الوحي والقرآن .. قراءة من فوق أسوار المعبد


 

اولا: ان الوحي الالهي غير القران المكتوب، لان الوحي الالهي الذي باشر الرسول محمد ص لم يكن متنا مكتوبا، ولان فضاء الفكرة ارحب من إطار اللغة (اي لغة) فان الوحي الالهي يمكن ان يوصف بالكمال والإطلاق والعصمة والتمام، لكن القرآن (وهو الانعكاس المكتوب عن الوحي) قد خضع لمحددات اللّغة، وضوابطها، واشتراطاتها، ومساحة المتخيل فيها، لذلك لا نجد حديثا عن الدب والثلج والكنغر والإنسان نيادرتال والدينصورات وغيرها من المعاني غير المتخيلة في جغرافيا اللغة العربية آن ذاك.

ثانيا: اللغة العربية وقت كتابة القرآن لم تكن قد استكملت أدواتها البيانية والجمالية الكتابية، لانها لغة شفاهية، ولم يسبق ان عاشت تجربة تدوينية قبل القرآن، لذلك العربية التدوينية ولدت قرآنيا وليس العكس، وان كانت فتية شفاهيا، ولان الحديث هنا عن القرآن المدون اذا لابد الأخذ بنظر الاعتبار العملية التفاعلية ( التأثر والتأثير) بين القران واللغة، ومن ثم دور النسّاخ في عملية التدوين، خصوصا ان اخبارا عدة تحدثت عن مشاكل حقيقية في مرحلة التدوين الاولى للقران الكريم، كما في قصة (تبارك الله أحسن الخالقين) او اشكالية المعوذتين، او سورة ابو لهب.

ثالثا: القرآن الكريم تم جمعه وتبويبه في مراحل متعددة وفترات متباعدة، فالجمع الاول في الزمن النبوي لم يطرح صيغة نهائية للقرآن ولم يتم اعتماد نسخة محددة منه، ولم يؤسس بيتا او ديوانا للقرآن الكريم، ولم تحفظ نسخة أساسية في الكعبة او المسجد النبوي يتم الرجوع لها وقت الاختلاف مثلا، وهذا ربما يكون مؤشرا على عدم اعتبار القرآن اولوية مقدسة في زمن الرسول ص، خصوصا ان الرسول ص كان يمنع (بحسب الروايات) تدوين الأحاديث النبوية، خوفا من ان تختلط بالقرآن، ما يشّي بوجود خلط في مرحلة التدوين بين ما هو قران وما هو حديث نبوي، كما يشي بتماهي المسافة بين لغة القران ولغة الحديث آن ذاك؛ المرحلة الثانية، هي مرحلة الخلفاء الراشدين، ابتداءا من خلافة ابو بكر الذي عمل على جمع القران وتوحيد نُسَّخه، وكذلك عمر بن الخطاب الذي تعاظم في زمنه تعدد نسخ القران، وتفاقم الصراع والاختلاف حول المصاحف المختلفة، وقام الخليفة الثالث عثمان بن عفان بخطوة غير طبيعية وغير تقليدية وصادمة، فقد جمع المصاحف وقام بإحراقها، معتمدا نسخة واحدة، اخذت اسم المصحف العثماني فيما بعد، ما يؤشر بوضوح حجم الاختلاف في النسخة المدونة والصحيحة للقران، وكان موضوع حرق المصاحف وفرض نسخة بقوة الدولة على المسلمين الأثر البالغ في قتل الخليفة الثالث، وقد اعترض كبار الصحابة وآل البيت على النسخة العثمانية معتبرين إياها (محرّفة) عن القرآن النبوي زيادة ونقيصة، ومن اهمهم ام المؤمنين عائشة وابن عباس حبر الأمة وابن مسعود والامام علي وغيرهم من كبار الصحابة.

رابعا: بعد الغزو الاسلامي لبلاد فارس والعراق والشام ومصر، وإرغام سكانها الأصليين على اعتناق الاسلام، واجه المسلمين أزمة كبيرة تتعلق بحصانة اللغة (الفتية نطقا، والوليدة كتابة) على استيعاب تداخل الالسن والافهام، ما إضطر الامام علي بحسب روايات ان ينشغل بضبط قوانين اللغة، وأطلق مشروع النحو العربي الذي باشره ابو الأسود الدؤلي، ما يؤكد ان نقطة الشروع في ضبط اللغة ابتدأت بعد نصف قرن على كتابة القران الاولى بعد رحيل النبي.

