمة السورية في السنوات الثلاث الماضية، جميعها بما فيها مؤتمر الأستانة، ساهمت في كسر الحاجز النفسي وتطبيع العلاقات بين القوى المعارضة والحكومة السورية. وإذا كانت المؤتمرات الأولى ضمّت جماعات سياسية مثل “المجلس الوطني السوري – الدوحة” ثم “هيئة الائتلاف الوطني – اسطنبول”، ولاحقاً “الهيئة العليا للمفاوضات – الرياض”، فإن مؤتمر الأستانة مثّل جماعات مسلّحة على الأرض حملت تسميات من قبيل “جيش الإسلام” و”جيش إدلب الحر” و”الجبهة الجنوبية” و”صقور الشام”.

تركيا: تسوية الأزمة بدون الأسد أمر غير واقعي
​وإذا كانت تركيا المتعهّد باسم الجماعات المعارضة المسلحة، فإن روسيا ظهرت وكأنها الأقرب لتمثيل الحكومة السورية كقطب أساسي، وإن حظرت إلى جانبها إيران، لكن تحفّظات بعض الأطراف المسلّحة جعلها في المرتبة الثانية، وإذا كان هناك من تبدّل نوعي، فهو يتعلّق بتهميش دور المملكة العربية السعودية وقطر، خصوصاً بعدم حضور المعارضات السياسية المدعومة من جانبيهما.

​ومن التطوّرات المهمّة التي تبلورت عشية وخلال وبُعيد مؤتمر الأستانة أن تركيا التي كانت تصرّ على رحيل الأسد، تخلّت عن هذه الفكرة، وقد عبّر نائب رئيس وزرائها محمد شيمشك في مؤتمر دافوس (سويسرا) ما يؤكّد ذلك حين قال: إن تسوية الأزمة السورية بدون الرئيس السوري بشار الأسد، تعدّ في الوقت الراهن أمراً غير واقعي، وذهب أكثر من ذلك حين أضاف “الأسد يتحمّل مسؤولية معاناة الشعب السوري، لكن يجب أن نكون براغماتيين، وأن ننطلق من الواقع، فالوضع تغيّر جذرياً، ولذلك لا يمكن لتركيا أن تواصل الإصرار على تسوية بدون الأسد، وأنه أمر غير واقعي”.

​صحيح أن مؤتمر الأستانة ركّز على الجوانب العسكرية، المتعلّقة بتثبيت الهدنة ووقف إطلاق النار، إلاّ أنه فتح الأفق واسعاً بعد انسداد دام لسنوات أمام تسوية سياسية، وهو ما حاول دي ميستورا الحديث عنه، ولا سيّما استئناف مؤتمر جنيف في شباط (فبراير) 2017، أي محاولة إضفاء بُعدٍ أممي على ما جرى في الأستانة، وتبقى الأزمة السورية، سورية بالدرجة الأساسية، وحلّها سورياًأيضاً، مهما كان دور القوى الإقليمية والدولية كبيراً، وهذا الحل الميداني يحتاج إلى خريطة طريق طويلة الأمد، وتفاهمات وشجاعة استثنائية في الوقت نفسه، لأن الهدف هو إعادة بناء سوريا وترميم ما خربته الحرب، وإجراء مصالحة وطنية حقيقية وتاريخية.

كولومبيا وتجارب العدالة الانتقالية
يتبع

لا تعليقات

اترك رد