الاحتفال بانتهاء الحرب العالمية والانتصار على الفاشية؛ تجاريب وعبر!؟

 

ثقافة الاعتذار وإدانة الجريمةِ وكلِّ دور في ارتكابها هو المنطلق للتعايش بمنطق التسامح والسلام والعيش الإنساني الأفضل

تحل في الثامن من مايو آيار ساعة الصفر الألمانية التي أعلن النازيون فيها أنهم يستسلمون لإرادة الشعوب والأمم وانتصار منطق الديموقراطية والحرية والسلام… وعلى الرغم من تباين واختلاف بين بعض الألمان لردح من الزمن إلا أنّ ألمانيا (الغربية) أكدت الاعتذار رسمياً لضحايا الحرب التي أشعلتها الفاشية إذ أنّ ألمانيا الديموقراطية كانت تحتفل بانتهاء الحرب العالمية الثانية بوصفها انتصاراً على الفاشية بوقت سابق على ما فعلته شقيقتها الغربية.

إنّ العالم بات يحتفل بيوم الثامن من مايو آيار بوصفه يوماً عالمياً يجري فيه نشر ثقافة الاعتذار وإدانة الجريمة ومن ثمّ أقرار أيِّ دور في ارتكابها، اعترافاً بالخطأ بوصف ذلك هو المنطلق لإدانة ثقافة العنف والعدوانية الهمجية التي أشعلت وتشعل الحروب ومنطق العنف والاحتراب.. وفي ضوء هذه الرمزية المحمّلة في اليوم العالمي للانتصار على الفاشية؛ جرى ويجري تعميد خطاب إنساني بقصد إحياء مناسبة للتذكر والمصالحة إجلالا لذكرى ضحايا الحرب العالمية الثانية يومي 8 و 9 أيار/مايو..

التذكر أي ألا ننسى ضحايانا، وألا ننسى معنى ما فرضته عنفياً همجياً الحرب ومنطقها هلى البشرية، بكل ما دفعته من ثمن باهض في الأرواح والممتلكات.. وهذا التذكر يتضمن وقفة إجلال وإكبار لمن دافع عن السلام وقيم البشرية وعن الإنسان وحياته وحريته في كل مكان..

ومن يتذكر بروح إجلال للضحايا لا يمكنه أن يتخذ من الحرب آلية لحل المشكلات والاختلافات لأنها سبب قاطع في إيقاع تلك الضحايا والخسائر؛ ولهذا فالبشرية تتجه لفرض بديلها، بديل السلام وتبادل العلاقات بروح المصالحة بين الشعوب والأمم وفي داخلها درءاً للانقسامات ولما تختلقه من احترابات..

من المؤكد أن التسامح والمصالحة والتعايش السلمي يتضمن ثمناً صعباً من التنازلات ولكنه البديل الأنجع لتكريس قيم أنسنة وجودنا وفرض إرادة السلام بديلا للحرب ومعانيها وما تُحدثه من مزيد فظاعات وضحايا مهولة…

إنّ تجربة الانتصار في الحرب العالمية الثانية لم تأتِ بلا ثمن.. وهي تكفي لتذكر عشرات ملايين البشر الذين قضوا في تلك الحرب الوحشية الهمجية المروّعة.

وإذ تقف البشرية جمعاء اليوم، للتذكر فإنها تصرُّ على توكيد ((خيار المصالحة)) التي من دونها لن يكون معنى للتذكر.. ومن دون ((خيار المصالحة)) يكون المرء بعيداً عن الاتعاظ من آلام الحرب التي أوقعت فيه أفدح الخسائر والتي لا يقابلها ولا يعوّضها أيّ ثمن مادي…

إن وقفة البشرية ليست مقصورة على الألمان، ولا على الأوربيين ولا على من ساهم بشكل مباشر في تلك الحرب، ولكنها وقفة تفرض واجباً إنسانياً يشمل البشرية جمعاء، يشمل كل الشعوب والأمم والمجموعات الإنسانية باختلاف أحجام وجودها…

ومن هنا يمكننا على سبيل المثال أن نشير إلى شعوب الشرق الأوسط الموروطة بحروب ضروس بلا طائل إلى أنّ البديل لتلك الحرب وإلى أنّ الحل الحاسم والأنجع يكمن بوقف تلك الحروب فوراً وباتخاذ طريق المصالحة بكل ما يتطلبه من أثمان لأنه الطريق أو الخيار الوحيد للسير تالياً بدروب السلام ومن ثم التنمية والبناء وإعادة بناء الروح الإنساني الأصفى والأنقى والأبهى.

ومطلوب داخل كل بلد ومكونات شعبه، اتخاذ طريق المصالحة بدل الإيغال في دروب التحول من الاختلاف والتنوع إلى الخلافات وإشعال الاحتراب على أرضية التخندقات المصطنعة؛ وهي الأرضية لا يملك فيها أيّ من أطياف أي شعب وبلد لا ناقة ولا جمل.. ولا يملك منها سوى أن يقع اسير العنف والوقوف بالدور بانتظار وقوع مطحنة الآلة الجهنمية عليه.