اخذت عملية تطوير الكتابة العربية، واضافة النقاط والشكلات والحركات، وبلورة الكتابة العربية في شكلها الحالي، ما يقرب من القرن، اي عصر الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ( 23-86 هـ) حيث تم اضافة النقاط والحركات للقران في عملية مكلفة جدا، تسبب ضبط الرسم القرآني، بهدر كبير للمعنى الذي نزلت به بعض الآيات، فضلا عن الحذف والإضافة.
تعريب بعض الكلمات غير العربية ( السريانية والآرامية والفارسية) وهذا البعد ايضا يجب الخطير ان يكون حاضرا في عملية فهم القرآن.

سادسا: جمع الآيات وتوزيع السور، وما سمي فيما بعد بالقرآءات، فقد بقي هذا الموضوع محل اختلاف شديد وصراع الى القرن السادس الهجري على يد الامام الشاطبي صاحب المنظومة الشهيرة، المتوافق عليها.

سابعا: عدم وجود نسخة مكتوبة مثبتة علميا للقرآن من عهد النبي ص او الخلفاء الراشدين لتكون مرجعا للباحثين والمتخصصين، وان اقرب نسخة موجودة من نهاية القرن الاول الهجري، وهي مخطوطات برمنكهام ومخطوطات عدن،التي تختلف كثيرا عن القرآن المعتمد اسلاميا، وهذا يجعل جميع النظريات والتفاسير المستندة لهذا المتن والمتوقفة عند حدوده غير علمية وغير سليمة منهجيا.

سادتي الكرام
ما ادعو له البدأ بمراجعة تستند على البحث في هذه المقدمات، واني بناءا على ما تقدم ادعو لما اسميه (بشرية القران الكريم) والتمييز بين الوحي الالهي الذي لم يصل لايدينا، وبين القران الكريم وهو الصورة البشرية المكتوبة عن الوحي الالهي، والتي تعرضت (النسخة المكتوبة) لأضرار كبيرة نتيجة للظروف المذكورة اعلاه، وبناءا على ذلك يمكننا اعادة باب الاجتهاد الاسلامي الذي لا يتوقف عند حدود النص المقدس، لعدم وجود نص مقدس اصلا، أنما تدوين متضرر للوحي الالهي المقدس.

دمتم بألف خير وسلام

3 تعليقات

  1. غيث التميمي من الأصوات القليلة المتميزة على مستوى الوطن العربي .. ليس على صعيد البحث الديني والعقائدي فحسب .. بل وعلى أصعدة التفكير والتأمل في مختلف القضايا الفلسفية والمعرفية .. غيث كاتب يتجاوز حدود المألوف السطحي ليصل إلى عمق الفكرة .. ويتجاوز تقليدية اللغة وإطاراتها الجاهزة الساذجة ليصل إلى عمق المدلولات والبواعث والحيثيات الدقيقة .. غيث يترك السفسطائي والجدلي (العربي) الذي يغرق به معظم الباحثين والمفكرين .. ويلتقط الأهم وهو نقطة البداية .. نقطة الانطلاق للتأسيس والبناء ..

  2. بما ان موضوع بحثكم تتأسس وتعتاش عليه فئات كثيرة ومن كل المذاهب ولذلك فان الجو الموهوم هو من يديم عوامل قيادة المسلمين بارادة الدعاة والائمة وبعدهم المراجع وليس بارادة الله تعالى.وعليه فان هذه الدعوة غير مرغوبة بل ومرفوضة ومحاربة الى ان تدخل الحرية والمدنية مكة والنجف والازهر وقم..ولكنها دعوة في فضاء يملكه الخالق العظيم تعالى ويعلمها وهو كاف عبده.
    تحياتي

  3. تحية عطرة…

    ربما لو إستخدمت في مقالك عبارة (مصحف عثمان) بدلا من (المصحف العثماني) لكان أصوب وأقرب إلى الحقيقة، فكما هو معلوم أن المقصود بالمصحف العثماني هو نسبته إلى الخطاط التركي (عثمان) الذي كتب نسخته الشهيرة بخط يده وهو حتما ليس عثمان بن عفان الخليفة الراشدي الثالث .

اترك رد