مع ابليس


 

تشغلني دائما قصة ادم، ابونا الذي لم نره، ولم نعرف عنه شيئا سوى سلبيته وبساطته وطيبته، ولانه صنع من الطين، فقد خلق متواضعا، حتى ان التواضع اصبح صفة ملازمة ومحببة لادميتنا، ومع قصة خلقه تاتي حكاية ولديه اللذين تقاتلا بسبب حبهما لامرأة واحدة، ليموت الطيب المعتصم بالحب وبرابطة الاخوة، ويبقى المتوحش الاناني الذي ارتكب اول جريمة قتل في تاريخ الخلق، لنولد جميعنا من صلب الخطيئة ومن سنن الجريمة، وما عاد في ذهني اكثر من ان تلك هي طبيعتنا كبشر، وان مانراه اليوم هو صورة مركزة ومعكوسة رغم تشعباتها لتلك الاولى في سجل البشرية، يغلفها شيء اعمق واكبر هو الصراع الذي اصبحنا حطبا له بين الله وبين ابليس، ولاني كغيري من الذين تصالحوا مع الحياة ومع الموت ايضا وفق تذكير اخينا عبد الحميد الصائح، آخذ الامر من جانب الحكمة الالهية، في ان نعي ان حياتنا ووجودنا كفاعلين ومتفاعلين مع هذا الصراع هي امتحان عسير لنا، وان علينا ان ننجح في هذا الامتحان دون النظر الى ظروفنا والى المعوقات التي تواجهنا، يدفعني ذلك الى الهدوء قليلا، والى الاعتقاد ان آدم هو كل مولود جديد، يشب ويشيب محتضنا الشرائع والموانع ليخالفها ويطوعها لمصالحه، فينغمس في الممنوع بفطنة وخبث العقل كما هو ابليس، او بسذاجة الفطرة على شاكلة الاول الذي اكل التفاحة..

ورغم كل ذلك، تبقى ثمة اسئلة تدور في ذهني دون اجابة مطلقة خارج نطاق الايمان المطلق ايضا، فاعيد لمرات عديدة ترتيب المشهد الخالد، الله جل جلاله ياتي زائرا بين حين وحين الى الجنة، الملائكة الكبار هناك، كلهم بمافيهم ابليس يدركون قدرته، ويعرفون بيقين تام انه هو الخالق والآمر الناهي، وان كلمة منه تبني او تفني، ويامرهم الله بالسجود لادم، فسجدوا جميعا الا صاحبنا ابليس فقد أبى واستكبر، وليته اكتفى بذلك ومضى ملعونا غير ماسوف عليه، انما هو قد تحدى خالقه، وتوعده بغواية عباده، من الجن والانس..

في المشهد بدا لي آدم مثل امبراطور صغير في العمر أعطي ملكا واسعا دون معرفة وحكمة وحنكة، وهناك جيشا من الساجدين الممجدين له فهو الذي سيكون خليفة الله في الارض وهو من يرثها، وهناك أيضا من يناصبه العداء، ومن رفض تقديم عهود البيعة والولاء، واول اسئلتي كان: ترى هل كان دافع هذا الرفض والعداء الطمع في الحكم؟.. ام انه شعور من يرى في نفسه القدرة والقابلية والاحقية ولكنه لا يحصل على ما يستحق؟..

ولكن السؤال الاهم الذي لايفارقني ابدا: كيف يمكن لمخلوق ان يتحدى خالقه؟.. التحدي يشترط دائما توفر مبدأ الندية، فهل يمكنني التفكير لحظة واحدة خارج نطاق الكفر والايمان: ان ابليس كان ندا لله؟.. معتمدا في سؤالي هذا على انه تحدى خالقه، وعلى انه استطاع دخول الجنة بعد ان تم طرده منها، وتمكن من اغواء امنا حواء لتغوي بدورها ابينا ادم فيسقطان في عصيان امر الخالق، ويتم طردهما من الجنة. واضيف هنا: انه تحدى خالقه بغواية العباد فنفذ تحديه بسرعة ودون تاخر ولم يتمكن الله من حماية مخلوقه الوحيد موضوع الرهان والتحدي، وايضا لم يتمكن من حماية الجنة ذاتها من دخول ابليس اليها رغم امره الناهي بطرده منها؟..

ابليس، تحدى خالقه بصراحة ووجها لوجه، اكاد اشعر وانا استرجع المشهد، ان قلبه لم يرتجف، وعينه لم ترمش، ووجهه لم يحمر، وضغينته لم تكن موجهة لخالقه، بل لهذا المخلوق الذي وجده ضعيفا مصنوعا من طين في حين كان قد خلق هو من نار، كان غاضبا لانه لم يحظ بفرصته ربما، وربما لانه يرى نفسه اكثر استحقاقا لاي يسجد الاخرون له وليس لادم، هذه اللحظة الحاسمة في تاريخ الخلق لم تكن لحظة بقياس زمننا، بل لحظة بزمن لاقياس له الا في علم الخالق العظيم، فتراها ممتدة الى اليوم وستستمر الى ما لا يمكن تصوره وحسابه، ابليس واولاده يناصبوننا العداء نحن ابناء ادم وثمة ثأر كبير بيننا لم تعوضه كل جرائم التاريخ وكل ظلم البشر وكل الالام والمعاناة..