الحرب الدائرة ضد الإرهاب ليست إلا وجهاً آخر من لعبة الطائفية وتخندقاتها وتمترساتها المرضية.. فليس الشيعي عدو السني ولا العكس وليس المسيحي عدو المسلم وبالعكس وليس المندائي عدو الأيزيدي وبالعكس وليس من عداء بين أتباع الديانات ولا بين أتباع المذاهب إنما أتباع المذاهب ينتمون إلى دين واحد ويتنوعون في أداء طقوس ذاك الدين على وفق كل اجنهاد يراه أتباع المذهب بما لا يتعارض وأتباع المذهب الآخر جوهريا إذ هم جميعا بكل اجتهاداتهم يعودون لدين واحد. وعندما يتعلق الأمر بين أتباع الديانات فهناك ما يوحدهم في الوطن والإنسانية وفي تجاريب البشرية التي تحتفل باستذكار الحرب والعنف والهمجية وما أوقعوه من آلام وتضحيات جسام، بمعنى التذكير بأن الخيار الوحيدي هو بديل السلام…

إذن لتنطلق على أعتاب الانتصار على الإرهاب ووحشيته وهمجيته احتفالات استذكار ضحايا الحرب بالتزامن مع احتفالات البشرية بذات القضية من حيث الجوهر.. ولنتشارك مع شعوب العالم في تضمين الاستذكار توجها حاسماً نحو البديل ممثلا في تطمين التعايش بأسس الإخاء ومبادي التسامح وقيم المصالحة وعلينا ونحن نتذكر وعلينا ونحن نسترجع الوقائع والفظاعات أن نؤكد لأنفسنا أننا إذا لم نختر المصالحة! وإذا لم نختر الإخاء والتسامح! فلسنعيد تكرار المآسي وكوارثها وفظاعاتها الجهنمية!!

فليكن خيارنا مهما كانت الأثمان، أن نختار التصالح بدل الثارات وأشكال الانتقام أو بدل التخندقات التي تضعنا خلف متاريس حرب جديدة تولد عن حرب نريد الانتهاء منها مرةً وإلى الأبد.

إنّ إغماض العين عن دور كلّ منا في أية وقائع عنفية لن يسمح لأي طرف بالتخلي عن احتمالات بمختلف الأحجام في معاودة إشعال الحرائق.. لقد كانت الدراسات الأممية المعرفية المعمقة في ثقافة اعتذار الشعب الألماني سبباً للتوجه به إلى التفرغ لمهمة البناء بالمطلق بلا أي انشغال بآلة الحرب والعسكرة وصرفياتها وموازناتها المرهقة..

ولقد أكد الشعب الألماني بمجمله وقادته السياسيون تلك الحقيقة أي حقيقة ثقافة الاعتذار وحقيقة التوجه للمصالحة مع الذات ولتوحيد الأمة التي ظلت ممزقة بين طرف يحتفل بانتصار على الفاشية وآخر يمثلها مجرد انتهاء حرب حتى تم الإقرار يوم ركع المستشار الألماني أمام رمز ضحايا الفاشية في بولونيا ويوم باتت ألمانيا الموحدة تنظر بشكل مشترك موحد تماما إلى أن انتهاء الحرب كان انتصاراً على مشعلي الحرائق النازيين وفلسفتهم الفاشية.

أسئلتي للعراقيات والعراقيين:

هل احتفلتم في داخل الوطن وخارجه بالانتصار على الفاشية؟ هل ستحتفلون بهذا اليوم؟ وهل احتفلتم مع كل شعب وبلد مهجري بيوم الحرية والانتصار الوطني على الفاشية؟ أم لم يمثل ذلك لكم سوى فرصة لنظرات عابرة لارتفاع أعلام جيرانكم بأحياء المدن ببلدكم المهجري؟ ألم تروا في ذلك فرصة للتعبير عن إدانة الحرب بأشكالها؟ ألا ترونه تضامنا مع أهلكم في داخل الوطن يقارعون حرب الإرهاب؟ ألا ترونه بوابة للتضامن مع الشعب وأطيافه كي يختاروا بديل الإخاء والتسامح والسلام؟

إذا كان أيّ منا سيرى نفسه غير معني بالإجابة عن هذه السئلة وعليها فلا يلعنن حظه العاثر ولا يلعنن خياره الذي يعني ضمناً مساهمته في إيقاع مزيد ضحايا بين أهله في الوطن وفي غيره…

لا تحزنوا وتتباكوا على خسائر فاجعة مريعة وانتم تساهمون بوقوعها بل انتبهوا على كل خطوة وكل خيار تمارسونه لتكونوا سببا في مسرتكم وسعادتكم وبنشر ذلكم باتجاه كل أطياف شعبكم أهلكم أنتم..

أنت لا تستجير عند شعب ولا تشاركه احتفاله بمعنى أنك لن تشاركه ظروفه الصعبة المعقدة! إذ من لا يشارك السراء لن يشارك الضراء أو كيف به أمام ظرف المضرة والعقبات والمتاعب والمصاعب!؟

هيا لنحتفل بانتصارنا على الفاشية ومثلها الانتصار على الإرهاب بالاحتفال بخيار يلجم الطائفية وخطابها التحريضي العنفي الهمجي وبممارسة خطاب المصالحة، الإخاء، التسامح والسلم الأهلي حيث نطلق انشغالا وحيدا المسار هو خيار التنمية والتقدم والعدالة الاجتماعية القائمة على المساواة والعدل وقيم التنوير…

تلك هي العظة وهي دلالة التجربة ومن ثم معاني توجيهنا نحو البديل…

فهل لأي من قرائي الأفاضل تعقيبا ينضّج التحليل والاستنتاج ويعزز نشر قيم المصالحة، التسامح والسلام؟؟؟

لا تعليقات

اترك رد