لم تعد الجنة التي نتقاتل اليوم في سبيلها، نسفح الدماء ونرتكب اعتى الفواحش لاجلها دون ان نعلم اننا اضعنا الطريق اليها، مهمة لابليس واولاده، فقد طرد منها ولانه من نار فلا تكويه جهنم ولا يسحقه سعيرها ان لم تكن تستهويه ويستهويها، بل مايهمه الارض حيث ابناء ادم يتناسلون، هي حلمه وعرشه وحكمه الضائع وفرصته التي اهدرت لاسباب نحن نسميها حكمة الهية، في حين هو يعطيها عنوانا اخر شبيها بالعبارة التي نتداولها اليوم: الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب وكما هو العكس ايضا..

واعود الى المشهد، ارى صاحب العرش ومقسم الارزاق جل جلاله، آمرا ادم النزول الى الارض، فيصبح وهو البسيط الذي لايملك من الحكمة سوى امر نهي واحدٍ اخل به، لقمة سائغة بيد ابليس، الذي يواصل تحديه وينفذه سريعا مرة اخرى فيتلاعب بابناء ادم حتى يقتل احدهما الاخر، لنمضي هكذا منذ وجدنا على سكة الشيطان دون رحمة ودون واعز من اخوة وضمير، أما آدم فقد قضى ما تبقى من عمره باكيا نائحا طالبا المغفرة من ربه لذنب مع تسفح فيه الدماء ولم تنهب فيه الثروات ولم يظلم فيه احد، تاركا ابليس ونسله يتلاعبون في ارض الخلافة وينشرون عصيانهم ومعاصيهم، ويتلبسون اجسادنا وارواحنا وعقولنا، حتى لم نعد نعرف اي منا ابليسي واي منا آدمي..

الصراع على السلطة، الذي بدأ في تلك اللحظة لم ينتهي لان اللحظة ذاتها لم تنته ابدا، تزاحم اخوة يوسف، وتزاحم هارون وموسى، وجاءت لحظة مهمة في تاريخ الاسلام تزاحم فيها علي ومعاوية، في مشهد مشابه تماما لتزاحم ابليس وأدم، هذا التزاحم الجديد خلق شقا واسعا في تاريخ الاسلام وتناسل لنعيش نتائجه بواقعية مؤلمة هذه الايام عبر الصراع الدائر بين داعش وماعش، ثم تزاحم ابناء ابي سفيان، ثم بني العباس، حتى سملت عيون وقطعت اطراف واحرقت اجساد، ثم جاء بني عثمان وشهواتهم للسلطة والحكم، ليعيدوا قصة ابناء ادم الى الوجود بواقعية دراماتيكية فقتلوا ابنائهم واخوتهم ولم يسلم الطفل الرضيع من فتاوى التجريم بالبغي والعصيان، ولم تسلم حتى دويلة قطر وسلطنة عمان من تزاحم الابناء والاباء، وكأن ابليس يعيد الكرة والاتهام الاول الذي وصف به من قبل خالقه، الى اولاد ادم ونسلهم..

ابليس بذكائه المفرط وبقدراته وثقته بنفسه التي دفعته لتحدي الخالق، عرف سبل غواية البشر، وحين نجح اختباره الاول مع حواء، جعل للنساء حيزا واسعا في غوايته، واعطاهن من قدراته ما تمكنهن من اللعب بالعقول والقلوب، حتى ليجد الرجل نفسه امامهن ضئيلا رهيفا كسيرا، فيركع خانعا ذليلا في السر، حتى وان كان هتلر زمانه في العلن، ولكن ابليس لم يكتف بهن، فهن الى زمن طويل بقين مجرد محضيات مرهفات وراء ستر وحجب، وهو بحاجة من اجل غواية الجموع الى نماذج ونخب والى قدواة قادرة على خلط الحابل بالنابل، وعلى حرق الاخضر باليابس، وليس ابرع من اولئك الذين يتحدثون كثيرا عن الحق والايمان وحور العين والولدان والجنة وخمورها، ليس ابرع من رجال الدين، رهبانا وقساوسة وملالي وشيوخ، كلهم باستثناء ما رحم ربي، شياطين ابليس من نسله الخالص، ومن اختياره واصطفائه ليجعلوا من الحق باطلا ومن الباطل حقا، ومن العدل ظلما ومن الظلم عدلا، ولعل ابن رشد كان من الادميين الذين لم يصلهم ابليس او انه قد وصله فتصرف بعقله ليخلط مالم يختلط بعد حين قال: (فإن أردت التحكم بجاهل، عليك أن تُغلف كل باطل بغلاف ديني) ليعطينا اشارة الى ان كل ماموجود هو باطل، او ان بامكاننا ان نجعل من الباطل حقا، فلنا نحن الذين نعيش على الارض ان نتخذ من هذه الحكمة ما ينفعنا كاولاد لابليس، او ما يضرنا كابناء لادم..

ثمة شيء واحد يعترض هذه التساؤلات كلما اعود الى مشهد عصيان ابليس، اتذكر ماوردنا من حديث للنبي محمد اذ قال: ( لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدَّر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدا).. واتساءل: كم من المسلمين المؤمنين تجنب الشيطان قبل ان يضاجع زوجته؟.. لا اعتقد ان هناك الكثير بما فيهم ابي، وهذا يعني ان ابليس قد تمكن منا جميعا ومني ومن سلالتي الايلة للخلود…

3 تعليقات

  1. المفارقة الكبرى أن الجحيم لن تكون عقوبة لإبليس بل موطن أصيل، فهو من نار، وإن عاش فيه فما المشكلة؟…

  2. ما الذي اجبرك على الدخول في عش الدبابير
    واضح ان ابليس اغواك
    نحاشا لله ان تعتبر ابليس قد تحدى الله سبحانه وتتعالي الذي حكم عليه مسبقا ومن تبعه من الضالين بنار جهنم
    اﻻفضل يا صديقي ان تببتعد عن الدخول في مثل هذه الماهات المضللة

اترك رد